كتب:محمد مشبال ناقد وأكاديمى مغربي   سيزا قاسم باحثة مصرية جادة اقترن اسمها فى ذاكرتى بالتنوع اللغوى والثقافى وبالالتزام وبتجديد أدوات التفكير وبالحضور النوعى المستمر، كما اقترن عندى بإغراء الحداثة

سيزا قاسم

كتب:محمد مشبال

ناقد وأكاديمى مغربي

 

سيزا قاسم باحثة مصرية جادة اقترن اسمها فى ذاكرتى بالتنوع اللغوى والثقافى وبالالتزام وبتجديد أدوات التفكير وبالحضور النوعى المستمر، كما اقترن عندى بإغراء الحداثة وجاذبيتها. استطاع كتابها المقارن عن ثلاثية نجيب محفوظ – الذى توسلت فيه بالمنهج البنيوى – أن يجد مكانا له فى أذهان الباحثين والطلاب المغاربة على الرغم من الحضور البنيوى الكثيف الذى كان يملأ أرجاء الجامعات المغربية فى بداية الثمانينات؛ لقد نجحت سيزا قاسم منذ ظهورها فى ساحتنا الثقافية أن تتسلّل إلى وعينا الفتى وتجذبه إلى دنيا النقد الجميلة فى زمن كنّا نجهد أنفسنا الإجهاد كلّه لفكّ ألغاز الجمل والعبارات البنيوية العربية التى كادت تفتك بوعينا وتطوّح به بعيدا عن النقد والأدب والفن.

لم أقف وقتئذ لتفسير هذه الظاهرة؛ مكتفيا برأى ضمنى مسلّم به توارثته الأجيال مفاده أن المشارقة – بحكم أسبقيتهم التاريخية فى مجال التأليف والترجمة والاحتكاك بالثقافة الغربية – أقوى بيانا وأقدر على الكتابة من أقرانهم المغاربة. وعلى الرغم من هذا الموقف المضمر وهذه المقارنة التفاضلية المسلّم بها، فإن الكتابة النقدية الحداثية المغربية ستتمكن من فرض سيطرتها مع توالى السنوات وتراكم التجارب النقدية وتزايد الترجمات، وسيتمكن جيل من الباحثين المغاربة بالفعل من اكتساح معظم دور النشر والمجلات العربية، وستصير كتاباتهم مرجعا فى عديد من حقول العلوم الإنسانية (الفلسفة واللسانيات والنقد الأدبى والبلاغة). بيد أن هذه الحقيقة لم تفلح فى تغيير مواقف عديد من المثقفين والدارسين المشارقة من النقد الأدبى المغربي، الذين ما زالوا يرونه نقدا نظريا يعتمد معظمه على النقول غير الواضحة للمناهج النقدية الغربية. وأذكر فى هذا السياق أننى دعيت قبل سنوات لإلقاء محاضرة عن البلاغة الجديدة فى إحدى الجامعات المصرية، وبعد إنهاء المحاضرة احتضننى أحد الأساتذة المصريين وأسرّ لى أنه لم يكن يعتزم الحضور لاقتناعه بأن المغاربة مولعون باللوغاريتمات والألغاز، وأنه تفاجأ بمغربى ينتج خطابا شديد الوضوح. لا ريب أنّ مثل هذا الموقف ينطوى على قدر كبير من التجنى والتعميم، مثلما كانت مواقف المغاربة من النقد المشرقى فى بداية الثمانينات تنطوى أيضا على قدر كبير من التعميم الذى يطمس جهودا كان يبذلها عديد من الدارسين المشارقة وعلى رأسهم سيزا قاسم التى لا ينبغى أن نتناسى الدور الذى اضطلعت به فى تجسيد التثاقف أو تفاعل الثقافتين العربية والغربية.

