د. نادر رفاعى   يتناول فيلم «الباب المفتوح» (إخراج: هنرى بركات، 1963) حياة الطالبة «ليلى» التى تشارك فى التظاهرات المنددة بالاحتلال البريطانى، وتعانى تسلط والدها وسلبية والدتها، وترتبط بعلاقة

فاتن حمامة

 

د. نادر رفاعى

 

يتناول فيلم «الباب المفتوح» (إخراج: هنرى بركات، 1963) حياة الطالبة «ليلى» التى تشارك فى التظاهرات المنددة بالاحتلال البريطانى، وتعانى تسلط والدها وسلبية والدتها، وترتبط بعلاقة حب مع ابن عمتها «عصام»، وعلى جانب آخر يسافر شقيقها «محمود» إلى الإسماعيلية للانضمام إلى الفدائيين رغم اعتراض الأسرة. تكتشف «ليلى» قيام «عصام» بمضاجعة الخادم فتسوء حالتها النفسية، ويتم القبض على شقيقها عن طريق البوليس السياسى، ويفرج عنه بعد نجاح ثورة 23 يوليو 1952، ويحاول المناضل «حسين» زميل «محمود» التقرب منها ولكنها تصده، وبعد التحاق «ليلى» بالجامعة تتعرف على الأستاذ الجامعى «فؤاد» وتتم خطبتهما، وبينما تكتشف «ليلى» سلبيات خطيبها الذى يكبرها سنا، ولا تختلف تصرفاته معها عن التصرفات الرجعية من الآخرين الذين لا تتفق معهم، فإن «حسين» يعود إلى القاهرة، ويقرر الانضمام إلى صفوف الفدائيين بعد هجوم العدوان الثلاثى على مصر، لذلك تترك «ليلى» خطيبها وتستقل القطار المتوجه إلى بورسعيد بصحبة «حسين».

ويحدد «محمد عبد المطلب» عددا من العناصر المميزة للسرد النسوى، نرى أنها تتواجد بشكل ملحوظ فى فيلم «الباب المفتوح» وهى:

1ـ « الانحياز للصوت النسوى، عن طريق إعطائه أكبر مساحة نصية، سواء احتل هذا الصـوت منـطقة الـراوى، أو منـطقة الشخـوص الفـاعلة والمنفعلة» (1).

وهو الأمر الذى نطالعه فى الفيلم من خلال تعدد الشخصيات النسوية المؤثرة، فهناك البطلة «ليلى» (فاتن حمامة) ووالدتها (إحسان شريف) وخالتها (ميمى شكيب) وابنة خالتها (شويكار)، بالإضافة إلى شخصيات نسوية أخرى تشغل مساحات قليلة، مثل صديقات «ليلى» وشقيقة «حسين»، كما يحتوى العمل على عدة مشاهد يكشف الفيلم من خلالها عن آراء البطلة وأفكارها من خلال الحوار والمونولوج الداخلى.

2ـ القهر الذكورى للأنثى ومواجهتها له (2)، ذلك أن قهر الذكر للأنثى يتجلى فى بداية هذا الفيلم، عندما يصفع الأب ابنته بعد اشتراكها فى إحدى المظاهرات، فضلا عن أن الفيلم يقدم صورة لقهر الأنثى للأنثى، وذلك من خلال إرغام الخالة لابنتها على استمرار زواجها بشخص يكبرها سنا، على الرغم من رغبة ابنتها فى الانفصال عنه، مما يدفعها لخيانته مع أحد الأشخاص. كما يربط سيناريو الفيلم بين التحرر الوطنى والتحرر الاجتماعى، ويدعو للتخلص من القيم والعادات الفاسدة، مثلما يطرح قضية مجابهة المستعمرين الإنجليز، وهو الأمر الذى يظهر بوضوح عندما ينتقل الفيلم، عن طريق المونتاج من حفل زفاف ابنة الخالة إلى العملية الفدائية التى يصاب من خلالها شقيق البطلة (محمود الحدينى)

أما مواجهة القهر الذكورى فتتجسد فى نهاية العمل عندما تترك البطلة أسرتها وخطيبها الأستاذ الجامعى فى محطة القطار، لتتجه إلى القطار المزمع قيامه إلى مدينة «بورسعيد»، لتشارك من تحبه بالصدق، عاطفة وعقلا، كفاحه المسلح ضد العدوان العسكرى على مصر عام 1956، ضد قوات الاحتلال هناك.

3ـ السلطة الاجتماعية على الأنثى (3)، حيث يقصد بالشخصية السلطوية الاجتماعية: تلك الشخصية التى تمارس سلطاتها داخل إطار اجتماعى محدد، سواء استمدت هذه الشخصية سلطاتها من «السلطة السياسية»، أو من سلطة «القيم الاجتماعية المهيمنة» (4)، أو بحكم موقعها الوظيفى داخل المؤسسات المختلفة.

