رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996   رسالة من الدكتور محمد مصطفى بدوى أكسفورد فى 12 مارس 1996   يعز على يا إدوار ألا

إدوار الخراط

رسائل نشرت في احتفالية المجلس الأعلى للثقافة بسبعينية إدوار الخراط سنة 1996

 

رسالة من الدكتور محمد مصطفى بدوى

أكسفورد فى 12 مارس 1996

 

يعز على يا إدوار ألا أكون حاضرا معك فى الاحتفال بعيد ميلادك السبعين ولعل هذه الشهادة تنوب عنى فى المشاركة بهذا الاحتفال، أنت تدرى يا صديق العمر مقدار ما أكنه لك من محبة وإعزاز وتقدير فصداقتنا هى من الأمور النادرة ظلت زهاء الستين عاما، بدأت فى المدرسة الثانوية واستمرت خلال الدراسة الجامعية وما بعدها، وعلى الرغم من أن الأقدار وظروف الحياة قد باعدت بيننا أكثر من ثلاثين عاما اضطررت إلى المعيشة فيها فى انجلترا إلا أننا حينما نلتقى كل مرة نشعر ونتحدث ونسلك كما لو كنا لم نفترق إلا بالأمس ونتناقش ونتجادل فى شتى أمور الحياة والفن والأدب بنفس الحرارة التى كنا نتجادل بها ونحن تلامذة وطلاب أيام شبابنا فى اسكندريتنا الحبيبة.

لست بحاجة إلى تبيان عظيم تقديرى لانتاجك القصصى المتواصل المتميز وغيره من شعر ونقد وترجمة بذلت فيها من الجهد ما يكل عنه الكثيرون مجتمعين، لذا أحييك فى هذه الكلمة بكل تقدير وإجلال ويكفى أن أذكر أننى حينما اشتغلت بتدريس الأدب العربى الحديث فى جامعة «أكسفورد» منذ أكثر من ثلاثين عاما كان نتاجك من أبرز ما قدمته لطلبتى وهم صفوة الشباب الإنجليزى المثقف بانجلترا فقررت عليهم قصتك «أمام البحر» من مجموعة «حيطان عالية» أولى مجموعاتك القصصية – ولا تزال حتى الآن وبعد تقاعدى تؤلف جزءا من المنهج المقرر على طلبة الليسانس فى اللغة العربية وآدابها بالجامعة باعتبارها من أهم انجازات القصة القصيرة العربية، كذلك دخلت روايتك «ترابها زعفران» فى صلب المقررات فى الأدب العربى الحديث، وبين تاريخ نشر الأولى عام 1959 والأخيرة عام 1986 أكثر من ربع قرن من الزمان إذ اننى قرأت بعض قصص المجموعة الأولى فى صورة أولية وأنت لا تزال طالبا بالجامعة فى الأربعينات من القرن، وآخر ما قرأت من كتاباتك هو كتاب «اسكندريتى» الذى ظهر سنة 1994 أى أن ما أعرف من نتاجك الإبداعى قد ألفته على مدى نصف القرن تقريبا، فأى مثابرة هذه وأى غزارة وغنى! ناهيك عن كتب الدراسات النقدية والترجمة وهى أكثر بكثير من الخمسين.

وجدير بالذكر أنه صادف أننى كنت قد فرغت من قراءة «ترابها زعفران» حين حدثتنى إحدى خريجات الجامعة «فرانسيس ليارديت» وهى تلميذة سابقة لى ومن أذكى وألمع من علمت.. بأنها تريد أن تترجم بعض الأدب العربى الحديث فأشرت عليها بترجمة «ترابها زعفران» لأننى اعتبرها من أروع ما كتبت، فلم تتردد فىالقيام بهذه المهمة بالرغم من صعوبتها ولأنها نفسها أديبة وروائية قديرة أمكنها أن تصوغ الترجمة فى أسلوب أدبى ممتاز حاز على اعجاب الكثيرين بما فيهم الروائية الإنجليزية «دوريس ليسنج» كما تعلم – وهى أصلا من جنوب افريقيا- فاعتبرتها من أحسن ما قرأت من كتب فى العام الذى ظهرت فيه الترجمة.

وعلى الرغم من تطورك الملحوظ فى نتاجك الإبداعى عبر السنين إلا أنه تربط بينه وشائج قوية تجعله متميزا عن نتاج غيرك، بحيث انه يسهل على من قرأ نتاجك المبكر بشىء من الحساسية والتمعن أن يتبين ملامح نتاجك اللاحق وإن كان ذلك فى شكل بذور وارهاصات.

دعنى أذكر بإيجاز شديد بعض هذه الملامح.. أولها تلك الحساسية الشديدة إزاء الكلمات وذلك التمكن النادر من ناحية اللغة والحس المرهف بإمكانية الألفاظ مما يجعل أسلوبك شديد الكثافة والدقة فى آن واحد ويقربه من لغة الشعر.

وهذا -بالإضافة إلى قوة الملاحظة – جعل من كتاباتك الأولى نموذجا رائعا للواقعية الحقيقية بحيث لا تعجز الألفاظ عن وصف العالم الخارجى ولا عن أداء أشد الخلجات النفسية دقة ورهافة – الشىء الذى لا نجده إلا فى أرقى النماذج الروائية فى الغرب.

وبالتدريج يزداد ولعك باللغة لذاتها وبأصواتها ونبراتها فتصبح الفقرة من نثرك عملا موسيقيا له أبعاده الصوفية.

ثانيا الرؤية الشاملة شديدة الحساسية للكون التى تصبح فيها دقائق الحياة المادية اليومية على الرغم من ماديتها الملموسة المحسوسة جزءا من رؤية صوفية شاملة وتصبح الاسكندرية والبحر أكثر من مجرد مدينة وبحر.

أضف إلى كل هذا لا سيما إلى توهج الحواس ذلك الاحساس الممض بالزمن انصرفه وحضوره معا وبتضاعيفه المأساوية وغير المأساوية وهذا المزيج الفريد من رومانسية الحنين إلى الماضى والسخرية من هذا الحنين، ينعكس كل ذلك فى الشكل الروائى المتميز الذى يقوم إلى حد بعيد على أساس تيار الوعى ويجمع بين الذاكرة والخيال والشعور واللاشعور والسيرة الذاتية والإبداع الفانتازى، ويعتمد على تعدد مستويات الخطاب الذى يتدرج من الفردى الشخصى الخاص إلى الاجتماعى والسياسى العام ثم إلى الميتافيزيقى والصوفى الإنسانى المطلق – مما يجعل تجربة قراءة نتاجك لا سيما المتأخر منه لصعوبتها تجربة اكتشاف ممتعة.

مرة أخرى أهنئك على عيد ميلادك السبعين وعقبال العيد المئوى، وآمل أن تواصل عطاءك وتنتج لنا المزيد من أدبك العربى المصرى القبطى الإنسانى.

ودمت لأخيك..

محمد مصطفى بدوى