رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996   بقلم بدر الديب   أكتب هذه الرسالة فى صباح الخميس 7 مارس 1996م وهو اليوم الذى يحتفل

إدوار الخراط (10)

رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996

 

بقلم بدر الديب

 

أكتب هذه الرسالة فى صباح الخميس 7 مارس 1996م وهو اليوم الذى يحتفل فيه إدوار بتلقى جائزة قيمة من مؤسسة العويس فى دولة الإمارات العربية المتحدة. وفى نفس هذا اليوم جمعت جرائد الصباح من تحت الباب فوجدت فى جريدة «الحياة» فصلا أو نصا أو قصة لإدوار بعنوان «جسد غامض الوضاءة»، كما وجدت فى الرياض بتاريخ نفس اليوم مقالا نقديا أو تعريفيا أو تهليليا للقصاصة سحر الموجى «سحر الموجى ورومانسية السؤال» وهنا تأكد لى كأنما بسحر من قوى خاصة يحركها إدوار أو تتحرك بمفردها أن هناك ما يدفعنى إلى كتابة هذه الرسالة وإرسالها إلى اجتماعكم رغم أننى لو كنت فى القاهرة لما حرصت على حضور هذا الاحتفال ولتجنبت هذا التذكير بالميلاد والسن لكاتبنا العزيز. وأنا لا أحب أن أسمى إدوار الكاتب «الكبير» فقد ابتذل هذا الوصف وأصبح يطلق على كل من هب ودب بالقلم على الصفحات بالكلمات. أنا دائما أُفضل وقد استخدمت فى رسائلى إلى إدوار صفة الكاتب العظيم وأُحب أيضا أن أسميه الكاتب «الربانى».

وحيث إننى لا أريد أن أكتب مقالا نقديا من النوع الذى يكتبه هو عمن يعجب به من الكُتاب والكاتبات أو من يريد أن يشجعهم أو يُعرّف بهم، كما لا أريد أن أكتب تلخيصا أو عرضا لأعماله فأنا أؤمن أن خير نقد للأعمال الأدبية الفنية هوإعادة قراءتها، وكل ما لا يمكن إعادة قراءته، لا يصلح للنقد. وليس فى أعمال إدوار الخراط ما لا يحتاج إلى قراءة أخرى بل إلى قراءات متصلة، فقد أصبحت أعماله فى مرتبة كلاسيكية لا تنفد ولا يستوعبها نقد. وما أكثر ما كتب عن إدوار من مقالات نقدية بل دراسات للماجستير والدكتوراة فى الشرق والغرب.

ورغم أننى لم أقرأ إلا صفحات قليلة مما كُتب وليس أمامى الآن من أعمال إدوار إلا عمله الأخير الذى لم ينشر بعد «يقين العطش»، فإننى أكتب هذه الرسالة بدافع سحرى كما قلت، مدفوعا دون أن أملك رد تلك القوة التى تدفعنى إلى الكتابة. وكل ما أرجوه ألا أكون متطفلا على اجتماعكم، فقد أخبرتنى زوجتى أن إدوار وضع على برنامج الاحتفال إشارة إلى رسالة منى. وهأنا أكتبها لكم وليس له، مقررا أن موضوعها ليس أعماله ولا شخصه ولكن ما يتبقى وما سيبقى على مر الزمن من هذه الأعمال فى نفوس القراء. أو على وجه أصح، رسالتى هى محاولة لمس تلك القوى التى يطلقها إدوار ويسيطر بها على الفن وعلى الكتابة وعلى نفوس القراء دون أن نستطيع تحديدها بالضبط أو قياسها على نحو دقيق. وهذا فى الحقيقة هو سر استخدامى لصفة «العظيم» وصفة «الربانى».

كان أول لقاءٍ لى مع إدوار – بعد قراءة «حيطان عالية» التى قرأتها ولم أكن أعرفه – هو مع ظهور «ساعات الكبرياء» وأنا ما زلت أعتقد أن مجموعة «ساعات الكبرياء» هى أعظم مجموعة قصصية فى الأدب المصرى الحديث وأنها ما زالت إلى الآن فريدة لم تتكرر إلا فى ثنايا أعمال إدوار الخراط نفسه. إن فكرة «ساعات الكبرياء» وهى تعنى فى الحقيقة ساعات الكتابة، هى ملخص دقيق وصادق لعلاقة إدوار بالكتابة والفن. فهو فى الكتابة والفن يمتلك هذه الكبرياء رغم كل ما يبديه من تواضع وخضوع ورغم اعترافه الدائم بأنه يحاول أمرا صعبا لم يذلل له بعد، ورغم ما يسمح لنفسه به من أن يكرر نفسه دون تردد أو تقاصر لأن الكبرياء فى الحقيقة تتجدد مع كل أعماله وتتحقق فيها جميعا. وأنا أقصد هنا أعماله الفنية الإبداعية وليست نقدية، فما زلت بعيدا عن هذه الأعمال النقدية وما زلت غير قادر على فهم أو إدراك رسالته فيها رغم ما أعرفه عن تأثيرها وأثرها فى أجيال من المبدعين. ولكننى أعتقد أن تأثير أعمال إدوار النقدية هو دائما يرتبط بالنشر والتشجيع والمتابعة وليس بالخلق والإبداع والكبرياء. ولكن هذه قضية فرعية لا أحب أن أهتم أو أدخل فيها الآن. وذلك لأننى أريد أن أمس الصفة الأخرى التى استخدمتها فى وصفه وهى «ربانى» لأنها فى الحقيقة أقرب فى نفسى إلى التعبير عن طبيعة إعجابى وتقديرى ومحبتى لأعمال إدوار الخراط الإبداعية. وكلمة «ربانى» كلمة مُلتبِسة، ومُلتبِسة كلمة يحبها إدوار ويُحسن استخدامها كثيرا فليس من الظُلم أن نردها عليه.