إنّ الحكم على النقد الأدبى المغربى الحداثى بأنه عانى العُجمة فى العبارة والقصور فى صياغة التصورات وتوصيل المفهومات حقيقة تجرى على بعض الكتابات دون بعضها الآخر؛ فلم يكن مثل هذا الحكم – فى حقيقة الأمر – ليصدق على رواد النقد الحداثى فى المغرب من أمثال عبد الفتاح كيليطو وحميد لحمدانى ومحمد برادة ومحمد اليابورى وغيرهم من الدارسين الأفذاذ الذين لم تكن تعوزهم العبارة الناصعة ولا الاستيعاب الجيد للتصورات؛ فلم تكن كتاباتهم لتفتقد ذلك السحر الذى ألمعنا إليه فى كتاب سيزا قاسم. بيد أنّ معظمهم كانوا أساتذة جامعيين منشغلين بالدرس الجامعى وبتحضير أطاريحهم أكثر مما كانوا نقادا ممارسين يمكنهم توصيل أصواتهم خارج أسوار الجامعة. ومع ذلك فإنّ حضور هؤلاء الأساتذة الروّاد لم يكن كافيا لحجب أصوات أخرى كانت تصنع مشهدا تغريبيا للخطاب النقدى المغربي؛ وكان لفرط حضورها فى الصحف والمجلات تأثير أوسع فى الشباب الجامعى الذى كان يجد سهولة فى الوصول إليها، كما أنها كانت تستهويهم لما كانوا يلمسون فيها من نزعة التغريب التى غذت استعدادهم للتمرد على الأساليب الرصينة الموروثة عن البيانية المشرقية التى ربما كانت قد استنفدت جاذبيتها لارتباطها بالتفكير التقليدى المقترن فى أغلب الأحوال بالتخلف والرجعية. كانت فترة الثمانينات بالمغرب قد ورثت عن سابقتها توقيع معاهدة كامب ديفيد وانسحاب مصر من المعسكر المناهض للعدو الإسرائيلى وللإمبريالية، وكانت الثقافة المصرية بعد هذه المعاهدة قد فقدت تأثيرها، فلم تعد تمثل ذلك النموذج الأدبى المحتذى؛ يمكنك أن تختبر ذلك فى كلٍّ من الإبداع والنقد؛ فنجيب محفوظ الروائى الساحر الذى سيحصل على أهم تقدير عالمي، لم يكن يمثل للروائيين المغاربة فى هذه الفترة نموذجا للكتابة الروائية، ولا كانت النصوص الروائية والشعرية المصرية مطلبا للقراء الذين انصرفوا لقراءة نصوص قادمة من بلدان عربية أخرى مثل فلسطين وسوريا ولبنان؛ فى هذا السياق الثقافى السياسى ازدادت حمّى الإقبال على كل ما يمثّل قطيعة مع الثقافة المصرية وأساليبها المكرّسة فى الأدب والنقد. وكانت نزعة التغريب فى النقد والإبداع المغربيين تشكّل فى العمق نوعا من التمرّد والانتقام من النموذج الثقافى المصرى الذى كان قد فقد التأثير والفعالية لاقترانه بنظام سياسى لم يعد يستجيب للمطالب الشعبية فى مقاومة الإمبريالية. بيد أنّ هذه النزعة لم يكتب لها النجاح لأنها كانت ردّ فعل غير مدروس؛ فإذا كانت قد بهرت بعض الشباب واستقطبت كتاباتهم، فإنها عجزت عن إقناع بعضهم الآخر الذى لم يكن يربط بين النظام السياسى فى مصر وبين المثقفين المصريين الذين قاوموا هذا النظام سواء فى الداخل أو فى الخارج. وعلى هذا النحو ظلت الثقافة المصرية الرائدة تشكل دائما نبعا ثريا لعديد من المثقفين المغاربة على الرغم من اقتناعهم بتراجع هذه الثقافة عن المواكبة الحقيقية اللازمة للثقافة الغربية التى كانت تجرى بوتيرة مذهلة.

وعلى الرغم من تضاؤل قوة هذه الثقافة المصرية الرائدة الموغلة فى تاريخنا الحديث وانحسار تأثيرها، فإنها لم تختف وظلت تنفث سحرها المتوارث؛ إذ أنتجت فى هذه الفترة «العجفاء» رموزا ثقافية مؤثرة كان لها الصدى الواسع فى عقول المثقفين المغاربة، مهما يكن من انفتاحهم المباشر على الثقافة الغربية التى سارعوا للنهل منها مباشرة؛ ومن هذه الرموز التى استطاعت أن تجد لها موقعا فى خريطة الثقافة العربية الجديدة الباحثة المصرية سيزا قاسم.

