ماجد يوسف   نعم، تبقى من الكاتب الكبير والمبدع العظيم والناقد الفذ والمترجم الرائع، وكان إدوار الخراط كل هؤلاء جميعا وأكثر، أقول.. تبقى المؤلفات الإبداعية فى القصة والرواية،

إدوار الخراط (12)

 

 

ماجد يوسف

 

نعم، تبقى من الكاتب الكبير والمبدع العظيم والناقد الفذ والمترجم الرائع، وكان إدوار الخراط كل هؤلاء جميعا وأكثر، أقول.. تبقى المؤلفات الإبداعية فى القصة والرواية، والمساهمات النقدية المهمة جدا، ليس فى الأدب وحده وإنما فى الموسيقى والفن التشكيلى والمسرح وأيضا الترجمات الممتازة والمختارة بعناية.. إلى آخره، تبقى باختصار (مكتبة إدوار الخراط) – أعنى مؤلفاته طبعا – بكل غناها وثرائها وتعددها.. مدرسة هائلة للتلامذة والمريدين، و(مقرأة) عظمى لمن أراد التعرف على ذروة من ذرى أدبنا المصرى والعربى الحديث، يجتمع فيها الفن والفكر والتجديد والحداثة والمصرية فى أنقى معانيها، والتاريخ والتراث (عربيا ومصريا وقبطيا وعالميا أيضا) والثقافة الشعبية المصرية مصفاة ومقطرة فى تضاعيف كل ذلك، كما يجب أن يكون استحياء كل هذا فى عمل الفنان.. دون تقعر مبهظ، ودون ترخص مخل، وإنما بعظمة وحساسية لا تؤتيان إلا لكل فنان عبقرى ومثقف حقيقى، وبرغم كل ذلك – وهو حق صراع دون أدنى شك – يبقى من مثل هذه العبقريات الكبرى (والتى تمثل حالة إدوار نموذجا رفيعا لها).. مسائل أخرى، هى التى أقصدها بهذا المقال كله.. وهى القيم القارة وراء كل هذا الزخم الإبداعى والنقدى والفكرى، القيم الأصلية المركزة فى عمق هذه المساهمات جميعا، والبؤرةالمحركة لكل ذلك، والظهير الأعمق والأقوى والأبقى التى تبقى كل هذه الإبداعات الخراطية واحدة من تجلياتها، وشكلا من أشكال تحققها، ودالة عليها.. ولعلها – هذه القيم القارة – هى التى يستقيها جيل تال من جيل رائد أو تلميذ مثلى من معلم كبير مثل إدوار الخراط.

أول هذه القيم فى ظنى وحسى واستصفائى من هذا المبدع الكبير.. هى قيمة (المغامرة) الدائمة فى الإبداع والفن والأدب، فالإبداع ليس مجرد المغايرة السائدة، والاختلاف مع الرائج والمتحقق والموجود، والخروج على المستقر والمستتب والمألوف، هذا مستوى ضرورى ومبدئى للكتابة والإبداع دون شك، لكن الكتابة الحقة تتجاوز كل ذلك – كعتبات أولى – إلى المغامرة، والمغامرة هنا فى معناها (الخراطى) المكين تتمثل فى ضرب حتى منجزات وإضافات الكاتب نفسه، والثورة مستمرة والانقلابية حتى على كشوفه الشخصية، وأفق تجديده الخاص، ونوع حداثته المعين، هى فى تعبير أدق مستمرة على الذات المبدعة، لا تستنيم إلى منجزاتها، ولا تقبع مستقرة فى أرض حرثتها، ولا تهدأ فى أفق وصلت إليه.. هذا الخروج الدائم على منجزات المبدع وكشوفه وتقنياته وأبجدياته الإبداعية، ولغته وطرائقه وحيله الفنية وأسلوبه الخاص.. إلخ، هو ما أعنيه – وما فهمته – من (المغامرة) الأبدية المستمرة عند الخراط، ولو لم يكن الإبداع بهذه الكيفية وبهذه الكفاءة، لكان أى شىء آخر إلا أن يكون إبداعا، هذه الثورة الدائمة، ليست ضد الخارج فحسب.. خارج الفنان والمبدع.. الواقع مثلا وأقانيمه وثوابته ومثله، وإنما ضد الداخل أيضا أو أساسا.. ضد الذات.. ورغبتها المريحة فى الاستكانة بعد التعب إلى محطات تحقق، وإلى واحات إنجاز، وإلى ظل الاكتشافات الوارف، فى هذه اللحظة الهادئة المستنيمة الوادعة بالضبط يجب على المبدع ضرب كل ذلك رغم راحته المطلوبة والمرغوبة، والانقلاب على كل هذا الاستقرار الخادع رغم أنه من منجزات صاحبه المدفوعة الثمن، وربما يكون الثمن باهظا… لكن إذا أردت القمم أيها الكاتب، فلا تخدعنك السفوح التى لعلها ترتفع ارتفاعات ما عن الأرض، ولكنها لم تبلغ الذرى والقمم بعد.. الفنان الحق مغامرة دائمة، وإلقاء للنفس فى اليم والخضم دون حسابات مسبقة، ولا يعنى أن هذا الحمق وإلقاء النفس فى التهلكة، وإنما يعنى التسلح والوعى والثقافة والقدرة الهائلة على نقد الذات المبدعة، ونقد منجزها باستمرار، والانقلاب الدائم عليه، هذه قيمة أولى تعلمتها من الخراط، وأظن أن له كتابا – لعله كتاب عنه فيما أذكر – اسمه (إدوار الخراط.. مغامر إلى الأبد) هكذا فهمت عن الخراط عملية الإبداع.. إنها ثورة دائمة، ومغامرة أبدية طالما أن هناك نفسا يتردد.. وانقلابا مستمرا على منجزات الكاتب على كل الأصعدة.

