رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996   هدى بركات   ليس للكتابة سعى غير نفسها. إنها الخادم والملك. ليس للغة نبض غير قلبها. ليست

إدوار الخراط (3)

رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996

 

هدى بركات

 

ليس للكتابة سعى غير نفسها. إنها الخادم والملك.

ليس للغة نبض غير قلبها. ليست مطية للفكرة. إنها الفكرة ذاتها. كما أن الجسد ليس تابعا للروح. إنهما معا أو بفعل الوقت فعله ويخّرب ويعيث فسادا.

لنعترف أن نفحات شكسبير أو موزيل، الهائمة أبدا بيننا ليست فى إنجلترا أو النمسا أو فى زمنى فعل الكتابة. إنها فى توأمة أرواحنا أينما كانت وفى أى وقت وقعت قراءتنا. تلك هى «مخلوقات الأشواق الطائرة»، وتلك هى قسوة الكتابة وظلمها فهى لا تعترف بقضية عادلة أو بأحقية معتقد لتعطينا صك اعترافها بنا. إنها تطالب بأكثر من ذلك بكثير.

أراك أحيانا منحنى الظهر على سندان كتاباتك الأولى فى عتمة التيار المعاكس، الضئيل والخافت الصوت. أراك أحيانا فى ظل الزوايا الخلفية منكبا على دانتيلا جملك ولا استغرب أن أتخيل لك يدين نحيلتين كأيدى النساء، تراكم الفرزات لكى تحدّ فى خسارات انفصاماتنا بين الذكورة المحاربة بسلطات الخطاب والأنوثة الراكدة فى التبعية والرومنطيقية البائدة، وأيضا لكى نكف عن اعتبار الجسد سقطة الروح وانهزامها.

«هللوليا للجسد»

كتبت فى تحية لصديقك الرسام عدلى رزق الله هللوليا لما هو دنس، أو واقع فى الفراغ بين امتلاءين، أو هو استراحة للسيد المحارب فى ذاكرة قراءتنا. جعلت الجسد ساحة الروح ومكان ورقتها وعذابها معا، وهو صار فى الجنس مكتملا كشمس، يعلو الجسد كما تعلو الهالات رءوس قديسى الأيقونات ويمتزج ذهبها الدقيق بالخشب الأسود.

انتقل الإيروس من اللذة وبها إلى شوق بحثنا عن المطلق، أغنية لمجد الإنسان وتهافته فى اللحظة نفسها، محطة الاختبار النارى – النورانى على درب أنت موقن فى نهايتها بالنور وبجمال الإنسان. استطيع أن أرى ذلك وأنا فى المنقلب الثاني، بين هؤلاء الذين يكتبون فى منطقة اللعنة. أقول إن ذلك الإنسان الذى يشع جمالا عندك ليس سوى شوق ذلك الذى أراه يتخبط فى فساده وألمه ويأسه، ليس سوى رغبته كمتصوف لن يصل أبدا.

لكنك ذلك «الزمن الآخر» العالي، الذى يسير ويعبر فى كتاب إلى آخر داخل بلاط لغته القصوى وباتجاهها فقط.. شكرا أيها المشاء.