كلمة إدوار الخراط في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة 19 مارس 1996. شكرا شكرا من صميم القلب تعوزنى الكلمات حقيقة – والمفترض أننى رجل الكلمات – لأنقل لكم مشاعر الامتنان العميق

إدوار الخراط

كلمة إدوار الخراط في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة 19 مارس 1996.

شكرا

شكرا من صميم القلب

تعوزنى الكلمات حقيقة – والمفترض أننى رجل الكلمات – لأنقل لكم مشاعر الامتنان العميق الذى يعمر قلبى بالدفء، لبادرتكم الجميلة إذ تغمرنى بفضل لعلنى لست منه بشىء.

بادرة تؤكد ما لعله حقا بحاجة إلى توكيد: التراسل الحميم، وتلك القربى الوثيقة بين شتات ما نعكف عليه – نحن أهل الحكاية والرواية – من عمل موحش بطبيعته، يدور فى وحدتنا الصموت لكنه فى الحق يمد خيوطا ما أقوى عُراها بيننا بعضنا البعض، بيننا وبين قرائنا، لكنها تهزم هذه الوحدة، وتحتفل ببهجة التواصل.

فهل تسمحون لى بأن أتحدث هنا عن شىء قد أصفه بأن جذورى الفكرية، منبعا وتصورا، فلعلها هنا سانحة للبوح، وللنظر أيضا فيما قد تحفزه من أسئلة أو قضايا لا تخلو من إثارة للاهتمام.

***

ما الجذور الفكرية التى لعلّها تقع فى أرض العمل الأدبى- والروائى – عندى؟

ما أصعب الإجابة عن مثل هذا السؤال.

ذلك يقتضينى بأن أتتبع مسار رحلة طويلة أظن أننى قد استبقيت شيئا من كل مرحلة فيها.

الجذور الفكرية عندى رحلة – ولعلها ملحمة – متقلبة الأدوار، صاخبة، كلها مغامرات وأدغال وأحراش وآفاق موحشة، وكلها مهاوٍ، وطرق مسدودة، وجزر منفصلة تسكنها «سيرينات» وحوريات كانت أغانيهن فاتنة لا غِلاب لها، واحدة بعد الأخرى، ومعا فى وقت واحد، وأرجو أن تُغفر لى هذه الغنائية التى لعلها مسرفة فى حديثى، فلست أزعم بحال من الأحوال صلة قربى بيوليسيوس ما أو سندباد ما، كل ما أريد أن أنقل لكم صورة من حيرة دائمة ونشدان دائم، ولا أقول إننى رسوت على بر أمان.

أما فى بداية الرحلة، فى فجر الطفولة المعتم الملبد المتوتر بشحنات مكتومة فقد كانت هناك المسيحية، والمسيحية الأرثوذكسية القبطية على وجه التخصيص، وأظن أن الفكر الأرثوذكسى القبطى – وأعنى «الفكر» بالتحديد – قد ترك جذورا ناتئة مترعة بعصير كثيف، وضاربة بعمق فى التربة، وصخرية لا تُقتلع فى أرض حياتى العقلية. وأظن منها على سبيل المثال فكرة توحد الإنسانى والإلهي، أى تقمص الله فى الإنسان، أو بعبارة أخرى تجسد المطلق فى النسبى تجسدا أبديا وآنيا لا ينفى عن أيهما خصوصيته وكماله، ولعل فى ذلك تفسيرا أو إيماء إلى معنى أو دلالة استعصت عليّ كما صعبت على الكثيرين، لذلك «التنين» الذى ما يفتأ يرود عملى الروائى حتى الآن.

على أن وراء هذا الفكر الميتافيزيقى جذورا خلقية عاتية تركتها الأرثوذكسية عندى، والأخلاقية الضرورية عندى شىء لا فكاك منه، وهى غير متربطة سلبا وإيجابا بثواب أو عقاب فى هذا العالم أو فى غيره بل هى قائمة بضرورتها نفسها.

