طارت رقاب ! إبراهيم فرغلي   لا يظنن أحدا فى المنطقة أن الرقاب التى طارت على يد الدواعش ذبحا قد غابت عن المشهد، فلا أظن أن أرواح ضحايا القتلة وداعميهم

طارت رقاب !

طارت رقاب !

إبراهيم فرغلي

 

لا يظنن أحدا فى المنطقة أن الرقاب التى طارت على يد الدواعش ذبحا قد غابت عن المشهد، فلا أظن أن أرواح ضحايا القتلة وداعميهم سوف تحلق بعيدا قبل الثأر مما لحق بها من ظلم؛ قتلا وحرقا وسبيا واغتصابا.

طارت الرقاب لكنها تحلق حولنا، كما قد يرى كل ذى بصيرة، ولن تترك أحدا من ذابحيها أو داعميهم، بالسلاح أو الفتوى أو حتى مجرد التضامن إلا بعد أن تحصل على حقها منه، كما تقول وقائع التاريخ.

لذلك فإعادة حقوق أصحاب الأرواح المزهوقة باسم الطائفة أو الدين أو المذهب، تتحمل مسئوليتها اليوم المؤسسات الدينية التى تتعامى عما يحدث من تلك العصابات التى تعيث فسادا فى الأرض العربية، خصوصا فى العراق وسوريا، وما حولهما، وتنتفض لكلمة فكر يقولها رجل حر، يريد أن يعيد للفكر الحر مكانته التى حرصت عليها الدولة الإسلامية فى فترات مجدها.

لا يمكن أن نفهم أن دولا فى المنطقة العربية، تدعى أنها تحارب الإرهاب بينما أنفقت المليارات لنشر الفكر الجامد والمتخلف، وفرضت الوصاية الفكرية على العالم العربى كله باسم الدين، وجردت أرض الاختلاف والحوار والتعايش من أجل تصحير الوضع الثقافى العربى كاملا من أجل مصالحها، التى يبدو جليا أنها كلها اليوم معرضة للتبدد فى ظل ما تشعله من حروب طائفية فى المنطقة.

إن صمت أى مثقف اليوم على جرائم إرهاب الثقافة والفكر باسم الدين ليس إلا لونا من التضامن الضمنى مع الإرهاب الذى تعلن دول أنها تحاربه بينما هى تفرخه من جهة أخرى بالأفكار، وتدعمه بالمال والسلاح.

لا يمكن أن يعلن رئيس الجمهورية المصرى أنه لا أمل فى المستقبل دون تطوير الخطاب الديني، ثم يباغتنا رجال المؤسسات المفترض أن تتولى هذا التطوير بالدعوة لسجن مفكر أو كاتب مثل إسلام بحيري. وهى فى تقديرى رسالة مضادة لدعوة الإصلاح، مهما قيل فى تبريرها، وهو ما ينطبق على سجن أو الدعوة لإعدام أى شاعر أو مثقف أو كاتب عقابا له على رأيه، ليس فى مصر وحدها فقط بل فى كل دولة عربية أخرى.

لم تعد المنطقة تمتلك رفاهية استحلال دم البشر، باسم الدين أو الفضيلة، بينما ما يتم فى الحقيقة هو ذبح مناهج العقلانية والتفكير الحر، ودعم الأفكار التى تغذى الجمود العقلى وتقتل التعايش وتذكى نار الطائفية.

لا يود البعض تصديق وجود مؤامرة غربية لتقسيم المنطقة، وهذا شأن من يتعامى عما يحدث فى العراق وسوريا وليبيا واليمن، لكن دماء الناس هناك ليست مياهH، وأرواحهم ليست لعبة فى أيدى مراهقى الثورات الذين لا يميزون بين الفعل الثورى وبين السياسة، ولا يدركون من الاثنين إلا لماما. وبالتالى لا يقدرون حقيقة المخاطر التى تحيط بالمنطقة العربية كاملة بسبب أنانيتهم، بدلا من مراجعة أسباب فشلهم، وتنسيق جهدهم لدعم عمل مدنى حزبى يحقق الديمقراطية المطالبين بها. ولذلك ايضا على الدولة أن تراجع ملفات الموقوفين فى قضايا الرأي.

نار الطائفية التى يشعلها البعض اليوم عن سوء تقدير أو عن قصد تحتاج إلى تضافر جهود المثقفين لفضح هذه الأفعال وإدانتها لأن الثمن أكبر من قدرة أى طرف على احتماله.