لقد برز اسم سيزا قاسم فى الثقافة العربية فى بدايات الثمانينات سواء بمقالاتها فى مجلة ألف أو مجلة فصول، أو بكتابها: «بناء الرواية: دراسة فى ثلاثية نجيب محفوظ» (1984)، والكتاب الذى أشرفت عليه بالاشتراك مع المفكر نصر أبو بعنوان «مدخل إلى السيميوطيقا: أنظمة العلامات فى اللغة والأدب والثقافة»(1986). وفى الفترة الأخيرة نشرت كتابين: أولاهما «القارئ والنص – العلامة والدلالة» (2002) الذى أثارت فيه قضايا تتعلق بقراءة النص وفهمه وتأويله وتفسيره منطلقة من النظر فى رصيد الثقافتين الإسلامية والمسيحية. وثانيهما كتاب «طوق الحمامة فى الألفة والآلاف لابن حزم الأندلسى – تحليل مقارنة» (2014)، وهو فى الأصل دراسة أنجزتها الباحثة سنة 1971 لنيل شهادة الماجستير، لكنها أضافت إليها فصلا جديدا قارنت فيه بين نظرية الحب عند ابن حزم وبين نظيرتها الغربية.

يمكننا أن نستخلص من تجربة هذه الباحثة عدة دلالات فى هذا السياق الذى نشير فيه إلى إحدى علامات ثقافتنا العربية المعاصرة :

– إثبات حضورها فى الحقل الثقافى لما يقارب الأربعين سنة واكبت فيها مناهج نقدية وحقولا علمية إنسانية متعددة.

-اشتغال سيزا قاسم بالمناهج جزء لا يتجزأ من اهتمامها بتجديد التراث العربى الإسلامي؛ أى ان تفكيرها فى المناهج لم تمله شروط الانخراط فى تجديد أدوات التفكير والتحليل فقط، ولكنه نابع فى المقام الأول من موقف فكرى يؤمن بضرورة تجديد رؤيتنا لتراثنا، وجعله جزءا من التراث الإنساني.

– تفاعل الباحثة المباشر مع الثقافة الغربية الفرانكفونية والأنجلوسكسونية على حد سواء جعلها تواكب باستمرار مستجداتها؛ فقد كانت رائدة فى تعرّف البنيوية وتقديمها للقارئ العربى فى صيغة سلسة عارية عن التعقيد، كما كانت رائدة فى تعرّف السيميائيات وتقديمها للقارئ فى كتاب جماعي، وكانت رائدة فى الاهتمام بالتأويلية؛ إذ ألقت سنة 1987 محاضرة فى ذكرى المرحوم عبد العزيز الأهواني، التى طبقت فيها مفاهيم السيميائيات والتأويلية على كتابات علماء التفسير. وقد نشرت المحاضرة بعد ذلك فى مجلة ألف التى تصدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعنوان: «توالد النصوص وإشباع الدلالة: تطبيقا على تفسير القرآن» العدد 8 سنة 1988.

– زاوجت فى كتاباتها بين الاهتمام المبكر بالتراث العربى الإسلامى سواء أكان أدبا أم فكرا، وبين الاهتمام بالنظريات والمناهج النقدية والتأويلية والسيميائية الغربية؛ هذه المزاوجة أفادت كلا من التراث والتصورات الحديثة؛ إذ ظهر كل منهما فى ضوء الآخر خلقا جديدا.

– سيزا قاسم أستاذة قبل أى شيء آخر؛ فعملها فى المقام الأول مرتبط بالتدريس والتأطير والاحتكاك المباشر بالطلاب وتعليمهم، وقد انعكس هذا على كتاباتها التى لم تخل من البعد التعليمى الذى لمسته فى أول كتاب رمى بى فى عوالم هذه الباحثة السّاحرة التى نجحت فى أن تقلب ضجرى بالبنيوية إلى فتنة كان لها التأثير القوى فى انفتاحى المتواصل على النظريات والمناهج النقدية التى لا يزال بعض الدّارسين يعتسفون فى تقديمها برطانة وتحذلق، غير آبهين بالقرّاء الذين ينعتونهم بالقصور.

كان الناقد الكبير بول بينيشو يرى أن البنيوية ومناهج النقد الحديث أوضح عند أساتذتها الحاذقين الذين نظّروا لها، وأن من أفسدها هم التلاميذ والأتباع المقلدون الذين حوّلوها إلى شعارات للتبجح؛ هكذا كانت البنيوية فى نسختها المغربية فى الثمانينات مجرد شعار أجوف؛ فهل انضمت سيزا قاسم التى سحرتنى بنيويتها وقتئذ إلى فريق الأساتذة الحاذقين الذين ألمع إليهم بول بينيشو؟