يصدر قريبا عن الدار المصرية اللبنانية فصل من كتاب «نواب الله» بقلم أحمد الشهاوى   1 >> ليس هُنَاك نصٌّ مهما علا مَصْدَرُهُ فوق التأويل، والاجتهاد فى النَّظرِ إليه، والمساءلةِ،

نواب الله

يصدر قريبا عن الدار المصرية اللبنانية

فصل من كتاب «نواب الله»

بقلم أحمد الشهاوى

 

1

>>

ليس هُنَاك نصٌّ مهما علا مَصْدَرُهُ فوق التأويل، والاجتهاد فى النَّظرِ إليه، والمساءلةِ، والنقاش حوله، ولذا قيل إن اختلافَ الفقهاء والعلماء رَحْمَةٌ للخلق، وفسحة فى الحق، وعلينا التأسِّى بهذه المقولة، التى تعنى أنه لا يوجد نصٌّ فوق السُّؤال والمناقشةِ، ولا أدرى لماذا يرجع الكثيرون من المعاصرين فى تيار الإسلام السياسى إلى مقولاتٍ بعينها، نافينَ أو مُخْفِينَ غَيْرَهَا، غاضِّينَ البَصَرَ عنها، ناكرينها كَأنَّها غير موجودةٍ وساطعةٍ فى كتب السَّلف، يأخذون فقط الأفكارَ التى تنحو نحو التشدُّد، تاركينَ الأقلّ تشدُّدًا والأكثر سماحَةً واعتدالاً ووسطيَّةً، واضعينَ فى اعتبارهم قانونَ الإلغاء والمحو لمن يخالفهم الرأي.

فباسم الدين ونصوصه المقدَّسة وتأويلات السَّلف، صرتُ أرى صورًا جديدةً ومبتكرةً وغريبةً ومتكرِّرةً للانتهاكِ والإلغاءِ والإقصاءِ، لا تخطر على بالٍ من فرط غرابتها، فهى ارتباكاتٌ ذهنيةٌ وفكريةٌ، أكثر منها ارتكاباتٌ دينيةٌ، لأنَّ العقلَ عندما يكونُ مُشَوَّشًا، وغيرَ مستوعبٍ للإرثِ الذى تركه الأسلافُ، تكون النتيجةُ الحتميةُ الإضرارَ بالدينِ والخَلْقِ معًا، ويقتنع هؤلاءُ بأنَّ فعلَهُم هو المثاليُّ والأتمُّ والأكملُ، ومن يعترضُ عليه شفهيًا أو كتابيًا هو فى عُرفهم وعقيدتهم كَافِرٌ، لأنَّهم يلوون أعناقَ النُّصوصِ؛ كيْ تتماشى أو تتواصلَ مع واقعٍ مُتَغيِّرٍ يعيشُهُ المسلمون، ولا ينبغى القياس بأحكامٍ متشددةٍ، لكن باختيار المعتدل الأصلح للأمة.

ولذا نرى ترويجًا للكذب باسم الدين، واختلاق نصوص، واجتزاء وتشويه نصوص أخرى، وهذا من شأنه تكريس ثقافة الإقصاء والنَّظر إلى الأشياء بعينٍ واحدةٍ فقط، وربَّما تكون هذه العينُ ضعيفةَ البَصَرِ، أو ربما عوراء، أو عمياء، ناهيك عن عَمَى البصيرة.

فإذا عميت الأبصارُ والبصائرُ، سنكونُ – حتمًا – أمام سماواتٍ من الظَّلام الذى يَحْجُبُ كُلَّ الرُّؤى، إذْ سيختفى نور السُّؤال، وينطفئُ ضَوْءُ العقل. وتنعدمُ حريَّةُ الاختيار، وتترسَّخُ ثقافةُ الإنكار، وتظهر على سطح المجتمع ثقافة حَدّ الحرابة والقتل.

