رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية الخراط سنة 1996   رسالة من فخرى صالح   يسعى إدوار الخراط فى معظم ما يكتبه إلى كتابة نص يتجاوز الأجناس الأدبية

إدوار الخراط (6)

رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية الخراط سنة 1996

 

رسالة من فخرى صالح

 

يسعى إدوار الخراط فى معظم ما يكتبه إلى كتابة نص يتجاوز الأجناس الأدبية المتداولة ويشكل منها نصا يضم فى بنيته خصائص نوعية مختلفة، ولقد كانت أعماله السابقة، بدءا من «حيطان عالية»، وانتهاء بروايته «الزمن الآخر» محاولة لكتابة نص هجين، نص تتضافر فيه الأنواع لتشكل شكلا جديدا من اشكال الكتابة التى تقلب الأفعال والعلاقات والممارسات على وجوهها لتصل إلى تفسير مقنع لعلل الأشياء وأسباب حدوثها، ولنقل فى وصف أعمال الخراط أنه يستخدم خصائص الأنواع الأدبية: القصة والشعر والرواية.. إلخ مازجا ذلك بتحليل فلسفى خاص ورؤية اسطورية – كونية ليشكل نصه.

لقد كان هذا المنحى واضحا فى أعماله السابقة، لكنه فى أعماله الأخيرة خاصة «ترابها زعفران: نصوص اسكندرانية» يلجأ إلى تنويع السيرة الذاتية علها تمده بأدوات وأشكال جديدة لم تستطع الأنواع الأدبية الأخرى أن تمده بها، لكنه حالما يشرع فى رواية سيرته الذاتية يقلب السيرة إلى نوع من التأمل الذى يمزج الحاضر بالماضى والمستقبل، ولا نعود نميز بين ما حدث فعلا وما لم يحدث اطلاقا، اننا اذن فى حضرة مخيلة جامحة تارة اسطورية وتارة حلمية تعيد تكوين الأشياء والأحداث وتنزع إلى قسر الأفعال على الحدوث. يشكل المكان «الاسكندرية» الذى هو مسرح الذكريات وسطا لحلم الصيرورة هذه وعالما يتزاوج فيه الواقع بالخيال والفعل المجهض ببديله الذى يتحقق فى الحلم، ولعل لغة الخراط التى تزاوج بين شعرية التعبير والسرد الدائرى الذى يعود دائما على نفسه هى ما يجعل هذه المزاوجة مقبولة، خصوصا أن نص الخراط يستخدم اللغة بصيغها وفضاءاتها كمادة أولى أساسية فى عمله، لا كلغة وقائع وأحداث بل كلغة يتفجر فيها الوجود وينقسم، إن اللغة ليست اذن مجرد مادة خام قابلة للتطويع والاستخدام، بل هى منجم الذكريات والبوتقة التى تشكل بها التجربة وتنكسر، وبالتالى فليس غريبا أن يكتب الخراط صيرورة لا سيرة لأن اللغة تصير هنا، وبتعبير أدونيس كيمياء للتحول فيها يدرك المرء صورة التحولات الوجودية.

ومن يتبع التقنيات التى يستخدمها الخراط فى كتابته يدرك كم أن هذا الفهم للغة جوهرى بالنسبة للخراط ويدرك أيضا أن طريقته فى استخدام اللغة تنزع إلى جعل اللغة لا مجرد حامل وجودى للتجربة بل كونها للتجربة نفسها.

كما أنه يوحى باستخدامه للفعل «كان» واكثاره منه بفضاء السيرة، ويحاول اقناعنا أن هذه الأحداث والوقائع التى يرويها قد حدثت فعلا رغم أنه ينفى ذلك باستمرار، إن هذا التناقض يمنح العمل بنية مزدوجة تشير بوضوح إلى ازدواج فى لعبة المشاعر البشرية فيما يخص علاقة الإنسان بحياته الماضية، وقد لاحظت من خلال قراءة معظم أعمال الخراط الروائية والقصصية أنه يستخدم لعبة الازدواج هذه بكثرة فى أعماله مما يشير إلى أن موضوعات الخراط الرئيسية فى كتاباته جميعا هى فحص لعبة المشاعر هذه وتقصى علائقها، انه مثلا يثبت الرواية ثم ينفيها ثم يقوم بنفى النفى وهكذا دواليك فى سلسلة من الروايات المتشككة التى لا تفضى إلا إلى تساؤل مفتوح لا يجد جوابا جازما لمعنى الوجود والعالم.

لا يعنى ما قلناه سابقا ان الخراط فى أعماله كلها يهمل تحديد قسمات المكان الذى يحتضن ذكرياته، بل انه على النقيض من ذلك يقدم وصفا تفصيليا للمكان، وصفا يجعل الأمكنة ومحطات القطارات والمقاهى والمطاحن والشوارع والأزقة والبشر والحيوانات تتجسد جميعا فى النص، وأظن أن هذه المفارقة التى تتوضح قسماتها فى عمل الخراط تجعلنا نقول ان هذا العالم المنقسم الذى يصفه الخراط، العالم الذى يتجسد لحما حيا فى مقابل عالم الحلم والذكريات غير المتحققة، هو بؤرة أعمال الخراط جميعا، التى رغم كونها تقوم بتجسيد الأشياء جميعها لدرجة أن سمات الجسد الحى تضفى عمل الأشياء الجامدة، تهرب من التجربة الحسية المباشرة التى تتقن وصفها إلى عالم من الأحلام والتوهمات التى ترأب الصدع الناتج عن ممارسة التجربة الواقعية/ الحسية، ولننتبه فى تقنيته السردية إلى استعمال صيغة الفعل المضارع فى الرواية عن الماضى الذى يعتقد الخراط أنه جزء لا يتجزأ من التجربة الحاضرة لأن الماضى يعيش فينا ويلازمنا ويشكل جزءا عضويا من لحم حاضرنا.

أعتقد أن كلا من حضور التاريخ المصرى القديم والعادات والمعتقدات القبطية والتاريخ الحديث  لمصر  فى عمل الخراط يعكس التصور السابق للماضى، حيث تصبح اللحظات الماضية اختراقا عموديا للحظة الحاضرة، ويصير التاريخ طبقات جيولوجية متداخلة لا مجرد تراكم للأحداث، فلا معنى للأحداث بذاتها بل يتجسد معناها فيما تشكله فى هذا النسيج الحى الذى يمتزج فيه حاضر الإنسان بماضيه امتزاجا يصعب معه فصلهما والحديث عنهما بصورة منفصلة، وتبرهن تأملات الخراط فى شهادته الحميمة «ترابها زعفران» على فهم يتجاوز مفهوم التراكم التاريخى، وبالتالى يتجاوز المفهوم الذى يفصل الأنواع الأدبية، ويتكامل مع هذه الأخيرة كعناصر تشكل الكل الذى هو النص، الذى يتجاوز الأنواع المتواضع عليها ويقوم بذاته لا كنوع بل كنص يضفر الأنواع جميعا ويصهرها فى بوتقته، ولذلك فإن عمل الخراط الأخير يؤكد جرأة واضحة فى ابتداع شكل جرىء من كتابة السيرة وشكلا جديدا فى إطار الكتابة العربية المعاصرة.