ملاعيب توفيق عكاشة صلاح عيسى   كما يحدث فى التراجيديات الإغريقية وخلال أسبوع واحد حلّق الإعلامى «توفيق عكاشة» فى أجواء الفضاء حتى أصبح على مقربة من النجوم، تتابع كل الفضائيات

ملاعيب توفيق عكاشة

ملاعيب توفيق عكاشة

صلاح عيسى

 

كما يحدث فى التراجيديات الإغريقية وخلال أسبوع واحد حلّق الإعلامى «توفيق عكاشة» فى أجواء الفضاء حتى أصبح على مقربة من النجوم، تتابع كل الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى أنباءه، وتتناقل تصريحاته وتعلق على مواقفه التى كان يعلنها كل ليلة، عبر حوارات مطولة، كانت تجريها معه قناة «الفراعين» التى يتولى رئاستها.. وفى لحظة فارقة وبشكل مباغت صدر قرار بوقف بث البرنامج التليفزيونى اليومى الذى يستضيفه وبحرمانه من الظهور على شاشة هذه القناة، أو على شاشة أى قناة أخرى لمدة ثلاثة شهور وإلا سحب ترخيص القناة.

وكانت البداية حين قرر «توفيق عكاشة» أن يخوض الانتخابات البرلمانية ولأنه كان واثقا بالفوز بمقعد الدائرة، فقد أعلن منذ أول لحظة أنه يخوضها لا لكى يفوز بهذا المقعد، لكن لكى يكون ذلك تمهيدًا لأن يرشح نفسه رئيسا لمجلس النواب القادم.. انطلاقا من أسباب رآها منطقية تماما ، إذ كان أحد الوجوه الإعلامية البارزة التى رفضت حكم جماعة الإخوان المسلمين، ونددت به، ولم تكتف بإعلان هذا الرفض على شاشة القناة التى يديرها، أو بدعوة المواطنين للاحتشاد يوم 30 يونيو 2013 لإعلان ذلك، بل نظم وقاد بنفسه عدة مسيرات ومؤتمرات شعبية فى أكثر من محافظة لهذا الغرض، وهو ما جعل القناة التى يديرها تقدمه لمشاهديها باعتباره «مفجر ثورة 30 يونيو» ولم تكن تلك هى الصفة الوحيدة – من وجهة نظره – التى تؤهله لرئاسة مجلس النواب، بل لأنه – كذلك- مفكر ومخطط سياسى ودارس متعمق لفقه مقارنة الأديان والعلوم السياسية وصاحب بصيرة سياسية جعلته يتنبأ بكثير من الأحداث السياسية قبل وقوعها، وإن كان قد رفض لقب «عراف السياسة الدولية» الذى منحته له قناة «الفراعين» قائلا: إن ما يتوصل إليه فى هذا الشأن لا يستند إلى قراءة الطالع وضرب الرمل وفتح المندل كما يفعل العرافون والمنجمون، بل يستند إلى قراءاته العميقة فى شئون السياسة الدولية.. التى جعلته موضوعا لاهتمام جامعات العالم ومراكز التفكير فيه، ومنها جامعة «هارفارد» الأمريكية ومعهد «كارنيجى» وغيرهما من المنتديات السياسية العالمية.