فهم يملكون الأسانيدَ حتَّى لو كانت ضعيفةً أو غير صحيحةٍ، أَوْ مُنْكَرَةٍ، والآخر لا يملك سوى أفكاره التى يراها أصحاب تيار الإسلام السياسى كافرةً وخارجةً وصاحبها من الخوارج كلاب أهل النَّار، مع أن الذى يصفونه بأنَّه من الخوارج، هو فقط مختلفٌ معهم سياسيًا، وما تسميهُ الخوارج – أيام عليّ بن أبى طالب – التى أطلقها الخصوم الذين اعتبروا أنفسهم هم أهل الحق والعدل، إلا تَجَلٍّ للخصومةِ الفكريةِ والسياسيةِ، وليس لسببٍ دينيٍّ، ويكفى أن أقول فى هذا السياق إنَّ «الخوارج» القُدامى كانوا يُجمعون على وجوب الثورة على أئمة الجَوْر والفسق والضعف، ناسكينَ، مُتَّقِينَ وقد اشتروا الجنةَ بأرواحهم، شجعانًا، صادقين، بينما رأينا المنخرطين فى تيارِ الإسلامِ السياسيِّ لا يثورون على إمامٍ جائرٍ أو حاكمٍ ظالمٍ، أَوْ وليٍّ للأمر فاسقٍ.

وكانوا زُهادًا فى الثروة، لا يحرصون على الاقتناء، على غير ما نرى من أصحاب الملايين والمليارات من «نُجوم» الإسلام السياسي، لقد خَابَ وخَسِرَ من نَفَى وَأَقْصَى غَيْرَهَ المختلف مَعُهُ وَعَنْهُ، هكذا يقول لنا التاريخ؛ لأنَّ الضَّعيفَ هو من يفعل ذلك، إذْ هو هشٌّ، مُتَذبذبٌ، لا يتمتَّعُ بأيَّةِ ثقةٍ بنَفْسه أو ثقافته، يُسَيِّرُهُ عَمَاهُ، يميل دومًا إلى السِّبابِ والشتيمةِ، ينفعلُ أكثر مما يُفَكِّر، يفتعلُ الفوضى والضجيجَ؛ لأنَّه يرى نَفْسَهُ منتصرًا مَزْهُوًا بينهما، بينما هو فى الحقيقة مضطربٌ ومأزومٌ نفسيًا، يعانى مرض السَّيْطرة والتحكُّم ومهووسٌ بهما، فهو يرفضُ أيَّ آخر، حتَّى لو كان ما يقوله هذا الآخر هو الصواب.

فالفكرةُ الجديدة تُزْعجُهُ، وتتحدَّاه، متصورًا أنها ستهمِّشُهُ؛ لأنَّه لم يعتد ثقافةَ الحوار، ولم يتدرَّب إلا على الإِقْصَاء والإلغاء والنفي.

وهؤلاء الإقصائيون دومًا يتعلَّقونَ بالهامشِ ويتركونَ المَتْنَ، وَيَسْعَوْنَ دومًا إلى الاقترابِ من المناطقِ التى ستمنحهم ضوءًا وشهرةً وجذبًا، حتى يشعروا بأنَّهم مُتحكمونَ ومُسيطرونَ، ولذا نراهم دومًا متوترينَ، ويفتعلون الأزماتِ والمشكلاتِ والفتنَ، وما نتيجة الإقصاءِ إلا التكفير والقتل، ولعلَّ أوَّلَ جريمة على وجه الأرض كانت بسبب إقصاء الأخ لأخيه. كأنَّ أصحابَ تيار الإسلام السياسى يحملون قابيلَ فى وجوههم وقلوبهم، مؤمنينَ أن الرَّبَّ لم يَنْظُرْ إليهم.

وَأُدْرِكُ أَنَّهم سيندمون على ما يفعلون، لكن لن ينفعَ النَّدم بعد فَوَات الأَوَان.

 

2

>>

الدين كائنٌ حيٌّ مهما مرَّ الزمانُ عليه، متحرِّك وليس ساكنًا، فلماذا يسعى بعضٌ ممَّن دخلوه وآمنوا به أن يُحنِّطُوه ويضعُوه داخل تابوتٍ فى سابع أرض، ويقولوا عن أنفسهم انهم حُرَّاسُه وأصحابه، ومُلَّاكه، وما دونهم ضالّون ومُبتدعون وكفرة وزنادقة وخارجون على الدين، ينبغى قتالهم ومحاربتهم أينما وجدوا.

