كتب:أحمد شوقي   قبل نحو أربعة عقود، وبالتحديد عام 1976 سطع نجم ممثل مؤلف اسمه سلفستر ستالون فى فيلم “روكي”. تركيبة غريبة عن الحالات المعتادة، التى يكون فيها المخرج مؤلفا

«كريد».. أو كيف عاد سلفستر ستالون للأوسكار؟

كتب:أحمد شوقي

 

قبل نحو أربعة عقود، وبالتحديد عام 1976 سطع نجم ممثل مؤلف اسمه سلفستر ستالون فى فيلم “روكي”. تركيبة غريبة عن الحالات المعتادة، التى يكون فيها المخرج مؤلفا أو حتى يكون البطل مخرجا، لكن أن يكتب ممثل سيناريو فيلما يلعب بطولته من إخراج شخص آخر (جون أفلدسين الحاصل على الأوسكار عن نفس الفيلم) فذلك حالة خاصة جدا، أكد خصوصيتها فشل ستالون الذى خاض بعدها تجربة التأليف والإخراج مرات عديدة فى أن يحقق أى منها نفس التقدير الذى ناله الجزء الأول من سلسلة ملاكم فيلادلفيا الشهير روكى بالبوا.

ستالون انخرط فى مسيرة يعرفها الجميع، أفلام تجارية بحتة، تتناثر فيها الرصاصات أو اللكمات، وعوامل نجاحها هى المعركة الأعنف أو البطل الأقوى، وليست أبدا الموهبة أو التماس الإنسانى الذى حققه البطل الملقب بالحصان الإيطالى فى فيلمه الأيقوني، التماس مع فكرة الحلم، وقدرة رجل بسيط القدرات عظيم الإرادة لا يملك سوى جسده أن يصعد إلى القمة. سلفستر ستالون كان يروى حكايته الشخصية بشكل ما، حكاية قادته لقمة عالم سعد بتصدره طويلا حتى هزمه أكبر عدو لمن كانت بضاعته جسده: العمر.

فى الفيلم الجديد “كريد”، السابع فى سلسلة أفلام روكي، يسأل الملاكم الشاب أدونيس (مايكل بى جوردان) روكى عن والده أبوللو كريد، فيرد بأنه كان ملاكما لا مثيل له، فيسأل الشاب كيف إذن تمكن روكى من هزيمته، فيقول الحصان الإيطالى جملة تلخص كل شيء “هزمه الزمن.. الخصم الذى لا يمكن الفوز عليه”. الحديث هنا عن أبوللو كريد، عن روكى بالبوا، وعن سلفستر ستالون نفسه، الذى هزمه الزمن، فلم يعد من الممكن أن يصير بطلا خارقا أو مقاتلا يسدد اللكمات، ليوافق أخيرا على الرجوع للصف الثاني، واستخدمات أدوات تمثيلية كادت تصدأ تحت ركام العضلات الشائخة وجرامات البوتوكس.

ثنائى أخذ روكى لملعبه

المخرج هو الشاب ريان كوجلر، الذى خطف الأضواء قبل عامين بفيلم “محطة فروتفيل” عن حادثة حقيقية لمقتل شاب زنجى على يد شرطى متعصب. وصف “شاب” هنا دقيق جدا مع كوجلر الذى لم يكمل عامه الثلاثين بعد، والذى يتعاون للمرة الثانية مع بطله المفضل، الممثل الشاب أيضا – 29 عاما مايكل بى جوردان، واللذان تمكنا من أخذ روكى بالبوا إلى ملعبهما، وتخليصه من هواجس البطولة التى ظلت حتى الجزء السادس الذى كتبه وأخرجه ستالون عام 2006 ليلاكم فيه روكى مرة جديدة فى عمر الستين.

لا مجال هنا لبطولات خارقة لطبيعة الأمور، فلا أحد يهزم الوقت كما يعلن الفيلم من البداية، روكى بالبوا مجرد عجوز متداع الجسد، يتظاهر بالقوة والتماسك لكنه يعلم أنه لم يعد قادرا على فعل أمور بسيطة مثل حمل أكياس التدريب للفتى الشاب الذى تحمس لجعله بطلا جديدا إكراما لذكرى والده، الهاجس المسيطر على البطل الشاب، والمتأرجح طيلة الوقت بين الانبهار بأسطورة أب لم يره كان بطلا للعالم، ورغبة فى التحرر من حمل الميراث وبناء مسيرة شخصية مستقلة.

مسار اعتيادى وخط يصنع الفارق

الهيكل العام للسيناريو لا يختلف كثيرا عن أى فيلم عن الملاكمة: التمهيد لقتال يخوضه ملاكم يبدو مرشحا للهزيمة، ثم رحلة الاستعداد التى يواجه فيها متاعب شخصية وعاطفية، حتى يتمكن من إثبات جدراته فى النهاية واكتساب احترام الجميع، والتصالح مع أزمته التى تصنع الخط الموازى للدراما وهو هنا العلاقة مع الذكرى متمثلة كما قلنا فى الملاكم الشاب وأبيه الأسطورة.

الفيلم إذن كان مرشحا لأن يكون مجرد فيلم رياضى آخر، لكن تواجد ثنائية ستالون/ روكى بما تستحضره من أفكار ترتبط بحياة النجم الحقيقية أكثر من ارتباطها بشخصية درامية، كان سبب اختلاف الفيلم وطرحه خلال موسم الجوائز الحالي. فعندما نشاهد متاعب روكى الجسدية، ويتم تشخيص إصابته بمرض مميت، لا يمكن أن يتم استقبال الأمر كحدث فى حياة شخصية خيالية، لأنه من جهة يحدث لشخصية تربطنا بها علاقة عمرها أربعين عاما وستة أفلام، ومن جهة أخرى يقدم إحالة مباشرة مرئية لرجل كان يوما نموذجا للكمال الجسدي.

سلفستر ستالون يجسد نفسه مرة ثانية، بعدما روى فى منتصف السبعينات حكاية تداعب الآمال تنبأ خلالها بشكل ما بمسار صعود نجمه، ليعود فى “كريد” ليقدم أداء رثائيا لا يمكن إلا أن يمس القلوب رغم قدرات صاحبه التمثيلية المحدودة، ليكون حصوله على الجولدن جلوب وترشحه للأوسكار وربما ينالها أشبه بشهادة نهاية خدمة، أو تعاطف مع نجم تصالح أخيرا مع أنه قد انهزم أمام الزمن.