ومع أن كثيرين حاولوا إقناع توفيق عكاشة بأن المنافسة على رئاسة مجلس النواب، ستكون شرسة بسبب المهام المعقدة التى أناطه بها الدستور الجديد، فضلا عن أن النتائج التى أفرزتها الانتخابات تتطلب فيمن يرأسه خبرة قانونية وسياسية واسعة، ربما يرى كثيرون من النواب أنها لا تتوفر فيه، فقد أصر بعناد على مواصلة دعايته الانتخابية، ودعا النواب المستقلين بالمجلس لاجتماع عام فى إحدى قاعاته، ولما لم يستجب لدعوته العدد الذى كان يتوقعه، اتهم أمانة المجلس بأنها حالت بين النواب وبين حضور الاجتماع، وقرر أن يقلب المنضدة على الجميع، فأعلن أنه سيستقيل من عضوية المجلس وسيغادر البلاد ليقيم فى إحدى الدول الأوروبية، ووجه اتهامات لبعض المسئولين فى الحكومة وفى أجهزة الأمن بأنهم يعملون ضده ويسعون لاإصائه ويحولون بينه وبين الالتقاء برئيس الدولة، على الرغم من أنه كان أحد الذين ساهموا فى مطبخ ثورة يوليو، وهى تصريحات أثارت ضجة.. فقررت هيئة الاستثمار- وهى الهيئة المنوط بها منح تراخيص البث للقنوات الفضائية – أن تعقد اجتماعا لبحث ما يترتب عليها، استنادا إلى نصوص الترخيص.

وما كاد الخبر يتسرب حتى ظهر «توفيق عكاشة» على شاشة «الفراعين» ليقدم أغرب تبرير لما فعله.. وخلاصته أنه لم يكن جادا فيما قاله عن هؤلاء المسئولين، ولم يكن ينوى الاستقالة من مجلس النواب، أو الهجرة من مصر، لكنه كان يقوم بتجربة إعلامية استنادا إلى خبرته السياسية الواسعة ومعرفته العميقة بألاعيب السياسة الدولية لكى ينبه المسئولين فى الدولة إلى أن القوى الدولية التى تتآمر على مصر، تحلل بدقة مواقفهم من حلفائهم الذين شاركوا فى صنع ثورة 30 يونيو، لكى تستغل أية ثغرة فىهذا التحالف وتعمل على توسيعها لكى تحقق هدفها فى اجهاض هذه الثورة!

وأضاف «توفيق عكاشة» أن هذا الأسلوب هو من الأساليب التى يتبعها علماء الاجتماع لقياس اتجاهات القوى السياسة وردود أفعالها ومن بينها اطلاق شائعة ما لقياس مدى رواجها ومدى إقبال المواطنين على ترديدها، وأنه هو شخصيا سبق له – اثناء حكم الإخوان- أن قدم حلقة خاصة من برنامجه ظن الذين شاهدوها أنه يؤيد حكم الإخوان ويساند سلطتهم، فى حين أن هدفه من تقديمها كان قياسا لمدى صلابة موقف المنتمين للجبهة المعارضة لهم، وكشف العناصر المترددة داخل هذه الجبهة.

ولم تكن هذه أول مرة يقدم فيها «توفيق عكاشةـ» مثل هذا التبرير الأكاديمىالعميق لمواقفه، فقد سبق له أن اعترض على تولى الرئيس السيسى منصب القائد العام للقوات المسلحة، واتهمه بأنه ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وفيما بعد قال إنه كان يعلم أن السيسى ليس من الإخوان المسلمين ولكنه أراد بالهجوم عليه، أن يوهم الإخوان بذلك لكى يثقوا به ولا يأخذوا الحذر منه!!

تلك تبريرات قد تكون وراء تخفيف عقوبة حظر ظهور «توفيق عكاشة» من ستة أشهر- كما كان الاتجاه فى البداية إلى ثلاثة شهور فقط وقد يراه البعض ملعوبا ذكيا منه، من نوع الملاعيب التى تعودها الساسة ، وقد يدهش البعض لأن «عكاشة» يتبع هذه الأساليب مع أنه إعلامى يفترض أن يقدم للمشاهد الحقائق وليست الأكاذيب أو الملاعيب، لكن المؤكد أن ما فعله قد أوقعه فى مأزق لا يقل حدة المأزق الذى أوقعت هيئة الاستثمار نفسها فيه، إذ سيكون عليها أن تجيب عن سؤال يصعب أن تجيب عنه وهو: هل ينطبق قرار حظر ظهور «

توفيق عكاشة» على شاشة الفراعين وغيرها، على مداخلاته فى مجلس النواب.. أم أن هذا الحظر لن يشمل نشاطه البرلمانى؟!