إن الغلو آفة، لا تصلح الأرض إلا باجتثاثها، كى يصح ما فى بطنها أو ما ستُنبته، ولعل الآية 171 من سورة النساء «لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ…» لهى خير شاهدٍ على ما أطرحه حول ضرورة التوسُّط والاعتدال فى الدين، وهما سِمَتان لصيقتان بالمسلم – خُصوصًا فى مصر – الذى اعتاد أن يأخذ الأيسر فيما يتعلق بأمور دينه ودنياه، حيث الوسطية تحفظ للمسلمين وحدتهم ودينهم ومكانهم ومكانتهم بين الأمم، ووحدة بلدانهم ولغة قرآنهم خُصُوصًا فى الدول التى تتحدث العربية، كيلا يدخلوا فى نفق مُغلقٍ، لن يؤدِّى إلا إلى الافتراق والتطاحُن والتشاحُن والتباغُض والتقاتُل والتنابُذ.

كما أنها تسمح بالخلاف الذى هو رحمةٌ، وتُنْكِر وتُبغِض الاختلاف الذى يستند إلى تأويلاتٍ مغلُوطة، وأسُسٍ واهية، ونصوصٍ موضُوعة، ومتُونٍ محمُولة على الشُبهات الباطلة، التى من شأنها أن تُضعِف، وتُقَسِّم، وتُقْسِم الظهر.

فما أحوجنا – إذن – إلى أن نعتصم بحبل الله، لا بحبل الطوائف أو الفِرَق، أوالجماعات أوالمِلَل أوالنِحل أوالإمارات الصغيرة والخلافات المشبُوهة التى دسَّتها كائناتٌ بدت للجميع أنها لا تعرف عن دينها سوى القشُور التى لا تُقيم حياةً ولا مُجتمعًا ولا حتى دولة، أساسها الدين ومرجعها.

إن تجار الدين من الضَّالين هم أول من يتربصُون بالدين، أكثر من أعداء الدين أنفسهم ؛ لأنهم يُفتُون بغير علم، وعاجزون عن التفسير الصحيح، حتى صاروا وقُود الفتنة التى تعصف بالبلاد والعباد، وأصبح المشهد العام الظاهر للغريب والقريب معًا، كأنه ليس للمسلمين كتابٌ واحد، وإلهٌ واحد، ورسولٌ واحد، ودينٌ واحد «وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ» (163). سورة البقرة، ومثلى عندما يطالع أفعال أهل داعش، وشعب السلفيين، ومن دار فى فلكهم، يشعر أنه غريبٌ على ما يعتقدون، لأن مسلكهم لا ينتمى بأية حال من الأحوال إلى الدين، الذى أُؤمن وأعتقد، إذْ هم – فى الحقيقة – أبناء غرضٍ ومرض، وليسوا أبناء دين، وقد خرجوا – بالفعل والقول – على صحيح الدين، إذْ استباحوا ما حرَّم الله من الأعراض والدماء، حيث يحاربون من ليس على «هوى دينهم»، إذْ خطفوا «عرش» الله، يُشَرِّعون من خلاله، ويحكُمون ويُكْرِهُون الناس على غير ما يبتغُون ويرضون.

وهم عندى أهل بدعة وضلال وبغى وعدوان وإكراه، وقد وصلتْ حال المسلمين معهم فى مناطق كثيرة من العالم العربى والإسلامى إلى تنازعٍ وتناحرٍ، فلم يعد أحد آمنًا منهم على نفسه وأهله، إذ هم يسعون فى الأرض فسادًا، يهلكون الحرث والنسل (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِى الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) 205 – سورة البقرة، ولا المفسدين، وإذا قلت لأحد منهم قولا ليِّنًا، ترشده وتُعينه، وتُبيِّن له دينه الصحيح (أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (206 سورة البقرة ).

