حوار: سامح فايز خلافا للسنوات السابقة، لم تلق جوائر مؤسسة ساويرس أى انتقادات، رغم ان السنة الماضية كانت الأكثر استهدافا. لكن هذا العام كل شىء مر بسلام. ففى الأجواء الثقافية ما

وليد علاء الدين

حوار: سامح فايز

خلافا للسنوات السابقة، لم تلق جوائر مؤسسة ساويرس أى انتقادات، رغم ان السنة الماضية كانت الأكثر استهدافا. لكن هذا العام كل شىء مر بسلام. ففى الأجواء الثقافية ما يوحى برضا عام عنها، هل لاكتسابها نضجا راكمته عبر دوارتها السابقة؟

مع تأكيد حضور الجائزة، تتجدد أسئلة، منها: لماذا أصبح الكاتب اليوم مهما كانت قوة كتابته فى حاجة إلى جائزة كى ينتبه إليه القارئ والناقد والصحفى الثقافي؟ لماذا تهاجم الجوائز فى مصر كل عام بدعوى أنها تذهب للأصدقاء وغير محايدة؟ هناك أعمال جيدة لا تصل إلى قوائم الجوائز رغم أنها تحظى بقبول القراء والنقاد؟ هل تصنع الجائزة نجما؟ هل تصلح الجوائز لأن تكون معيارا للأدب الجيد؟  هل هناك ضوابط ومعايير لاختيار الأعمال الفائزة أم أن اختيار لجان التحكيم انطباعى ويخضع للذائقة؟ فى مصر توجد جوائز ادبية كثيرة واختياراتها مهمة ومع ذلك لا تحظى بنفس الاهتمام الاعلامى والنقدى الذى تحظى به ساويرس؟ اعترض البعض فى العام 2015 على نتائج جائزة ساويرس بسبب وجود صحفين فى لجان التحكيم، هل يجب أن تتشكل لجان التحكيم من نقاد فقط؟ لماذا لا توجد جائزة مصرية لها نفس الأثر الذى تحققه جائزة البوكر؟ هل السبب فى القيمة المالية المرتفعة للفائز بالبوكر أم أن هناك أسبابا أخرى؟

هذه الأسئلة وغيرها تطرح على الفائزين في هذا الملف. في محاولة للإجابة على سؤال، لماذا نالت جوائز ساويرس “شرعيتها” الثقافية؟

وليد علاء الدين حصل على المركز الثانى فى مسابقة ساويرس الثقافية فى النص المسرحي، قال:

…………………..

* إن القراءة ليست جزءًا من نسيجنا، وبالتالى لا ينجح الكثيرون فى تكوين رؤية خاصة – عبر تراكم القراءة – تساعدهم فى الاختيار والفرز والتقييم بشكل مستقل، وهنا تصبح الجائزة مبررًا يركنون إليه… لكن اسمح لى أن أعيد ترتيب صياغة سؤالك ليصبح: لماذا لا ينتبه القارئ والناقد والصحفى الثقافى إلى الكاتب – مهما كانت قوة كتابته، على حد تعبيرك – إلا بعد حصوله على جائزة؟ هنا تكون الإجابة مسئولية الثلاثة وليست مسئولية الكاتب.

وسوف أسمح لنفسى أن أجيب عنهم لجمعى بين المواقع الثلاثة؛ كقارئ أضبط نفسى متلبسًا بالفضول تجاه كل عمل يحصد جائزة، الغريب أن هذا الفضول ظل قائمًا تجاه كل عمل – بشكل منفرد – رغم تكرار صدمتى فى مستوى جودة الكثير من الأعمال الفائزة، وهو أمر جيد – أن يستمر فضولى – لأننى أحاول دائمًا تفادى صنع قاعدة مطلقة، فنحن مجتمعات بلا معايير بالأساس، ومن الظلم أن تصنع قاعدة مطلقة فى مجتمع بلا قواعد، كأن تقول مثلا: كل الأعمال الفائزة بجوائز رديئة، وكل الجوائز موجهة… لأنك لا تضمن حتى أن ينجح ممولو الجوائز فى ضبط هذا المعيار إذا كان موجودًا، فيقع الظلم على أعمال جيدة وليست رديئة فازت بجوائز موجهة أو يقع الظلم على جوائز ليست موجهة لكنها اختارت عملا رديئًا.

