أعلنت لجنة جائزة ساويرس جوائزها مساء يوم الثلاثاء الماضى 12 يناير، حيث حصد المركز الأول لفرع شباب الرواية  كل من الروائى أحمد عبد اللطيف عن “كتاب النحات،” وخالد أحمد عن

llll

أعلنت لجنة جائزة ساويرس جوائزها مساء يوم الثلاثاء الماضى 12 يناير، حيث حصد المركز الأول لفرع شباب الرواية  كل من الروائى أحمد عبد اللطيف عن “كتاب النحات،” وخالد أحمد عن “شرق الدائرى” مناصفة، كانت للقاهرة هذا الحوار مع أحمد عبداللطيف بعد حصوله على الجائزة.

يعرف نفسه ككاتب أولًا، ويبدو أنه لا يتنازل عن تلك الصفة، ومن بعد الكتابة يأتى كل شىء آخر، الصحافة والترجمة والبحث، تغوص رواياته فى التراث الإنسانى وتبغى تفكيكه ومعرفته ومحاولة التعامل معه من منطلق فهمه، ومن ثم فهم الإنسان.

حوار : أحمد ليثى

بمناسبة فوزك بجائزة ساويرس للرواية فرع شباب الأدباء، ماذا تعنى الجوائز بالنسبة لك؟

الجائزة، كما أعتقد، هى أن أكتب ما أريد بحرية كاملة وبإخلاص لفكرتى عن فن الرواية، وبالاتساق مع تصوراتى الفنية. ما يأتى بعد ذلك أعتبره هامشًا. أعتقد كذلك أن الكاتب لا يفوز بجائزة، الفائز هو الكتاب ونحن مجرد مندوبين عنه، نتسلمها بالنيابة. ليس أكثر من ذلك. بهذا المعنى لا أعتبر نفسى فائزًا بجائزة الدولة التشجيعية، بل فازت بها رواية “صانع المفاتيح”، وبذلك تكون رواية “كتاب النحات” هى الفائزة بجائزة ساويرس الثقافية. أما أنا فجائزتى نلتها يوم كتبت ويوم انتهيت من كتابة الرواية. أظن، كما يقول ماركيز، أن الكاتب لا يستحق أكثر من أجرة الاسكافى عن عمله. لكن إذا كانت الجائزة، كما يحدث الآن، تساعد فى انتشار الكتاب وزيادة عدد قرائه، فتلك فائدة كبرى يجب أن تُشكر عليها.

هل يكتب الكاتب بحثًا عن يقين ما، يحاول بالكتابة البحث عن اجابات لأسئلته؟

الكاتب يجب أن ينطلق من سؤال أو افتراضية ليشيد عمله. السؤال هو المحرك الأول. هذه الحيرة النابعة بالأساس من فكرة الشك لا من فكرة اليقين. لا أظن أن أصحاب اليقين فى حاجة إلى كتابة، بل ان عملية القراءة نفسها تأتى بدافع البحث عن إجابة أو مشاركة السؤال، أى من فكرة الشك. فى كتابتى لا أبحث عن يقين، وبالتأكيد لا أصل إليه. كتابتى مجرد تمثيلات للعالم فى محاولة للتعرف عليه، والتعرف على الإنسان. لذلك لا يعنينى أن أقدم إجابة، بل أقدم سؤالًا. وفى ظنى ان كل كاتب تشغله عدة أسئلة ينجز مشروعه الأدبى كاملًا فى الدوران حولها، وفى كل مرة يقدمها بطرق مختلفة. لاحظ أن الرواية ما بعد الحداثية بطلها مهزوم حتى لو كان إلهًا، وراويها يخمّن ويفترض أكثر منه يعرف. إنها تمثيل فنى للتيه الإنسانى وليست مجرد حكاية للتسلية. لاحظ أيضًا أن الرواية لطبيعتها واتساعها هى الفن القادر على احتواء أسئلة الفلسفة والوجود، وأعتقد أن دورها فى هذا السياق الآن أهم من ذى قبل.