القيمة الثانية، أن الكاتب حتى يسامت هذا الوعى السابق الإشارة إليه توا.. لابد له من ثقافة واسعة وعريضة وعميقة، بمعنى أن هذه الثقافة لا تتعدد فروعها فحسب.. من علم وأدب وفن وتاريخ وفلسفة وتراث وشعر ومسرح وسينما وموسيقى وفن تشكيلى.. إلى آخره، وإنما أن نتوغل فى كل فرع من هذه الفروع عميقا، لا تزدهينا القشور، ولا تعمينا بهرجات السطح ولمعانه عن الغوص، والغوص هنا يمتد ليشمل الحضارات والثقافات جميعا فى الشرق كما فى الغرب، فإذا تكلمنا – مثلا – عن القصة والرواية.. أحطنا بهما فى مظانهما جميعا، لدى شعوب الأرض كافة، فى الشرق والغرب، وقل مثل ذلك، أقصد هذه الإحاطة الواسعة فى كل ما يعنى لك من شئون الأدب والفن فى العالم كله.. هو يذكرنى هنا بالمتحف الخيالى لأندريه مالرو، الذى تخير من كل مكان فى العالم، ومن ثقافات مختلفة ومتغايرة ومتنوعة.. معلما أثريا أو جماليا أو حضاريا ليضعه فى متحفه الخيالى.. من الهند والصين واليابان وإيران وجنوب شرق آسيا.. إلخ، كما من مصر والعراق والشام واليونان وفرنسا وأمريكا.. إلى آخره.. هذه الذائقة الكوزموبوليتانية هى التى تميز إدوار الخراط فى معرفته بالآداب والفنون، وقل مثل ذلك فى الشعر والمسرح والفن التشكيلى والموسيقى.. إلخ، وهو فى كل ذلك يتعمق فى كل هذه المجالات على مستوى الدنيا، وعلى مستوى بلاده خاصة، وطيد العلاقة بتاريخ هذا البلد منذ أقدم عصوره، وتدخل هذه المعرفة فى النسيج الأعمق لعمله، وتسرى فى تضاعيف هذا العمل كالروح المبطنة، والكهرباء الخفية، والحفية، ودم القلب النابض فى الشرايين والأوردة.. هذه الثقافة العريضة الواسعة الشاملة العميقة.. هى رهان (المغامرة) التى أشرنا إليها.. فلا مغامرة – بالمعنى الذى حددناه – دون ثقافة إنسانية واسعة، ودون استيعاب لإبداعات البشرية فى كل زمان ومكان وحضارة وتاريخ، يا لها من مهمة، ويا له من حمل وعبء تنوء بهما الجبال، إلا أصحاب النفوس الكبيرة، والعزائم الخارقة والمتصوفة الكبار، ويأتى إدوار الخراط على رأس كل هؤلاء أو فى القلب منهم.

