بروفة جنرال اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث نورا أمين   يندرج ختان الإناث ببساطة تحت بند التعذيب الأسري. كان يمكنني أن أقول “العنف الأسري” لكنني أعتقد أن “التعذيب” هو

نورا أمين تكتُب .. اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث

 

بروفة جنرال

اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث

نورا أمين

 
يندرج ختان الإناث ببساطة تحت بند التعذيب الأسري. كان يمكنني أن أقول “العنف الأسري” لكنني أعتقد أن “التعذيب” هو اللفظة الأكثر تعبيرا عن الفعل. ربما أن معدلاته في مصر قد إنخفضت نسبيا مؤخرا لكنه ما زال يشكل ظاهرة تتفوق بها مصر على غيرها من الأقطار. و بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة ختان الإناث، ٦ فبراير، دعونا ننظر إلى هذا التعذيب الممنهج للأنثى في المجتمع المصري من زاوية نفسية و تحليلية.
تنشأ الطفلة في كنف الأسرة فتكون هي مصدر معارفها عن العالم و عيها الإجتماعي و إدراكها لنفسها. تشكل الأسرة، و تحديدا الأم و الأب- بل الأم أكثر من الأب- الركيزة الأساسية لنمو ال”أنا” و من ثم هوية الطفلة، تلك الهوية التي تحميها الأسرة بنسب الطفلة إليها، و بالدفاع عنها فيزيقيا ضد المخاطر و المرض، و بتوفير المأكل و الملبس و المسكن، أي بتقديم مكونات الكرامة الإنسانية التي تتشكل في رحمها تلك الهوية الإنسانية الجديدة و الانثوية. على هذه الخلفية، يحدث الفعل الإجرامي المفاجيء ل”الختان”. يأتي هذا الفعل مباغتا تماما للطفلة التي لا تدرك شيئا عما سوف يحدث لها بعد ثوان معدودات. تحمل هذه المباغتة صفة الخيانة و الخديعة و الطعن من الخلف، طعن طفلة بيد الكبار و دون حتى سابق إنذار أو تمهيد أو إستئذان. إنه طعن من أقرب الناس، من مصدر الحنان و الأمان: الأم. أجل فهي المشرفة الأولى على تلك الجريمة و الشاهدة الأولى على تعذيب إبنتها أمام عينيها و بطلبها.
ليست هناك كلمات قادرة على وصف العذاب الذي يجتاح كيان الطفلة. فكيف أصف إحساس البراءة و هي تغتصب و تنشق ساقاها عنوة. أجل هو إغتصاب مكتمل الأركان لطفلة، لا يفرق معه الإيلاج. فكشف العورة بهذه الطريقة و إنتهاكها و تمزيقها هو إغتصاب بكل معنى الكلمة. أما آلام التعذيب و القطع و النزيف أو الكي أو الخياطة، فكلها لن أتحدث عنها.
سوف أتحدث فقط عن إنتهاك الكرامة الإنسانية للطفلة التي كانت تأتمنك على روحها. هذا الفزع و الهلع و تلك الفجيعة و الصدمة النفسية لن تمحوها السنون و لن تغفرها الذاكرة. سوف تتحول الأم إلى صورة أخرى من بعد ذلك اليوم، و لن يكون هناك أمان بالبيت، فهذه الأسرة سوف تكون مصدر الخطر و الألم و الإعتداء. سوف تنقلب وضعية الأسرة لدى الطفلة، و سوف تشعر دوما بالخديعة، و بأنها مغدور بها في أية لحظة و بلا مقدمات. سوف تنهار دعائم ال” أنا” و تختفي كل الآليات الدفاعية تجاه الخارج و تجاه الخطر. سوف يكون قلب الطفلة حقل ألغام حيث لا ثقة لموطيء قدم، و لا ثقة في أحد. ربما أيضا أن ثقتها و وعيها بالمجتمع سوف يهتزان، ففي النهاية هما مشتقان من ثقتها في الأسرة، و سوف تهتز لديها كذلك صورة القيم و القواعد، فقد كسرت الأسرة نفسها القواعد و صارت أسرة كاذبة معذبة. المجتمع كله كاذب إذن.
ربما أن الختان وسيلة أيضا لفرض الطاعة شأنها كشأن كل أشكال التعذيب الممنهجة. فالتعذيب و الألم يولدان الخوف الرهبة، و من ثم يبعثان إشارات نفسية رادعة هي ذاتها الخضوع و الطاعة. نحن نصبح مطيعين خوفا من العذاب و الإنتهاك، و لأننا نعرف أنهم قد يأتون إلينا في أي وقت و ينتزعوننا من فراشنا و يمزقون أعضاءنا. نحن نصبح مطيعين أيضا كتلك الطفلة التي سوف تنقذها الميكانيزمات النفسية الداخلية من خلال الإنكار الذي سوف يعينها على إستكمال حياتها في تلك الأسرة مع هؤلاء المعتدين، و ربما حتى التوحد مع قاهرها/أمها. لكنها سوف تحيا حياة مزدوجة دوما، حتى و إن لم تدرك ذلك. تلك الطفلة التي إنتزعت إنسانيتها و تمزقت كرامتها لن تحتفظ بالرباط الأسري ذاته الذي كنا نأمله، و لن تستعيد ركائز هويتها أبدا من داخل أمان الأسرة و حمايتها، فقد قطعت أمها جسدها، أصبح الحارس هو الجلاد، و أصبحت الطفلة ثورة موءودة لن تعود إلى الحياة إلا بعنفوان مساو لعنف تعذيبها و تقطيع أعضائها. لا يكفي تجريم الختان، الثقافة الشعبية أقوى من القانون. إما أن تكف النساء عن التباعية و الخضوع و كراهية أجسادهن و الحقد على بناتهن و جعلهن يدفعن الثمن، و إما فسوف تكون دوما تلك الطفلة هي الثورة القادمة المتأججة لا محالة. و بلا بروفة جنرال.