بقلم صافى ناز كاظم   إذا كان لى أن أنتخب مقتطفا من شكسبير ألخص به رؤيتى للسفير «شكرى فؤاد» فسوف أردد على الفور ترجمتى للكلمات التى قالها «هاملت» عن

السفير شكري فؤاد

 

 بقلم صافى ناز كاظم

 

إذا كان لى أن أنتخب مقتطفا من شكسبير ألخص به رؤيتى للسفير «شكرى فؤاد» فسوف أردد على الفور ترجمتى للكلمات التى قالها «هاملت» عن صديقه «هوراشيو»، فى المشهد الثانى من الفصل الثالث من مسرحية هاملت:

«هوراشيو إنك لرجل شريف، لن ألتقى بمثيله بين البشر،……….، أنت الذى اختارته نفسى، منذ بدأت تميز بين الناس، لأنك مثل الذى عانى كل شىء، فأصبح لا يعانى شيئا، يتلقى من الأقدار الخير والشر، بامتنان واحد، وطوبى لهؤلاء، الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة، فلا يصبحون مزمارا فى يد أحد، يعزف عليه ما يشاء، أعطنى هذا الرجل الذى يرفض أن يكون عبدا لأهوائه، وسوف أضعه فى السويداء، نعم، فى قلب قلبي….». هذه الملامح الهوراشية رأيتها تتبدى لى بوضوح على مدى سنوات معرفتى الإنسانية بشكرى فؤاد، حتى أننى صرت كلما تخيلت هوراشيو يظهر لى بوجه شكرى فؤاد وإيماءاته وهيئته الكاملة، وكأن معرفتى بشخصية شكرى فؤاد قد ساعدتنى على فهمى لهوراشيو وكأن كلمات شكسبير الدقيقة التى أطلقها على لسان هاملت قد ساعدتنى على صياغة تحليلى لشخصية شكرى فؤاد الذى منّ الله عليّ بصداقته الغالية عبر السنوات الطويلة والحمد لله.

فى يوم من أيام صيف 1970، فى بيت «وداد وسعد»، كان لقائى الأول مع شكرى فؤاد وزوجته العزيزة نبيلة، أو بلبل كما يناديها الجميع، كان قد مضى على صداقتى لوداد مترى وزوجها الدكتور سعد لوقا ثلاث سنوات منذ تعرفت عليهما 1967 فى عرض مسرحية «أجاممنون» بمسرح الجيب القديم بالقرب من حديقة الأندلس، تقدمت منى «وداد»، دون سابق معرفة، وأجزلت لى الثناء على ما كنت أكتبه فى ذلك الحين من نقد مسرحى بمجلة المصور. لم أكن أعرف ساعتها أن «وداد متري» قاعدة لصداقات ثقافية وفنية وأدبية وتربوية وصحفية وسياسية عريضة، تتعدد فيها الأفكار والآراء والمشارب وإن تلاقت عند حب الوطن والأمة العربية ومساندة كل القضايا المقاومة للكيان الصهيونى ولكل أشكال الظلم والقهر والفساد، كان بيتها، «بيت وداد وسعد»، رحمهما الله سبحانه، بمثابة مسقى لكل العطاشى من كل اتجاه.

ذلك العام 1970 كانت صداقة وداد وشكرى قد تعدت سنواتها العشرين منذ زمالتهما خريف 1948 بكلية الآداب جامعة فؤاد الأول، القاهرة الآن، قسم الفلسفة وتخرجهما فى دفعة 1952، كان شكرى أصغر أعضائها سنا فلم يكن عمره يزيد عند تخرجه على العشرين عاما وخمسة أشهر.

قالت وداد: «شكرى يا صافى راجع من عمله فى سفارتنا بكمبوديا»، وحبذت أن أقدم له كتابى «رومانتيكيات»، الذى كان قد صدر لتوه عن دار الهلال إبريل 1970، فكتبت له إهدائي: إلى الأستاذ شكرى كمبوديا مع التحية والمودة، 2/7/1970!

كنت وقتها فى سمت لعلعتى الصحفية وفرحتى بروحى ناقدة وكاتبة بمجلة المصور فى عهدها الذهبى تحت رئاسة أحمد بهاء الدين رحمة الله عليه، قبل أن أقع بعدها على بوزى بصفعات قهر وظلم الكاتب، الذى تصر فلوله على نعته بالرومانسى المتسامح الذى لا يؤذى نموسة، سى يوسف السباعى بداية من أغسطس 1971. ما كدت أصادق شكرى وبلبل حتى وجدت نفسى تتقاذفنى شلاليت تعليمات السلطة الساداتية السالبة للحقوق؛ منع من النشر وفصل من العمل واعتقالات ونفى…. إلخ إلخ، فى ذلك التطور المروّع لأحوالى، حين تخلى عنى من تخلى وتجهم لى من تجهم وأنكرنى من أنكر، تكشفت لى الأبعاد الهوراشية فى شخصية ذلك النبيل شكرى فؤاد الذى لم يُضيّق على صدره، لحظة واحدة، سترة «الدبلوماسي» المتخوّف المتحرج الذى يخشى مخالطة أمثالى من المنبوذين المعارضين لجبروت سلطة محمد أنورالسادات المستبدة الجائرة على مدى دورة فلكية صينية استغرقت 12 سنة عجاف.