ومن دروسه أيضا، أو قيمه القارة، أو مرتكزاته الروحية الباقية والهادية والمرشدة.. التفاته إلى الآخرين، خاصة الشباب، شباب المبدعين من كتاب القصة والرواية والشعر، بل مبدعى الفنون التشكيلية أيضا، كما ألمحنا عدة مرات، هذه الروح الجاذبة والحانية والمحبة التى تلتفت إلى شاب يبدأ أولى خطواته، ليس لمجرد التشجيع المجانى وكلمات الأبوة الجوفاء، التى ربما تخفى فى إهابها الرغبة فى التسلط، أو تستبطن أستاذية ما، لا.. لم يكن هذا دأب إدوار قط، وإنما أن يحتشد نقديا لتضويىء عمل هذا الشاب الشاعر أو القاص.. هكذا فعل معى ومع غيرى ومعنا جميعا.. أقصد مع أجيال كاملة من شباب المبدعين المجهولين وقتها، والذين لعلهم يملئون الساحة الأدبية الآن فى كل مجالاتها.. ما إن يرى علامات الموهبة والنضوج والاختلاف والمغايرة والمغامرة والتجديد.. إلا وينبرى – كالفرسان – للكتابة عن هذا الشاب البازغ، مشيرا إلى مناطق تميزه، ومواطن تجديده، وبواطن عمله ونقاط اختلافه وبؤرة حداثته.. فى دراسة ضافية، وسرعان ما يلتفت الجميع – بعد إدوار طبعا – فإذ بالفتى بعد درس إدوار له.. يصبح نجما لامعا، ويشق طريقا بثقة وكفاءة، بعد أن مهد له هذا المبدع الكبير الطريق وهنا لابد من الإشارة إلى أن إدوار فى ذلك – فى الكتابة عن الأدباء والشعراء الشبان – لا يمضى فى طريق معبد، بل إن معقد التفاته إلى هؤلاء الشبان، هو اختلافهم ومغايرتهم لنمط الكتابة السائد، ومرجعياته التقليدية المحافظة، التى تحظى بالمباركة والموافقة والإجماع من قبل الدوائر المختصة بالنشر والاعتراف بالمبدعين.. وبالتالى، فالتفات إدوار إلى هؤلاء المرفوضين والمنبوذين من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية، لم يكن من باب تحدى هذه المؤسسات وما تمثله فقط، ومجابهتها والتهوين من شأنها فحسب – كما وقر فى ظن البعض بمنطق خالف تعرف – وإنما كان لسبب أخطر وأهم، وهو دعم تيارات التجديد والحداثة، والوقوف مع الأدب والفن والشعر الطليعى فى مواجهة سطوة الاتجاهات المحافظة والتقليدية التى تمسك بمقاليد الأمور.

وهذا الموقف من جانبه، ولأنه ينبغى على رؤية وفلسفة ووعى (بالطليعية) وحتمية انتصارها فى النهاية، وضرورتها الحيوية لتقدم الأدب والفن، فالأدب والفن  لا يتقدمان أبدا، بالتقليد والترديد والاجترار والتكرار والحفظ والصم.. كان لابد له – حتى تكتمل رسالته النقدية تلك – من نحت مصطلحات جديدة، تحاول إمداد هذه الحركات الجديدة بأعمدتها النظرية ومداميكها البنائية، وعمادها النظرى ومن ثم كان له الفضل فى افتراع تلك المصطلحات المبتكرة (من واقع الكتابات الجديدة نفسها).. من مثل (الكتابة غير النوعية).. و(الحساسية الجديدة).. إلخ، والتى شاعت وذاعت بعد ذلك فى الساحة النقدية والإبداعية كمفاتيح ضرورية للولوج إلى هذا الإبداع الجديد، وفك شفراته، والدخول فى مناخاته.. إلخ.