وما استطاعت فكرة من أفكار العبث أو اللامعقول أن تهز جذور الأخلاق الضرورية فى تفكيرى – أما المعادلة التى تجمع بينهما فهى معضلة لا أجد حلا لها فى البحث الفلسفى بقدر ما أجده أو أتلمسه فى حدس يستعصى على التعقيل والمنطقة، حدس بأمر ضرورى لا يستند مع ذلك إلى قوة خارجية أو قوة متعدية متسامية، بل مكتف بذاته، أو نابع – ربما – من الإنسان نفسه لا من خارجه.

أعقب ذلك فترة اختلطت فيها هذه الجذور الفكرية – ما دمت قد آثرت هذا التعبير – بهجوم أفكار الليبراليين الفرنسيين والاشتراكيين الفابيين الإنجليز – فولتير وروسو وقد قرأتهما مترجمين للإنجليزية فى فترة مبكرة جدا – وبرنارد شو وويلز – إلى جانب مما ترسّب فى فكرى من خلال قراءات شديدة النهم بل الجشع فى الأدب الروسى وفى أعمال الكتّاب والشعراء الإنجليز: تولستوى ودويستفسكى وجو جول وتورجنيف وجوركى وسويفت وهاردى وجورج اليوت وشيلى وكيتس وبيرون، ثم قراءات فى طاغور وعن غاندى وقد كانا شديدى الرواج فى آخر الثلاثينات والأربعينات المبكرة، وأخيرا من خلال ترجمات وكتابات سلامة موسى وكتاب المجلة الجديدة، ومن خلال طوباويات جبران خليل جبران الرومانتيكية وأشواقه الصارخة لعدالة وحرية ومساواة تكاد تكون كلها مستحيلة.

تركت هذه الفترة عندى أثرا حاسما لا شك فيه، فقد أصبحت اشتراكيا، فى الأربعينات المبكرة، لكننى ظللت مستهاما بالحرية للفرد، ظللت عميق الإيمان بقيمة الإنسان الفرد – كل إنسان فرد – كما تؤكدها المسيحية، وإلى جانب إيمانى بالعقل والعلم، إيمان زلزل بل طوح بالتسليم الغيبى بأساطير الفلكلور الدينى للشعوب والقبائل البدائية، وإن كان قد أعطاها قيمتها العلمية والفنية، فى أبعادها الحقيقية، تولدت عندى محاور فكرية – إن صح التعبير مرة أخرى – ما زالت هى محاور تفكيرى حتى اليوم: الحرية بالمعنى الأعمق، والعدالة بالمعنى المطلق، قيمة الإنسان الفرد – كل إنسان فرد – التى لا يمكن أن تهدر، وحقه – حق كل إنسان فرد – فى الوفاء بإمكانياته الداخلية والاجتماعية التى لا تكاد تحدها حدود، الإيمان بالعقل وقبول قيم إنسانية تتجاوز العقل وإن كانت لا تتجاوز الإنسان ولا تنبع من خارج الإنسان.

