رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996   فريال جبورى غزول  – العراق لكل من قراء ومحبى إدوار الخراط جانب أو جوانب منه تشدنا إليه.

إدوار الخراط (14)

رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996

 

فريال جبورى غزول  – العراق

لكل من قراء ومحبى إدوار الخراط جانب أو جوانب منه تشدنا إليه.

يفتح لى إدوار الخراط نافذة على عالم بديل وزمن آخر، فعندما تضيق الأرض بنا – وما أكثر ما تضيق الأرض بنا – وتقفل الأبواب كلها – بابا وراء باب – ويحكم الحصار- من الداخل والخارج- ويتلاشى حتى الأفق، يبقى رغم كل ذلك ثغرة نافذة تخرجنا من هذا الزمن الردىء ومن هذا العالم الركيك، تنفتح هذه النافذة بفعل إدوار الخراط الإبداعى والإنسانى، لا على عالم متخيل ومستقبلى أو على عصر ذهبى انقرض وصار فى ذمة التاريخ ، بل على الثراء  المكنون فى طيات هذا الزمن الحاضر وفى ثنايا هذا العالم الواقع.

ينزع إدوار الخراط قشرة الرداءة والركاكة ليكشف عن عوالم فى منتهى الروعة والجمال والحميمية فى هذا الواقع البشع.

فى حكايات «ألف ليلة وليلة» هناك كلمات سرية تفتح الكهوف الممتلئة كنوزا، فيكفى أن يقول على بابا «افتح يا سمسم» لينفرج المسدود وينفتح على عالم سحرى وغنى، هو لا يقدر أن يستبدل «سمسم»  بكلمة أخرى كأن يقول «افتح يا رز» أو « افتح يا شعير». لابد أن يقول: «افتح يا سميم»  وأنا اتماهى مع على بابا رمزيا ومجازيا، فعندما أحس بالاكتئاب والهبوط المعنوى واللاجدوى والعبث، عندما أعايش التفاهة والهشاشة التى تغلغلت فى حياتنا حتى أصبحت جزءا من نسيجها، أقول «افتح يا إدوار» وانتزع من الرف كتابا من كتبه: أى كتاب تقع عليه يدى، وافتحه كيفما كان على صفحة من الصفحات فتنطلق الكلمات فى سحرها الشعرى وثرائها الدلالى وإحالتها التراثية وإيحاءاتها الأسطورية لتعيد تشكيل عالمنا، مستكشفة العمق الإنسانى المتوارى فى زحمة اليوم فينزاح اللون الباهت الرمادى عن الأشياء لتبدو شفافة ومشعة بعد إزالة الصدأ منها والرواسب عنها.

أنا لا أقصد بهذا ان «إدوار الخراط» ممتع فحسب، أقصد أنه يرفعنا من حضيض الكآبة والضيق إلى آفاق الممكن والممتع، وهو لا يفعل ذلك عبر تقديم وجه آخر للواقع، بل عبر تقديم عمق آخر للواقع، انه يحفر وهو يكتب يحفر فى الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، فى الذاكرة الخاصة والعامة، وأحس دائما أن كتابات «إدوار الخراط» بؤرة تجتمع فيها اشكال متنوعة الشعرى والسردى، الفلسفى والنفسى والسياسى والصوفى.

وتتجاور فى كتاباته الأبعاد فى تضافر  خلاق: التاريخى بالأسطورى، التسجيلى بالغنائى، العربى بالعالمى والقبطى بالإسلامى، لا أحس بموسوعيته فحسب، بل باستيعابه للمعرفة بشقيها النخبوى والشعبى، وبتجلى هذه المعرفة تجليا أدبيا فى نسيج عمله، بمعنى أن هذه المعرفة لا تتمظهر كنتوء يعلن عن نفسه ويستعرض حضوره فى النص، وإنما تتوارى فيما أصبح يعرف ببطانة النص «sub-text»، ذلك الجزء الذى لا يبدو للعيان ولكنه يتحكم فيما يظهر فى النص المكتوب.

أهم ما يميز كتابات «إدوار الخراط» – سواء كانت أعمالا أدبية أو نقدية، قصة قصيرة أو ثلاثية ملحمية، تعليقا على صور فنية أو إنشاء رسائل شخصية – هو شبقية الأسلوب، ولا يعنى هذا على الإطلاق الثيمات الشبقية – وإن كانت بعض أعماله لا تخلو من مشاهد عشق ووصال من أجمل ما كتب فى تاريخ الإيروسية الطويل، ما أقصده هو قدرة «إدوار الخراط» على تشبيق اللغة «erotisation du langage» – إن صح التعبير- أى قدرته على شحن أى جملة فى خطابه المتنوع بطاقة شبقية فريدة، فتفاصيل الأشياء اليومية العادية من البلح الأخضر وأصوات الكاسيت إلى الجرادل البلاستيك والبنطلون الكاكى – كلها تتفرد وتصبح لها شخصية فى كتابات الخراط، انها تتشخص وبالتالى تكتسب ثراء دلاليا وغنى رمزيا، وتصير مفردات فى عالم شعرى، لكل تفصيل فيه وظيفة جمالية. تشبيق اللغة، إذن هو جعلنا نسترجع خصوصية وحسية وطاقة كل مفردة، كما لو كان القارئ عاشقا يتملى جسد المحبوب فيرى فى تفصيلاته ما لا يلتقطه مشاهد عابر.

وتوازيا مع مقولة هيرودوت «مصر هبة النيل»، فنحن نقول «إن إدوار الخراط هبة مصر» لكل الناطقين بالعربية، إن الإبداعى العربى – «إدوار الخراط» وأمثاله من الحاضرين والغائبين – قد عوضوا لنا عن المحن والهزائم التى توالت علينا وجعلتنا غرباء فى أوطاننا، يعيد لنا «إدوار الخراط» وأمثاله احساسنا بالمواطنة فى هذا الوطن الواسع الذى يضيق بنا ونضيق به، جغرافيتنا، نفطنا، جيوشنا، ومؤسساتنا – تبدو كلها وكأنها نقمة على المواطنين، ويقابل هذه الكفة الثقيلة بالقهر والغم، كفة إبداعنا التى ترفع من معنوياتنا وتفتح لنا نافذة على «وطن آخر» فما يقابل ويجاوز نقمة الأجهزة والمؤسسات هو نعمة الإبداع، وأنا أشعر شخصيا بالامتنان لإدوار الخراط لمنحنا جميعا ما لا تشتريه أموال العالم كلها، وانطلاقا من هذا الامتنان العميق بما أحس انه كرم ومنحة لا تنضب اسمها «إدوار الخراط»، أشعر أيضا بكثير من الامتنان للذين عرفونى على أعمال أديبنا الكبير وحرضونى بحماسهم لكتابته على أن أعرفه وأتعرف عليه، وأنا واثقة لو أنهم كانوا معنا فى هذه المناسبة الجميلة لقدموا شهادات تحية لمبدعنا «إدوار الخراط»، إنهم أربعة من أعز الأصدقاء والأساتذة المفكر الفلسطينى الكبير جبرا إبراهيم جبرا، الأديب العراقى إبراهيم الحريرى، الفنان العراقى أرداش، والناقد المصرى صبرى حافظ، أيها الأصدقاء الكرام أيها الغائبون الحاضرون، لقد فرقنا الزمن الردىء  لكن كلما قرأت لإدوار الخراط أحسست أننى فى تواصل وتماس معكم، وكأننا نتقابل ونتوحد عبر «إدوار الخراط».