وإذا كنت أتحدث عن كائناتٍ غريبة الهيئة وعجيبة العقل، ظهرت فى مصر والعراق وسوريا وليبيا بشكل أساسيٍّ فى البلدان العربية، فهناك مثيلٌ لها قد ظهر أيضا فى عدد من الدول الإفريقية وعلى رأسها مالى ونيجيريا والكاميرون، أى أن المُبتدعين يمدُّون حبالهم فى كل الأنحاء، لأسلمة العالم، وفرض «إسلامهم» بقوة الذبح، وهتك الأعراض، وحرق الأرض، ليحاربوا الله فى صورة الذين صوَّرهم من المسلمين المسالمين، أو من كانوا على مذهب أو دين آخر، يعيشون كجزء أساسيٍّ لا ينفصم، ولا ينفصل عن مجتمعهم، لكنهم يظلون أقلية فى دولٍ الأغلبية فيها يدينون بالإسلام.

هذه الكائنات ظهرت لتنشر الفتن، وتُكفِّر الآمنين، كأنها لم تسمع قول الرسول ( إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا )، وَفِى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ)، وفى الرواية الأخرى: (ليس من رجل ادَّعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر. ومن ادَّعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار. ومن دعا رجُلا بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك، إلا حار عليه)، أى رجع عليه الكفر، وباء وحار ورجع لها المعنى نفسه هنا فى هذا الحديث.

والغريب فى الأمر، ومن واقع التجارب المريرة – ومنها سنة حُكم الإخوان لمصر – أنَّ تجَّار الدين ليسوا أصحاب فكرٍ سياسيٍّ، أو فكر إسلاميٍّ، ولذا أنا مع كشف زيف هؤلاء، وتفنيد أطروحاتهم – إذا كانت لهم أطروحات – التى يزعمون أنها الحق المبين، والحقيقة المطلقة، واليقين الكامل، إذْ إنَّ كل دخيلٍ على الدين مصيرُه الزوال، ومآله الحذف، وينبغى مقاومته ومواجهته ومحاربته بالحجَّة والفكر، حتى يؤمن العامة جميعًا أن هؤلاء خوارج، والدين الذى يريدون نصرته، هو دين المصلحة، وكرسى السلطان، والاستيلاء على بيت المال، وربَّات الجمال ( زواجًا وسبيًا وما ملكت أيمانهم )، ولا يضطلع بهذه المهمة إلا العلماء العالمون «وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ» الآية 43 من سورة العنكبوت.

ولكن ما أخشاه – وهو موجودٌ بالفعل – أن يجد المرء إخوةً له فى الغُلو والتشدُّد والتعسُّف، وليَ عنق الدين، يعملون فى المؤسسات الدينية المعتدلة، ولذا فهم يصبُّون الماء على الزيت، أى أن ما كان وسطيًا ومُعتدلا فى السابق، لم يعد كذلك، إذ تغيَّر بفعل الاستقطاب، وغسل الأدمغة، وغلبة المصالح الصغيرة على مصلحة الدين الحنيف.

وفى هذه المحنة التى حلَّت بالمسلمين، أنا مع أن نفعل، لا أن ننفعل، وأن يكون المُواجِه رجلا لا مُرتجلا، لأن الله لن يجمع هذه الأمة على ضلالةٍ أبدًا، حيث إن المسلم لا يضل، رغم شيوع الفتن، وانتشار أسماء الفرق والجماعات الضالة المُكفِّرة التى ترى نفسها ممثلة للدين، خصوصًا أهل السنة، مما أوصلنا إلى نوع جديد من الحروب، تتصارع فيها العقيدة، ويتقاتل فيها الدين، ومن هنا نستذكر وصف جورج بوش «الابن» الإسلام بالفاشية، عندما قال «الفاشية الإسلامية»، رغم أنه ومن كتبوا له الخطاب يدركون أن الإسلام أو أى دين ليس فاشيا، وإنما هناك فاشيون موجودون فى كل دين.

