«شكة دبوس».. عالم أفضل بلا تكنولوجيا! مجدى الطيب كتاب السينما المصرية أصبحوا بارعين فى كتابة النهاية غير المتوقعة أكثر من براعتهم فى صياغة السيناريو نفسه

فيلم شكة دبوس

مجدي الطيب

 

 

 

 

 

«شكة دبوس».. عالم أفضل بلا تكنولوجيا!

مجدى الطيب

كتاب السينما المصرية أصبحوا بارعين فى كتابة النهاية غير المتوقعة أكثر من براعتهم فى صياغة السيناريو نفسه

فى ثمانينيات القرن الماضى أثار الكاتب محمود أبو زيد جدلا كبيرا بإصراره على أن يُنهى أحداث فيلميه «العار» و«جرى الوحوش» بآيتين قرآنيتين تلخصان الرسالة الأخلاقية التى حشد لها فى الفيلمين، وتعرض – وقتها – لهجوم وتنديد لتعمده خلط «الدين بالسينما»، والتجائه إلى ذلك الشكل المدرسى فى توصيل مغزى الفيلمين، على طريقة خطباء المنابر!

لا أدرى لماذا قفزت إلى ذاكرتى تلك «المدرسة الوعظية» وأنا أشاهد فيلم «شكة دبوس»، الذى كتبه أيمن عبد الرحمن، ولم يخل بدوره من مباشرة فى بعض مشاهده، باستثناء أنه لم يلجأ إلى الآية القرآنية ليلخص رسالة ومضمون «الدبوس»، الذى لن يُفارقك الشعور أنه فيلم رجعى يناهض التقدم والتكنولوجيا، ولا يتردد فى صب لعناته على الهواتف الذكية، ويحملها مسئولية بعض الشرور والمصائب التى تحل بالبشر، وكأن العالم دون طفرة تكنولوجية أفضل، وهو نوع من تكريس التخلف والجمود والرجعية لا يليق تبنيه أو الدعوة إليه فى القرن الحادى والعشرين!

«شكة دبوس» عن أبطال هم فى حقيقة الأمر مرضى نفسانيون؛ بداية من «عمرو الصفطاوي» (محمد شاهين) الذى يُفتن بالفتاة «شاهيناز» (مى سليم) خطيبة جاره القديم «سيف سراج الدين» (خالد سليم)، ويسعى للاستئثار بها، وصولا إلى «هدير» (نسرين أمين) زميلة «شاهيناز» فى جريدة «ساعة بساعة»، التى تنافس الأهرام والأخبار واليوم السابع (هكذا قال الفيلم!) وتحمل بين ضلوعها حقدا دفينا عليها، وتسعى إلى الاستيلاء على مكانتها لدى رئيس التحرير «أدهم» (سامى مغاوري)، ومن ثم تدبر لها مكيدة، بالاتفاق مع «عمرو» لإجهاض مشروع زواجها، وتحويل ليلة زفافها على «سيف» إلى فضيحة بجلاجل!

قصة عادية عولجت على الشاشة آلاف المرات لكن جديد «شكة دبوس» أن المؤلف د. أيمن عبد الرحمن يُضيف إلى الأحداث طزاجة عندما يجعل من تطبيقات الهواتف الذكية ركنا رئيسا فى المؤامرة التى يتعرض لها البطلان؛ إذ يستثمر جهل البطل بالتكنولوجيا الحديثة، وبإمكانات الهاتف الجديد الذى أهدته إياه خطيبته، وينجح فى تشكيكه وهز ثقته بها، وإقناعه – بالعلم والتكنولوجيا – بأن «شاهيناز» ذات ماض ملوث، وأنها تمارس سلوكيات أخلاقية منحرفة تحت اسم مستعار لتضليل من يعرفها، وتنطلى الحيلة على «سيف»، وينتظر لحظة عقد القران ليرفض الاعتراف بأنها «بكرٌ رشيدٌ»، وتتعرض الفتاة لصدمة عنيفة تنتهى بها إلى المستشفى الاستثماري، الذى يُقر مديره «نشأت» (حمدى السخاوي) بأنها عذراء، ويكتشف البطل حجم الخديعة التى تعرض لها، ويعتذر للضحية فى وسائل الإعلام، وأمام جمهور برنامجها «قول الحق» ثم يرضخ لشروط عائلتها التى تضمن استقرارها، وعدم الغدر بها، لكنه يكتشف – عقب الزواج – أنه تعرض لمؤامرة محبوكة بدقة تقف وراءها أطراف عدة!