لقد نجحتُ بعد فترة – ليست قصيرة – فى تجاوز الشعور بالصدمة أو التعجب عندما أجد أن العمل الفائز أقل كثيرًا من تصوراتى وربما أقل من المتوسط العام المقبول بافتراض وجوده، لكننى ظللت أتابع الأعمال الفائزة لأحكم بشكل مستقل على كل عمل وكذلك لأعزز أو أنفى تصوراتى المبدئية عن هذه الجائزة أو تلك. هذا الوعى الذى كونته – كقارئ – دفعنى إلى الكتابة عن الأعمال الفائزة كناقد أحاول نقل تجربتى فى انتقاء عمل جيد للقراء، وكصحفى ثقافى جعلنى أرفض أو أقبل قراءات نقدية تتعلق بتلك الأعمال وفق درجة الصدق أو المجاملة فيها.

هذه الظاهرة التى نتحدث عنها فى رأيى لا تحتاج إلى معالجة، فقط تحتاج إلى ضبط معايير النقد والصحافة الثقافية، أن يكون من حق كل عمل أدبى منشور قراءة نقدية ومراجعة صحفية كخدمة للقارئ، شريطة أن نعود إلى معنى النقد: وهو فرز الجيد من السيئ، وأن نعود إلى دور الصحافة الثقافية: وهو التعريف بالأشياء وليس الترويج لها. وقبلها أن نضبط مهنة النشر ونعيد إليها مجدها بعد أن أصبحت تجارة لكل من هب ودب.

…………………..

* هذا انطباع عمومى فى حاجة دائمًا إلى مراجعة، لا أنفيه ولا أؤكده لأننى لا أمتلك دليلا للنفى أو الإثبات المطلق، لكن دعنا نتساءل عن سبب هذا الانطباع! سببه فى رأيى غياب المعايير وتراجع الشفافية وعدم تحديد أدوار الأشخاص أو المؤسسات، بمعنى أنه خطأ إدارى بقدر ما هو ثقافي؛ ثقافة الناس تحدد شكل إدارتهم؛ وثقافتنا لا تخلو من الشللية والمجاملة والبحث عن المصالح وتقديم الخدمات، داخل دائرتنا نسمى هذه الأشياء: جدعنة وفهلوة وصحوبية، ولا ننتبه إلى أنها فساد وخلل إدارة إلا عندما تكون خارج دوائرنا. لذلك سوف تظل الاتهامات للجوائز ولن تتراجع لأننا لم نبذل جهدًا لتغيير ثقافتنا نفسها، لست ضد أن يُشير الناسُ لبعضهم البعض بأصابع الاتهام، فهو أمر صحى إن قمنا به بطريقة صحيحة، ولكنى ضد المجانية والتعميم فى كل الأحوال.

…………………..

* قوائم الجوائز منتج بشري، بمعنى أنه محكوم بأمزجة البشر الذين ينتجونه بقدر ما هو محكوم بتوجهات واعتبارات الجهة المانحة للجوائز، وهذه أمور طبيعية، فالموضوعية خرافة حين يتعلق الأمر بالإبداع والثقافة، ولكن هذه ليست شماعة للفساد، لأن البديل هو الشفافية – ولذلك فقد اعتبرها علم الإدارة معيارًا: أعلن بوضوح وشفافية عن معاييرك وتوجهاتك لكى نقيس عليها تصرفاتك واختياراتك فنغلق الباب أمام الخلاف. ولا يبقى إلا الاختلاف الذى يمكن إثراؤه بالمناقشة وهكذا تتطور المنظومات.

…………………..

* أن تتحدث عن سر جمال عمل أدبي، ليس كأن تتحدث عن مواصفات سيارة أو هاتف، الأمر أعقد بكثير، ولجان التحكيم ليسوا مهندسين ميكانيكا يطبقون معادلات محسوبة لا تخيب، فمنابع ثقافاتهم مختلفة وأذواقهم مختلفة، حتى أنه – علميًا – ربما تكون مدارس قراءتهم للعمل الواحد مختلفة، فهذا يختار العمل الذى يخدم المجتمع، بينما يرى الآخر أن الأدب جمال ومتعة أولا أو أخيرًا، بينما الثالث ينتظر أن يحقق العمل تجاوزًا فى الشكل… إلخ، وسط هذا التفاوت المرتبط بطبائع الأمور يصبح اختيار عمل واحد كرواية محمد ربيع من لجنتين مختلفتين هو الاستثناء الذى – إذا تم – يثير التساؤل، ويصبح وصول الأعمال الفائزة بجوائز ساويرس إلى قائمة البوكر أمرًا مثيرًا للدهشة ومؤشرًا على أن أعضاء اللجان – ربما – يأخذون بالشهير ولا يحتكمون إلى أنفسهم.

…………………..

* فى الواقع يحدث هذا الأمر، الجوائز تصنع أسماء النجوم، ولكنها لا تصنع إبداعًا.