3

عندما يتحدث سلفيٌّ أو أصوليٌّ مُتشدِّد عن إفادة الغرب من المعارف والحضارة الإسلامية يُعدِّد أسماء فلاسفة الإسلام فى المشرق والمغرب كابن سينا وابن رشد وابن حزم الأندلسى وابن عربى والكندى والفارابى والغزالى وابن باجَة وابن طُفيل وابن خلدون وإخوان الصفا وابن الهيثم وابن مسكويه، وغيرهم حسبما تسعفه ذاكرته وثقافته العامة، وهو فى الوقت نفسه أول من يُكفِّرهم، ويطالب بحرق كتبهم، ويصفهم بالزندقة والارتداد عن الدين وبأنهم خوارج، وملاحدة.

إنها الازدواجية التى تسمى شخصيات المتاجرين بالدين، الذين يجعلون من فقه الضرورة، أو فقه الراهن دينًا جديدًا لهم، حيث يُفسِّرون ويُؤوِّلون طبقا لمصالحهم، فالسلفى الذى كان يرفض أن تظهر صورة مرشحة للبرلمان فى مُلصقٍ دعائيٍّ، واضعًا مكانها وردةً أو صورةً لزوجها، فى سياقٍ سرياليٍّ غريبٍ لا تستطيع قريحة شاعر أو روائى أو حتى جن أزرق أو أحمر أن يتوصَّل إلى فكرةٍ عجيبةٍ كهذه، هو نفسه السَّلفى الذى يُجيز نشر الصورة فى انتخاباتٍ أخرى، والذى هو أساسًا ضد أن يكون هناك برلمان، إذ يراه من مُبتدعات أهل الكفر من الغرب المسيحي، لكن البحث عن الكُرسي، جعل السلفى يبيح أى شيء، ويبحث عن تبريرٍ لكل شيء سبق وأن رفضه.

فمثلا السلفى ضد أن تشارك النساء فى المؤتمرات الجماهيرية للدعاية لأنفسهن بحكم أنهن مرشحات لخوض انتخابات البرلمان، حتى لا يختلطن بالرجال، وحجَّة السَّلفى أن السيدة عائشة زوجة الرسول محمد «صلى الله عليه وسلم» كانت تُعلِّم الرجال والنساء معًا، ولا بد أن تكون قُدوةً ونبراسًا، لكن أين كانت السيدة عائشة وسلوكها قبل ذلك، ولماذا ظهرت الآن، وصارت مرجعا للسلفيين فى مصر؟

ومع ذلك إذا سألت سلفيًا بعيدًا عن حزبه «النور»، أو كلامه للإعلام سيقول لك: إننا لا نعترف بنشر صور النساء، ولا مشاركتهن فى خوض الانتخابات البرلمانية، لأننا ضد أن يكون هناك برلمان، حيث لا وجود لشيء اسمه الانتخابات أو الديمقراطية أو المعارضة ؛ لأن الحكم لله وحده، وأن هذه الأنظمة السياسية أو الاجتماعية لا تعدو كونها مفسدَة للدين والمجتمع، الذى هو جاهليٌّ وكافر.

وهؤلاء السلفيون حديثهم شيء، وحقيقتهم شيء آخر تمامًا، رغم أن ذلك الحديث لا يخلو من شططٍ وشطح وشُذوذٍ ينمُّ عن جهلٍ شديدٍ بصحيح الدين، وهم يروْن أن كُتب أسلافهم مُقدّسة، ولا تجُوز مناقشتها أو مجادلتها، ومن ناقش أو جادل صار فى عداد الكفَّار والمُرتدين، كأنهم لم يصادفهم – مرَّةً – قول الإمام الشافعى (كيف آخذ بقول من لو عاصرته لحججته)، أى أنه يمكن للمرء ألا يأخذ تفسيرًا لصحابيٍّ، حيث إن تفسيره ليس قرآنًا مُنزَّلا، وليس – أيضًا – حديثًا نبويًا، ومن ثم تنبغى مُجادلته، وعدم الأخذ بما جاء به.

إذن لا حاكم إلا الله، ولا مُقدَّس إلا القرآن ومن بعده سُنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، وليس لسلفيٍّ أو غيره سلطان على أحد، لأن الله وحده هو السلطان.