ويقدم الفيلم مجموعة شخصيات تتصل بالسلطة الاجتماعية بالمفهوم السابق، فثمة شخصيات تتصل بالمؤسسة التعليمية مثل ناظرة المدرسة التى تتحدث إلى الطالبات، فى بداية الفيلم، بأن مكان المرأة هو المنزل، وذلك بمناسبة رغبة التلميذات فى مغادرة المدرسة للمشاركة فى إحدى المظاهرات المناهضة للقصر الملكى وقوات الاحتلال البريطانى، فتعلن «ليلى» رفضها لهذا الحديث وتخرج مع زميلاتها فى المظاهرة.بالإضافة إلى شخصية الأستاذ الجامعى (محمود مرسى) يسعى للتحكم فى حياة البطلة « ليلى»، فيعلق على مظهرها الخارجى أثناء وجودها فى الجامعة مبديا رغبته فى ألا تستعمل أدوات الزينة ومساحيقها المختلفة، بحجة أنها تختلف عن بقية الفتيات. فضلا عن أنه يحدثها أثناء حفل خطوبتها عن سبب ارتباطه بها قائلا: «إنتى مطيعة وهادية وبتسمعى الكلام»، حيث يستخدم فنان الفيلم الموسيقى المصاحبة لحفل زواج قريبة البطلة (شويكار) فى هذا المشهد فى إشارة إلى تشابه ظروف الزيجتين وإدانة الفيلم لكليهما. أما الشخصية الثالثة المرتبطة بالسلطة فهى شخصية «الأب» (أبى ليلى) والذى ينهال على ابنته ضربا بالحذاء، عقابا لها على الخروج فى المظاهرة، بعد أن تكلم مع والدتها فى مشهد سابق قائلا: «عشت وشفت بنت ليا بتشترك فى مظاهرة..أدى آخرة تربيتك.. تربيتك إللى زى الزفت»، كما أن هذا الأب يسخر من قرار ابنه الخاص برغبته فى الزواج بالفتاة التى يحبها، مما يدفع الابن للرحيل من المنزل.

ويقدم فنان الفيلم تعبيرا عن حصار البطلة بين رمزى السلطة الاجتماعية الرئيسيين (الأب الأستاذ الجامعى) عندما تقف البطلة « ليلى» فى المنتصف بينما يحيط بها الأستاذ والأب من الجهتين، يمينا ويسارا، ويتكلم الأستاذ مع الأب قائلا: «مفيش فايدة»، فعلى الرغم من أن هذه العبارة مقصود بها موقف الأستاذ من رفض شقيق البطلة الاقتناع برأيه، إلا أن الباحث يرى أنها تُعد بمثابة إرهاصة لموقف البطلة فى ختام الفيلم عندما تسلك سلوكا مشابها لسلوك أخيها العاطفى والوطنى معا.

وإذا كان جانب من البحوث النقدية يشير إلى أن: «كل المجتمعات تمارس ضغوطا على أعضائها ليسايروا التأويل السائد للفرضيات والقيم التى يجتمعون عليها» (5)، فإن الفيلم يقدم عددا من المواقف الدرامية التى تتفق مع هذا الرأى، فالأستاذ الجامعى يتحدث مع البطلة «ليلى» فى أحد مشاهد الفيلم قائلا «ناس كتير من اللى بيسموا نفسهم مثقفين بيستهينوا بالأصول والتقاليد بتاعتنا لكن لازم تفهمى إن الأصول دى هيا اللى بتربطنا بالأرض، من غيرها نبقى زى الشجرة ملهاش جذور»، ثم يكشف الفيلم موقف هذا الشخص المدعى فيما بعد، وذلك عندما يتحدث مع شقيق البطلة قائلا: «مفيش حاجة اسمها حب فيه رغبة، رغبة تنتهى لما الإنسان ينال اللى هوه عايزه، والرغبة حاجة والجواز حاجة تانية، لازم تتجوز يا محمود، خلاص أفلست، مفيش طريقة، ما انت ماشى معاها». وعندما تخرج البطلة فى المظاهرة تحدثها الأم قائلة: «كان حد غصبك تعملى العملة السودة دى.. تفضحينا وتجرسينا (مرادف لذات الكلمة: تفضحينا) فى الحتة»، وتتذكر «ليلى» حديث والدتها «اللى يمشى ع الأصول ميتعبش»، كما تتحدث «ليلى» مع شقيقها، عندما ينوى السفر للقنال، عن ردود فعل أسرتيهما، فالأم سوف تحدثه بقولها المحتمل: «الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح»، كما أنه من المتوقع من الأب أن يخاطبه بالقول المحتمل: «الحركة دى مش هتجيب إلا الخراب»، كما أن الشقيق يرد على حديث والدته فى موضع آخر: «يا ماما اللى بتسموه أصول مش أصول بالمرة.. ده أصل كل بلوة إحنا واقعين فيها… الناس اتغيرت والأفكار اتغيرت وانتوا لسه ع الأفكار القديمة بتاعتكو».

وإذا كانت لوحات أسماء العاملين فى فيلم «الباب المفتوح» (1963) تظهر على الشاشة بمصاحبة لقطة لجرس المدرسة، فإننا نرى أن للجرس دلالة مهمة، فهو يعد جرس الإنذار بضرورة العمل من أجل تحرير المرأة من قيود المجتمع البالية.

 

الهوامش

1ـ د. محمد عبد المطلب: بلاغة السرد النسوى (القاهرة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة كتابات نقدية، 2007) ص 93.

2ـ المرجع سابق، ص ص 101 105.

3ـ المرجع سابق، ص118.

4ـ د. محمد السيد إسماعيل: الرواية والسلطة/ بحث فى طبيعة العلاقة الجمالية (القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2009) ص161 بتصرف.

5ـ أوما ناريان ساندرا هاردنج (تحرير): نقض مركزية المركز/ الفلسفة من أجل عالم متعدد الثقافات بعد استعمارى ونسوى، ترجمة: د. يمنى طريف الخولى (الكويت)

المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، ديسمبر 2012) ص48.