هل تكتب لفكرة طرأت عليك، أم تجلس امام الورق وتترك نفسك لتداعى الأفكار، ولمن تكتب؟

كتابة الرواية تمر عندى بمرحلتين. الأولى فوضى تامة، وهى المرحلة الأصعب بالمناسبة. فى الفوضى التامة تتلاقح الأفكار وتتوالد، تتشكّل العوالم وتبرز الشخصيات، أسمع أصوات شخصياتى وأرى صورهم. أثناء ذلك تكون الرواية مجرد عالم يعيش فى ذهني. المرحلة الثانية مرحلة الكتابة والنظام، وفيها أكتب بانتظام وعلى مهل، أحوّل خيالاتى إلى كائنات ملموسة. لا أجلس أبدًا فى انتظار فكرة، أجلس فقط لأكتب فكرة موجودة بالفعل، أجلس لأفكر فى كيفية التعبير عنها، فى انتقاء العبارة الحقيقية وليست الجميلة. فى كل مراحل الكتابة ليس لديّ قارئ متخيل. لا أعرف من سيقرؤنى ولا من سيهتم بالاطلاع على تجربتي. لذلك أعتبر نفسى كاتبًا للجميع، لكل من يحب أن يدخل عالمى ويشاركنى أسئلتي. هذا القارئ المتخيل غير الموجود يمنحنى حرية أكبر، إذ بذلك أكتب ما يروق لى لا تحت ضغط أو بشروط مسبقة. على أى حال لا أعتقد أن كتاباتى صعبة أو معقدة، يمكن للجميع أن يقرأها ببساطة ليتوصل فى النهاية لتأويله الخاص.

باعتبارك مترجمًا أولًا، كيف تؤثر الترجمة على العمل الابداعى، وهل هناك تقاطع بينهما؟

أنا أولًا كاتب، ثم يأتى بعد ذلك عملى الترجمى والصحفى والبحثي. أعنى أن الكتابة هى متن حياتي، وما دونها هامش، ربما أدوار أخرى يجب أن أؤديها لظروف مختلفة. أؤديها بحب بالطبع، وأثناء تأديتها أستفيد منها وأطوّعها لتكون طرقًا ممهدة للكتابة وليست عائقًا. الترجمة مثلًا أقوم بها فى الفترة التى لا أكتب فيها، غير أن الاستفادة الحقيقية والكبرى تأتى من القراءة. القراءة هى المعلم الأكبر وصاحبة التأثير الأساسى لأنها تفتح الأفق على أسئلة جديدة أو تعيد تدوير السؤال بشكل جديد.

يرى الروائى البيروفى “ماريو بارجاس يوسا” أنه يمكن العثور فى كل قصة، حتى فى أكثرها انطلاقًا وتحررًا وتخيلًا، على نقطة انطلاق مرتبطة بتجارب حياتية لكاتبها، ويكاد لا يرى استثناء لذلك، هل ارتبط “كتاب النحات” بتجارب حياتية عشتها؟

أعتقد أن كتابة الرواية جزء منا، لكنها ليست نحن تمامًا. إنها الهواجس التى تطاردنا والأسئلة المتسلطة التى لا تتركنا نعيش فى سلام. و”كتاب النحات” ينطبق عليها ذلك. أظن أننى أنطلق من منطقة أعرفها لأصل إلى منطقة لا أعرفها لأتعرف عليها، إذ تمنحنا الحياة من التعاسة ما يكفى لنقف ونستفسر، فنصل بذلك، أو نحاول الوصول، لتفسير ما أو رؤية. فى تقديرى هنا تكمن أهمية الفنون، انها تضعنا أمام حياتنا وجهًا لوجه، وحينها نكتشف أشياء جديدة. دعنى أخبرك أننى مشغول جدًا بفكرة المصائر والتحولات، كيف تبدأ الأشياء وكيف تنتهي. بذلك اتفق مع يوسا فى تأثير التجربة الحياتية على الكاتب، غير أن تحويل التجربة الحياتية إلى فن يتطلب أشياء أخرى أعمق من تدوينها. أعنى إلقاء هذه التجربة فى مجمرة الفن حتى تنضج وتكتسب معنى أبعد من معناها السطحى أو الشخصي. بالتالي، أنا كل شخصياتى ولا أحد فيها.