بعد أن استقر شكرى فى مصر فى ديوان وزارة الخارجية لمدة ثلاث سنوات، سافر عام 1973 إلى مواقعه المتغيرة فى سفاراتنا على مدار الكرة الأرضية، وظل موقعى ثابتا فى قوائم الاستدعاء إلى معتقل القناطر للنساء كلما احتاجت غشومية السلطة الساداتية إثارة قضية أمن دولة وهمية ما تلبث أن تُحفظ بعد أن تستوفى أغراضها من اعتقالنا ومرمطتنا بتهم الشغب وقلب نظام الحكم وما إلى ذلك من كذب وبهتان واختلاقات ما أنزل الله بها من سلطان.

يسافر شكرى ويعود ثم يسافر ثم يعود ويطلق سراحى من المعتقل ثم أعود…. إلخ و«شكرى وبلبل» فى قلب قلبى لا تهتز لهما شعرة خوف مما يحدث لى ولكثير من أصدقائهما وبوصلة معرفة أحوالنا هى «وداد متري»، حين لا تكون مسافرة مصاحبة لزوجها الأستاذ الجامعى سعد لوقا فى جامعات بإفريقيا أو ببلاد العرب، ويهتم شكرى بأن يبعث لى من كل مكان بقصاصات صحف تكون قد نشرت صورة لى وأنا فى القفص الحديدى خلال المحاكمة، أو يكون قد ذكرنى ذاكر بطيب فى مقال أو محاورة؛ لمسات رقيقة حانية لا أتوقعها تأتينى منه كرذاذ الماء البارد المنعش ترش وجهى فى القيظ الصعب.

إذا أردت أن أحدد المهمة الأولى لشكرى فؤاد فى الحياة أضع يدى على «صديق»، و«الصديق» ليس بالضرورة الذى يتفق معك فى الرأى أو فى العقيدة، لكنه الذى يتواءم معك ويفهمك ويرى حقك فى أن تكون ما أردت أن تكونه؛ هو الذى لا يضيق معه «خُلقك» ولا تنحبس زفرتك ولا تخشى عنده إطلاق فكاهتك ولا يسوؤه وقع دعابتك: يفهمك يفهمك يفهمك!

من المؤكد أن شكرى فؤاد منذ بداية تفتحه الثقافى قد انحاز للصدق والشرف والأمانة والاستقامة، وتجول بصفاتها بعقله ووجدانه بحرية وشغف فى حدائق المعرفة الإنسانية وحقولها الواسعة ليس من أجل تغذية الرطانة فى الصالونات ودعم الاستعراضات الفكرية ووجاهة الانضمام إلى نادى النخبة ولكن سعيا وراء الائتناس بالوعى وشحذا للإدراك الشفيف الذى يقود إلى الحياء من التباهى والتعفف عن تزكية الذات.

يتقن شكرى فؤاد السمع والإنصات لمحدثه، وحين يتكلم يختصر ويتركك فى شوق إلى إسهابه، تقوده حكمة «خفف الوطء». يتململ من الفجاجة وينسحب من اللجاجة ويطوى صفحات الركاكة كأنها لم تكن. رغم صلابته الكامنة وعناده الراسخ غير السافر لا يتحرج من الإعجاب بمن يكشفون وجه عنادهم بالزعيق: يجد فيهم طرافة يضحك لها كثيرا. رغم اختياره للتكتم فى الألم والفرح لا يضايقه مَن من صفاته البوْح. ورغم إمعانه التفكير لا ينكر على غيره سرعة الحسم. يدفعه حسه النقدى الحاد إلى طمر الكثير من ملكاته الأدبية والفنية. يحترم قيمة التواضع ويجد الأناقة فى التوارى إلا فى أحوال الاستنجاد والإغاثة ساعتها تدفعه شهامته لنجده البارز فى الصف الأول.

بلغ شكرى فؤاد سن الستين فى 12 يناير 1992، وأتاحت الحاجة الوطنية إلى خبرته فى وزارة الخارجية أن يواصل العمل مستشارا لها حتى السبعين فى 12 يناير 2002، ويظل وهو يخطو نحو الثمانين، إن شاء الله فى 12 يناير 2012، مرجعنا فى كل شأن من شئون الضمير ويكون بذلك قد حقق الإنجاز الأكبر الذى يتمناه كل شريف على هذه الأرض: «هؤلاء الذين يتوازن عندهم العقل والعاطفة فلا يصبحون مزمارا فى يد أحد يعزف عليه مايشاء….»!

حفظك الله يا شكرى فؤاد وأدامك علينا جوهرة كريمة من كنوز بلدنا هذا الأمين

 

المقال إهداء من الكاتبة الكبيرة