أريد أن أفاجئكم بأن السن التى تحتفلون بها لإدوار، لا معنى لها بل قد لا تكون صحيحة. فالرجل فى نظرى فتى مشبوب العواطف جياش الرغبة والإرادة، ما زال عشقه لمحبوبته قائما رغم كل ما كتبه من صفحات ورغم محاولته اليائسة الوصول إلى ما سماه «يقين العطش». فهو ما زال عطشانا بلا يقين، مستعدا لأن يشرب الغرام والحب فى كل لحظة، وما زال متطلبا للحرية المستحيلة فى الحب وفى الفهم والمعرفة، وما زال يمزج فى شخصه بين التنين ومارى جرجس قاتل التنين، وما زال يحفظ لـ«رامة» مكانها فى قلبه بل فى جسده رغم كل المشكلات المادية والروحية التى تقوم بينهما. وهو ما زال كمجنون ليلى مجنون رامة يعشق الحق والجمال والحرية كما عشقها الحلاج ويتمنى مثله أن يصلب من أجلها لأن فى موته حياته. وما زالت تجاربه الصوفية تلون أسلوبه ولغته واستعاراته وما زال يريد أن يدخل فى التحام عضوى مع المرأة والكون وإيقاع اللغة، وما زالت رغبته فى العدل رغبة ربانية لا تتراجع مع كل ظلم ومع كل تشويه أو تعذيب يراه فى العالم حوله أو يراه فى مصر التى يحبها وكأنها «رامة» أخرى.

فشباب إدوار يجعله فى نظرى ربانيا لأنه لا يمر عليه زمان ولا تغيره السنوات، ولن يشيخ لأن أعماله ستظل دائما فى نفوسنا متوترة شابة قوية النبض والإيقاع.

وإدوار ربانى لأنه استطاع بمحبته وبقدرته الإبداعية أن يستوعب كل رسالة سماوية من أول الفراعنة حتى محمد رسول الله. فإدوار ليس فرعونيا وليس مسيحيا وليس مسلما ولكنه ربانى بمعنى أن المقدس بالنسبة له حسى متناول، بل إن المقدس الحسى هو فى الحقيقة دنياه التى لا يستطيع أن يحيا أو يكتب أو أن يمارس كبرياءه خارجها.

وقد وجدت، وليس ذلك صدفة، هذا النص فى النص الأخير المنشور فى «الحياة» الذى يقول فيه «أموت شوقا إلى الرقصات المصرية حيث توحدى وثيق رقراق الانثيال مع المقدس الذى هو دنيوى، حيث حسية الشهوات الإيقاعية على واحدة ونص، تستحيل نشوات روحية! أين أنا؟ مطلق التجسيد، قربان المجد، شبق السكر بخمر سماءٍ لا حدود لها على أصقاع أخميم الصعيدية.

وكم أود لو أننى الذى أقرأ الرسالة لأقرأ عليكم النص مرة أخرى فهو وصف دقيق ومنضبط وصادق لربانية إدوار الخراط. ولكنى أرجو أن تتوقفوا عند توحدى وثيق رقراق الانثيال مع المقدس هو وصف دقيق لكتابة إدوار، ومطلق التجسيد كلمة أدق من الكلمة التى استخدمتها أنا من قبل فى التعبير عن جهده التعبيرى وسميتها الظهور Epiphany فإدوار الخراط، وهذا آخر ما سأثيره فى رسالتى، قادر بصفة الربانية أن يمارس مُطلق التجسيد أو الظهور مع كل ما يصفه سواء كان ذلك تضاريس جسد المرأة أو أركان المقهى أو طعوم المأكل والمشرب أو مبانى الشارع والبيوت بل حتى ما يستوحيه من أساطير وآلهة قُدامى يعاملهم ويعايشهم كأنهم إخوته وزملاء حياته. وهذه المقدرة السحرية على الظهور والإظهار، وعلى تحقيق كينونة الموصوف والمعشوق أمام القارئ دون القضاء عليه أو إفنائه، أو حتى تعريضه للموت هى قدرة ربانية، إن إدوار يمنح ما يصفه خلودا ليبقى، حتى إن كان عاجزا عن أن يدرك معناه وهو فى نظرى صفة الكاتب الربانى.

وأحب أخيرا أن أقول لإدوار ولكم ما يقوله هو لإيزيس فى هذا النص الأخير الذى أراه أمامى الآن:

«زمانك طاب يا رامة.. زمانك طاب» نعم يا إدوار، زمانك أنت الذى طاب.

ويواصل هو حديثه إلى رامة قائلا ما سأختتم به رسالتى:

«هأنت تسكنين شجرة الصفصاف العالية، أم الشعور والجميزة الهائلة. طيرُك اليمام وغذاؤك حُب الرمان. يا أم البَرَكة، يا ربةالخصوبة، إمارة الخير. من بيت إلى بيت أبحث عنكِ ومن فيض للماءِ فى السواقى السبع التى تنعى بلا انقطاع إلى البحرِ العظيم».

قولوا لإدوار منى إنك ستظلُ تبحثُ بلا انقطاع، وإن السواقى السبع لن تنقطع لأن كينونة الفن لا تنتهى فى أى عمر ولا بعد أى عمر.