بنيت كتاب النحات فى موازاة مع الأسطورة اليونانية التى تحكى عن الملك النحات يجماليون، لماذا نجد فى أعمالك دائمًا استدعاء للتراث الإنسانى؟

ربما يرجع السبب للتكوين فى البدايات. قصة يجماليون قرأتها منذ أكثر من عشرين عامًا، وربما استقرت فى لاوعيى طوال تلك السنوات دون أن أنتبه. المفاجأة أننى لم أنتبه لأثرها إلا قرب انتهائى من كتابة الرواية، حينها فكرت أننى أتوازى مع الأسطورة فى بعض جوانبها. أظن أننى من هواة اللعب مع الأساطير والثوابت، وفى أحيان كثيرة يحدث ذلك دون وعي. بالإضافة إلى أننى أقدّر لأبعد حد التراث الإنسانى والعربى من داخله، لكنه التقدير الذى يجعلنى أتحاور منه وأفككه. لا يمكن، فى رأيي، التخلى عن الماضى الأدبي، لأن الفنون تتراكم. ربما يكون السؤال كيف يمكن أن نستخرج رؤى جديدة ونبنى أساطيرنا الخاصة بزماننا؟

خلق بطل الرواية عالم له وحده فى جزيرة، صنعه من التماثيل، هل هذا هروب من الواقع، وتشكيل واقع آخر يريده؟

البطل نعم كان يهرب من الواقع، لكننى ككاتب كنت أطرح سؤالًا حول هذا الواقع. الافتراضية كانت هل سنصبح أكثر سعادة فى عالم آخر؟ أم أننا سننقل أزماتنا إلى أى عالم نذهب إليه؟ من هنا جاءت فكرة التشابهات. لكن الرواية أيضًا، وبالأساس، تلعب لعبة الخلق وتحاول رصد تاريخ الإنسان ومعتقداته وعلاقته بالخالق، كما تنشغل بفكرة الحقيقة المطلقة ومدعيها.

لماذا تهتم بتأريخ بداية الخلق، وهل تعتقد ان التاريخ المكتوب لابد أن يتم النظر فيه مرة أخرى؟

تاريخ بداية الخلق ليس تاريخًا واحدًا، والأساطير التى تناولته أكبر من حصرها، فلكل ثقافة أسطورتها الخاصة، وللعلم أيضًا دور فى هذا السياق. لكن ما يهمنى كروائى هو الوصول للمعنى الإنساني، ومحاولة فهم ماذا نفعل نحن فى هذه الأرض. لقد أدى تشويه التاريخ، أو سوء تأويله، إلى مجازر ومذابح خلفت وراءها بحيرات من الدماء، وما زلنا ندفع تبعات هذا التشويه. ربما يكون الآن، اكثر من أى وقت مضى، الوقت المناسب لقراءة التراث الإنسانى خاصة العربى والتحاور معه، خاصة ما يخص المعتقدات الدينية. الأمر ليس فقط لأن المنتصر يكتب التاريخ ما يعنى أننا لا يجب أن نصدقه. بل ايضًا لأن الآن، خاصة مع نظرية ميشيل فوكو، أصبحت هناك طرق جديدة للتعرف على التاريخ بعيدًا عن التاريخ الرسمي. فى سياق آخر، الرواية لا تؤرخ بقدر ما تجادل وتسأل، وربما تقدم رؤية للأحداث التى أوردتها.

هل تعتقد أن الانسان هو الذى صنع أساطيره، وأنه لم يتخلص من سطوة تلك الأساطير حتى اليوم؟

أعتقد أن الإنسان هو من فعل كل شيء. حتى لو لم يصنع، يكفى أنه من جعلها تشغل القدر الكبير من حياته على حساب أشياء أخرى. هذا النوع من الانشغال وتضخيم الأشياء أدى فى النهاية إلى ان يكون فريسة للأسطورة.