هذا فى الوقت الذى كان (النقاد) فيه مشغولين بأشياء أخرى، كسعى أحدهم إلى المناصب، والانشغال بمعاركه – وما أكثرها – على هذا المستوى، حتى ان العمر أفلت منه ولم يفعل شيئا له قيمة تعطيه الحق فى لقب (الناقد) أصلا ناهيك عن الكبير (بأمارة إيه يا ترى؟).. والآخر الذى استغرق السنوات الطوال فى تحكيم مسابقات تافهة فى الخليج – فى نفس هذه الفترة – لأشعر الشعراء وأمير الشعراء.. إلى آخر هذا الكلام الفارغ الذى لم ينتج شيئا ولم يتمخض عن شىء مفيد لحركة الشعر العربى المعاصر الذى بقيت حركته وقيمته بمنأى تماما عن كل هذا الهراء.. لكن لعل هذه المسابقات السطحية أضافت إلى رصيد صاحبنا (حفنة لا بأس بها من الدولارات كما يقولون!) وهما على كل حال، لم يكونا مؤهلين – وربما حتى الآن – للتعامل – جوهريا – مع هذه الإبداعات الشابة، ولا مع هذا التجديد.. برغم أنهما صدعا رءوسنا بالترجمة عن الحداثة والبنيوية والمدارس الأدبية المعاصرة ولكنهما فى الحقيقة على المستوى التطبيقى لم يفعلا شيئا له قيمة كبيرة.. أما الذى مسح الساحة الإبداعية الشابة وكتب عنها الكتب الضخام.. عن (شعراء السبعينات فى الشعر المصرى) مرة.. أو (مشاهد من القصة المصرية القصيرة فى السبعينات) مرة ثانية.. أو (الحساسية الجديدة) فى مرة ثالثة، أو (الكتابة عبر النوعية) رابعة.. إلخ.. إلخ، فهو إدوار الخراط، الذى كان فى نفس الوقت المبدع الكبير والروائى الضخم، الذى قام بعمل نقدى جبار لم يقم به (النقاد) إياهم، الذين شغلتهم مسائل أخرى كما ألمحنا!

هل نتحدث قليلا عن ترجمات إدوار الخراط – الحرب والسلام مثلا – وكيف أنها من فرط عذوبتها وجمالها ورهافة عربيتها (الأجزاء التى ترجمها منها) يظن القارئ أنها – ولو للحظات – كتبت بالعربية أصلا، هذا المستوى الرفيع من الترجمة الذى نؤكده باستمرار لدى مترجمينا الجدد.

هل أتحدث عن علاقته الرائعة بنقد الفنون التشكيلية، بعيدا عن محمولاتها الأدبية (أحيانا) وأنه فى السياق نفسه، قام بترجمة كتاب المؤرخ والناقد الفنى العظيم إيميه عازار عن الفرنسية (التصوير الحديث فى مصر).. وعن التماعاته النقدية الباهرة فيما هو يتحدث عن أحمد مرسى وعدلى رزق الله وغيرهما بنقدات بصيرة وخاصة به، يجتمع لها نفاذ النظر، واللغة الفارهة، والاستبصارات الذكية، واحترام لغة التشكيل كلغة خاصة، والبعد الفلسفى الضارب فيما وراء السطح، وهذه سمة فى كتاباته جميعا.. أقصد هذا الجذر الفلسفى المبطن للكتابة عنده، إبداعية ونقدية.

هل أحدثكم أيضا عن إصداره سبعة دواوين شعرية، ولعمل معرض من إبداعاته فى فن الكولاج.

ويبقى قبل كل هذا وبعده، تواضع هذا العظيم الجم، وبساطته المتناهية، وتلقائيته الساحرة، وحسه الإنسانى الودود ولطفه البالغ وصداقته الوطيدة وحبه الفادح للحياة.. والصداقة الحقة وفرحه المستمر بالوجود.

بعد رحيله.. أخذت استعيده فى مؤلفاته وكتبه ومقالاته وأعماله كلها التى تزخر بها جميعا مكتبتى المتواضعة بإهداءاته الناعمة المحبة.. وكم شعرت يقينا ساعتها، دون مبالغات أو مجاملات، أو كلام كبير من أى نوع.. أن الخراط لم يمت على الإطلاق، فهو حى يرزق بيننا، وسيظل ويبقى ما بقيت هذه الأعمال مصدر حفز وإلهام وإنعاش لنا جميعا فى أزمة الابتذال والرداءة والتفاهة والسطحية التى نمر بها – أو تمر بنا – الآن!