…………………..

* لا تعريف مطلق لمقولة الأدب الجيد، سوى أنه الإبداع الأدبى الذى يتحول إلى جزء من ثقافة الشعوب خلال تحولاتها، وعندها لا يصبح أدبًا بل تراثا، لذلك لا جائزة ولا غيرها يصلح لأن يكون معيارًا للأدب الجيد. علينا أن نترك حكاية الأدب الجيد لكى تتم كمحصلة ولا نتدخل فيها، ولكى يتم ذلك بشكل طبيعى علينا أن نتمسك فقط بمعايير التنظيم العامة وقواعد الأخلاق وأن نفتح الباب لكل أدب وأن نضبط ميزان النقد ونعيده إلى وظيفته وميزان الإعلام ونعيده إلى دوره. ونترك فكرة اختيار الأدب الجيد وتصنيفه لطبائع الأشياء.

…………………..

* كل جائزة مهمة من حيث كونها أداة تحفيز وتنبيه، سواء للمبدعين أو للقراء، هذا هو أصل الفكرة؛ العامل يحب المكافأة على عمله، والبشر يتوقعون أن من تمت مكافأته قد استحقها لفضلٍ فيما ينتج فيبحثون عن منتجه، لذلك فكل جائزة مهمة لأصل فكرتها، لكنها تزداد أهمية لأسباب أخرى إضافية؛ أن تكون قيمتها المادية أكبر، أن تشتهر بالنزاهة فى الاختيار وأن تحكم من داخل التخصص لا خارجه، أن تكون شفافة، أن تكون ناجحة فى إدارة علاقاتها بالإعلام والترويج لنفسها وللفائزين فيها.

قبل هذه الدورة من ساويرس لم أكن أملك الشجاعة للحديث عنها، أما وقد فزت دون أن أعرف أحدًا أو يعرفنى أحد فيها، ولم يكن سفيرى للجائزة سوى نص سلمه صديق نيابة عنى لأنى أقيم خارج مصر من سنوات طويلة، فأستطيع أن أقول لو أن الأمور تدار بهذه الطريقة فإن الجائزة تستحق التقدير والانتباه. أضف إلى ذلك أن مؤسسة ساويرس مؤسسة مجتمع مدنى وهو تقريبًا – أى المجتمع المدنى – احدى الجهات القليلة فى مصر التى تحترم قواعد التنظيم والتخطيط والإدارة وهى عوامل النجاح فى هذا العصر.

…………………..

* النقد – وإن كان علمًا – فهو ليس وظيفة، وإن اتفقنا أن نتائج كل جائزة – مثلها مثل نتائج الدراسات فى العلوم الانسانية – لا يجوز تعميمها إنما يمكن الاسترشاد بها فى نطاق محسوب، فإن نتائج كل جائزة – شريطة الشفافية وانضباط القواعد – مرهونة بحدود الجائزة وما نجحت فى تصديره عن نفسها فى الوسط. وفى الوقت ذاته مرهونة بأعضاء لجانها الذين تُعلن أسماؤهم وخبراتهم، والصور الذهنية عنهم. لا فرق بعد ذلك إن كانوا صحفيين أم أدباء أم نقادا بالمعنى الأكاديمي.

…………………..

* نقد المسرح – كعمل – أمر شديد التعقيد، قد يكون النص جيدًا وما يتعلق بتنفيذه ليس كذلك، أو العكس، لذلك فإن النقاد المحترفين يفرقون فى نقدهم بين هذه التفاصيل ويولون كل تفصيلة اهتمامًا وصولا إلى نتيجة كلية.

اختيار نص مترجم للتقديم على الخشبة – فى رأيى – يمكن أن يكون محلا للنقد السلبى فى حالة واحدة فقط وهى أن يفشل المخرج فى تبرير اختياره فنيًا وتقديمه فى رؤية جديرة بالانتباه.

أما من ناحية الكتابة، فعندى ملاحظة مبدئية لا يجوز تعميمها، لكن فيما مر على من نصوص مسرح مصرى فى السنوات الماضية، هناك حالة غريبة من اجترار التراث فى الفكرة والتناول، أسميها بين الأصدقاء: عدوى سعد الله ونوس، وكأن المسرح لابد وأن ينهل من التراث أو أن يستعيد قصصه وبالآليات نفسها تقريبا فى كل مرة. علينا أن نكتب المسرح بروح تشبهنا، مسرح ونوس مسرح بديع وأدب جيد لأنه يشبه عصره، وعلينا نحن كذلك أن نكتب ما يشبه عصرنا إذا أردنا أن نبدع مسرحًا جيدًا.