هذه الطزاجة على صعيد المعالجة تركت آثارها الايجابية على صعيد الشكل السينمائي؛ فالمخرج أحمد عبد الله صالح استثمر تطبيقات الهواتف الذكية ليُضفى على الشاشة بريقا وجمالا، ونجح فى توظيف الصورة (كاميرا إسلام عبد السميع) والمونتاج (رجب العويلي) لتكثيف الشعور بالشك والحيرة؛ فالتغريدات والبوستات تحاصر البطل، وتطارده على الشاشة، وهو ما تعكسه موسيقى عزيز الشافعي، لكن مؤثرات رامى علاء الدين جاءت مباشرة فى ارتباطها بظهور شخصية «عمرو»، وكأنها تقول للمشاهد «احذر أمامك شرير!» وجاءت مشاهد العصابة، التى استعان بها «سيف» لتأديب صديقه «عمرو»، والوكر الذى اقتيد إليه لانتزاع اعترافه «خارج السياق»، ومتنافرة مع الشكل، تماما مثل الخلط الواضح، وعدم الاستقرار على نوعية الفيلم، بحيث لا تعرف إن كان ينتمى إلى «الرومانسية» أو «السيكودراما» أو «الأكشن» و«التشويق»، بل ان فحيح الجنس يكاد يملأ أرجاء المشاهد التى تحوم فيها الشبهات حول «شاهي» – اسم الدلع للفتاة – وتؤكدها تصرفاتها الملتبسة، وهو الأمر الذى يتكرر مع التونسية سامية الطرابلسي، التى تلعب دورا فى كشف حقيقة شخصية «عمرو»، كنوع من التشفى فيه، بعد رفضه الارتباط بها، وتفضيله «شاهيناز» عليها، ورغم نجاح المخرج أحمد عبد الله صالح فى تكثيف جو الغموض والإثارة، والاحتفاظ بعنصر المفاجأة حتى اللحظة الأخيرة دون أن يُمكن الجمهور من التنبؤ بها، إلا أن الخلل يبدو واضحا فى تسكين الأدوار، واختيار طاقم تمثيل قليل الخبرة، الأمر الذى انعكس سلبا على أداء خالد سليم ومحمد شاهين ونسرين أمين وسامية الطرابلسى وسامى مغاورى وسعيد صديق، الذى أدى دور والد البطلة مى سليم، التى تُعد الاستثناء الوحيد كونها نجحت فى إقناع الجمهور بأنها ضحية ومظلومة بعكس مشاهد كثيرة مقحمة لم يكن لها أى مبرر، وكانت سببا فى عدم اقتناع المتلقى بما يراه على الشاشة؛ كالاستعانة بصور عبد الناصر والسادات والسيسي، والإشارة بقبح وترخص إلى عمليات استعادة العذرية أو ترميم غشاء البكارة «اللى تخلى الواحدة ع الزيرو فى نصف ساعة»، والإيحاء بفجاجة أن «سيف» أعطى أوامره للعصابة بإخصاء «عمرو» جزاء له على فعلته الدنيئة فى حقه، وحق خطيبته، قبل أن تأتى النهاية المثيرة، التى اكتنفها الغموض، واعتمدت على الخديعة التى صار يتقنها كتاب السينما المصرية بأفضل مما يتقنون كتابة السيناريو نفسه!