“3000 ليلة”.. بين الطموح الفنى وسجن النوع أحمد شوقي   بالنظر إلى قائمة الأفلام العربية المعروضة خلال مهرجان دبى السينمائى الثانى عشر، والذى انتهت فعالياته يوم 16 ديسمبر، سواء المعروض

441

“3000 ليلة”.. بين الطموح الفنى وسجن النوع

أحمد شوقي

 

بالنظر إلى قائمة الأفلام العربية المعروضة خلال مهرجان دبى السينمائى الثانى عشر، والذى انتهت فعالياته يوم 16 ديسمبر، سواء المعروض منها فى مسابقات المُهر، أو فى برنامج “ليال عربية” والعروض الخاصة، يمكن بسهولة اعتبار المهرجان الحدث السنوى الأبرز فيما يتعلق بعرض أهم وأحدث الأفلام من مختلف الدول العربية. السينما الفلسطينية على سبيل المثال تواجدت عبر ثلاثة أعمال، عرض خارج المسابقة لفيلم “يا طير الطاير” لهانى أبو أسعد، وفيلمان فى المسابقة أحدهما آت من مهرجان كان “ديجراديه” لعرب وطرزان أبو ناصر، والثانى شارك فى مهرجانى تورنتو ولندن قبل أن يفتتح عرضه الشرق أوسطى الأول فى دبي: “3000 ليلة” لميّ المصرى الذى نتناوله فى هذا المقال.

الفيلم هو العمل الروائى الطويل الأول للمخرجة المتمرسة فى عالم الأفلام التسجيلية، وهو عملها المنفرد أيضا بعد مشوار طويل من الإخراج المشترك مع زوجها المخرج جان شمعون، الأمر الذى جعله حدثا يترقبه الكثيرون ممن شاهدوا من قبل أفلام المخرجة الشهيرة مثل “يوميات بيروت” و”أحلام المنفى”.

مى المصرى بدورها اختارت أن تدور حكايتها فى نفس المساحة التى طالما برعت فيها: الشق الإنسانى للقضية الفلسطينية، عبر حكاية امرأة شابة تدعى ليال (ميساء عبد الهادي) تدخل أحد السجون الإسرائيلية بسبب تطوعها بمساعدة شاب أصيب خلال إحدى العمليات، وعندما ترفض اتهام الشاب ظلما بأنه أجبرها على معاونته يُحكم عليها بالسجن ثمانى سنوات (من المدة يأتى عنوان الفيلم) لتواجه عالم السجن الذى يجمع بين القسوة عموما والعنصرية تجاه السجينات الفلسطينيات خصوصا.

مخزون خبرة السنين تستخدمه المخرجة هنا لخروج فيلمها فى أفضل صورة، خاصة فى النصف الأول منه، والذى تم تصميم الكثير من مشاهده بإحكام بصري، مثل تتابع اقتياد ليال إلى السجن، والمصور بالكامل بكاميرا متابعة متحركة traveling، تقوم بدور عينى البطلة فى اكتشاف عالم السجن والزنازين، المخصصة منها للسجينات الإسرائيليات بالأساس، حيث يتم اقتياد ليال فى البداية لهناك قبل نقلها لزنزانة الفلسطينيات.

46221_1

الكاميرا هنا تلعب دورا ديناميكيا فى اكتشاف المكان وربطه بمشاعر البطلة المرتبكة والمذعورة، وفى النصف الثانى وبعد استقرار ليال فى السجن وتكوين عالمها الخاص، تصبح حركة الكاميرا أكثر هدوءًا وثقة، برغم احتفاظ المخرجة بنفس تكنيك التصوير المتابع للحدث. يضاف لما سبق توجيه محكم للممثلات، سواء البطلة ميساء عبد الهادى أو كل من لعبن أدوار السجينات والسجانات (المخرجة أوضحت أنهن فلسطينيات من عرب 48 ولسن اسرائيليات كما اعتقد البعض) لتكون محصلة اختيارات المخرجة البصرية ناضجة ومتميزة بشكل عام.

لكن ما سبق لا يكفى وحده لصناعة عمل متميز بالكامل، فهناك أمر جوهرى اسمه أصالة الحكاية والعالم الفيلمي، اسمه عنصر الجدّة الذى يفترض أن يحمله كل فيلم لمشاهديه حتى لا يشعرون أنهم يشاهدون عملا يعاد تدويره، وهو هنا أمر مفقود لسبب أكبر من موهبة المخرجة، لسبب يرتبط بالنوع نفسه (دراما السجن) والذى يبدو أن السينما قد استهلكته كليا، بدرجة تجعل مخرجة موهوبة ومتمكنة مثل مى المصرى غير قادرة على الخروج منه ولو بتفصيلة طازجة.

كل شيء شوهد من قبل، التفرقة بين السجناء لسبب ما، انعكاس هذا على حرية أكبر فى الملبس والحركة، السجين المظلوم، والحبيب الذى يخونه فى محنته، محاولة إدارة السجن لاستمالة سجين عبر منحهم إياه امتيازات غير مبررة تجعله مشكوكا فى أمره من قبل رفاقه، السجين الشرير الذى يصير داعما للبطل عندما يساعده فى محنة، تحدى ألم السجن بالضحك والتماسك وامتلاك أمل، وبالطبع الموتيفات البصرية والرمزية كاستخدام قضبان الزنازين وأبراج المراقبة والعصفور الحر والحبيس!

مجددا هذا ليس ضعفا من مى المصرى فى كتابة سيناريو فيلمها، فالسيناريو متماسك ومؤثر (ربما يعيبه فقط التسرع فى إنهاء الحكاية خلال فصلها الأخير) لكن المشكلة فى اختيارها النوع نفسه، بخياراته المحدودة والمستهلكة التى يصعب أن يخرج صانع أفلام من أسرها مهما بلغ حذقه. حتى محاولة التجديد الأساسية فى ربط كل هذا بالقضية الفلسطينية هى مجرد إطار شكلانى ليس وثيق الاتباط بالدراما، وبفرض أننا جعلنا السجينات الاسرائيليات من نفس جنسية البطلة ورفاقها، وصار تفرقة الإدارة لصالحهن سببها ثراءهم أو نفوذهم مثلا، فسنجد فيلما مكتمل الأركان لا يحتاج تعديل يذكر حتى يصير فيلما يناقش ممارسة السلطة للتفرقة الطبقية حتى داخل السجون، أى أن القضية هنا هى مجرد عنوان ومعلومات تذكر قبل تترات النهاية، دون أن يكون لها تأثير فعلى لخلق دراما سجن تميز سجن اسرائيلى عن آخر مصرى أو أمريكي.

“3000 ليلة” فيلم جيد الصنع لا يعانى عيوبا تذكر، لكنه أيضا فيلم سهل النسيان لأنه لا يحمل أى خصوصية تميزه عن أى عمل آخر دارت أحداثه فى نفس الأجواء. أمر يجعلنا نشيد بتجربة مى المصرى الأولى فى إخراج الأفلام الروائية، ونأمل أن تقوم فى فيلمها المقبل بتناول عالم أكثر طزاجة.