عندما اكتشفت فى علم التحليل النفسى ويونج إلى حد ما، وعندما اكتشفت د. هـ. لورنس فى الأدب- بعد زلزال الأدب الروسى والفكر الاشتراكى الفابى – وصلت هذه الفترة إلى ذروتها، فى الوقت الذى كنا ندخل فيه مرحلة اضطرام الكفاح الوطنى والاجتماعى العنيف عامى 1945 و1946. وفى تلك المرحلة بهرتنى الماركسية – واخترت لنفسى طرازا خاصا منها هو التروتسكية بالتحديد – بما تحمل من يقين كامل وإيجابية كاملة وحلول كاملة لكل مشكلة أو على الأقل ما تشير إليه كمنهاج كامل لحل كل مشكلة – وبما تحمل من تجسيد فعال لكل الأشواق الفكرية التى كانت تحضنى وتحيينى: أشواق العدالة والحرية والإخاء الإنسانى الفسيح. وقد طوعت لنفسى فهما خاصا للماركسية يُبقى على هذه المسلمات الأساسية، لذلك كنت من أشد أعداء الستالينية فى وقت كان ذلك يعتبر نوعا من الهوس والجنون، ولكننى ظللت طوال الوقت – حتى وأنا فى غمار نشاط سياسى مستغرق – أحتفظ فى دخيلتى بشكوك أساسية ترفض الصلب الفلسفى للماركسية، وما زلت أحتفظ بهذا الرفض – مع تسليمى بصحة الكثير من تفسيراتها الاجتماعية وبالأبعاد التى أظنها محدودة ومحددة – مع أننى دفعت ثمن تلك «العقيدة» التى ظللت أضعها موضع السؤال، غالبا، طوال سنتين فى معتقلات أبو قير وهايكستب والطورعلى أيام فاروق.

فهذه إذن من الجذور الفكرية التى يمكن القول إنها تقع فى أرضية إنتاجى الأدبى.

ومع ذلك كله فقد كنت – وما زلت أحب – أديم النظر فى الفلسفة وتاريخها، ولعل جوانب من تفكيرى لا تسلم من أثر الأفلاطونية – وربما الأفلاطونية الإسكندرانية وجه أدق – فقد اقتحمت على فكرى فى فترة باكرة كان عودى الفكرى فيها غضا، وهناك وشائج وثيقة بينها وبين الأرثوذكسية القبطية التى غمرت – فكرا ووجدانا – منذ الطفولة.

تبقى بعد ذلك ما شاركت به الوجودية والسريالية، فى صياغة جوانب معينة من تفكيرى.

ولكن الأرض التى رسخت فيها هذه الجذور الفكرية أرض تمتد أساسا فى قلب مصرى، وهذا القلب بدوره ينبض مغروسا مزروعا بلا اجتثاث فى أرض مصرية، هى عربية فى الوقت نفسه، وجذورها تعود إلى الحقب الفرعونية الضاربة فى عمق الدهور، كما تعود إلى الهيلنستية الإسكندرانية، والعروبة الإسلامية.

والأرض المصرية من ناحيتها ثرة شديدة الخصوبة عميقة الغور، أرض عريقة أجد فيها عراقة الجنس البشرى كله، بل عراقة الحياة ذاتها، إن الفكر المصرى كله يغذوها، وليس هذا الفكر مصوغا فى قوالب النُظم الفلسفية الفكرية بقدر ما يجيش، دون صياغة محددة، فى حياة أهل بلدى التى سَقَت حياتى ورفدتها منذ أول لحظة وستظل ترويها وتغذيها حتى آخر لحظة، فى كل حدوتة سمعتها من «ستى» الفلاحة العجوز، وفى كل قولة قاطعة من أبى وأقربائى الصعايدة، فى كل كلمة وفى كل فعل من الجيران والقسس والشيوخ والعوالم والفرانين والفلاحين وأهل التجارة والشطارة من الأهل وأصدقاء الطفولة والصبا، كل ذلك يكون فى ظنى – تربة الأرض الفكرية التى تمتاح منها الجذور ماءها وعمارة حياتها، ولعل الجذور متشابكة متداخلة، ولعل فيها ما يستخفى عنى، لكنى أظن أن حصادها على أى حال، ليس نمطيا وليس مسبق الصفة، وقد يكون مفاجئا لى أيضا، ورغم أننى أتعرف عليه، حال تخلقه، على الفور، فإن ذلك لا يقلل مفاجأته لى، وفرحته عندى.

وفى ظنى أيضا ان هذه «الجذور الفكرية» كما أحب أن أسميها لا تزال تنمو وتستنبت لها جذوعا وفروعا، وما زالت مغامرتى فى هذه الأرض بلا نهاية.