نتشدق ليلا ونهارا بحربنا ضد الإرهاب، نفقد كل يوم الدماء الطاهرة الزكية لشهداء هذه الحرب، نلعن فى كل لحظة همجيى تنظيم “داعش” وجرائمهم البشعة، لكننا – فى نفس الوقت –

ريجاتا

نتشدق ليلا ونهارا بحربنا ضد الإرهاب، نفقد كل يوم الدماء الطاهرة الزكية لشهداء هذه الحرب، نلعن فى كل لحظة همجيى تنظيم “داعش” وجرائمهم البشعة، لكننا – فى نفس الوقت – نترك “دواعش” صغارا – بجميع مواقعنا ومجالاتنا – ينخرون كالسوس فى دعائم وقوائم هذا الوطن، ويعملون بدأب على تشويه الوجدان المصرى وطمس الهوية المصرية المتفردة والقائمة على التعددية والتنوع والحرية والفن والإبداع وتقبل الآخر.

نسكت حيث لا ينفع السكوت إزاء إصرار الفاشية الدينية على التهام كعكة مصر ما بعد الثورة وحدها، وسعيها لأن تفرض على جميع المصريين نمطا واحدا فى التفكير والسلوك – وحتى فى الشكل – يقوم على مبدأ السمع والطاعة دون إعمال العقل، ويعتمد ثقافة الجهل والخرافات والغيبيات، ويميل إلى التطرف والغلو.. نكتفى ببيانات شجب وإدانة فى مواجهة خطر داهم يهدد بالقضاء على مصر كوطن حر متفتح متعدد الثقافات والحضارات والديانات، وينذر بتحويلها إلى إمارة ملالى مغلقة ومنغلقة على غرار إيران أو أفغانستان.

فى أسبوع واحد من الشهر الجاري، صدر حكم غير مسبوق – لا أعلق عليه بالطبع – بحبس منتجة سينمائية لمجرد أنها مارست عملها وأنتجت فيلما سلك كل الطرق القانونية واللائحية ليرى النور، وأصدرت هيئة علماء الأزهر بيانا تحريضيا ضد صحف ومجلات ثقافية وقنوات فضائية فى إطار ما يبدو بجلاء أنه سعى محموم لإعادة دعاوى الحسبة إلى حياتنا، وإقامة محاكم تفتيش مصرية على الأفكار والضمائر لإسكات أى صوت حر مختلف عن “الكورال المتأسلم” المراد ألا نسمع غيره، وقطع ألسنة المبدعين لأن أعمالهم من الممكن أن تبصّر الناس بالحقائق وتنير لهم الطريق.

وليس أكثر مدعاة للقلق من الحكم، الذى صدر فى 11 يناير الحالى بحبس المنتجة الشابة رنا السبكى سنة مع الشغل وكفالة مالية 5 آلاف جنيه وتغريمها 10 آلاف جنيه، لاتهامها بخدش الحياء العام من خلال تصوير فيلم “ريجاتا” (2015)، سوى حيثياته التى وصفت “ما أتته المتهمة” بأنه “جرم يمثل خرقا للمجتمع ولقيمه وعاداته وأعرافه التى باتت تنهار نتيجة لمثل تلك الأعمال التى تعصف بالأخلاق والعادات والتقاليد والأعراف، وقد تسقط المجتمع جميعه فى بئر من الانحلال والانهيار الأخلاقى وفساد الذوق العام” (!!)، وكأن الفتاة أقامت بيتا للدعارة أو سارت عارية فى الشارع لتدعو إلى الفسق والفجور.

والعجيب والغريب أن الحيثيات، مع اعترافها بأن الإبداع من الحقوق التى كفلها الدستور، ربطت بينه وبين المادة الثانية من الدستور التى تذكر أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع، ومن ثم فإن الإبداع لابد أن يكون مقيّدا بما أوجبته تلك الشريعة من عدم إثارة الفتن وحسن تربية النشء (!!)، ولا أعرف ما علاقة هذا بذاك؟

قالت الحيثيات إن مقدمة الفيلم محل الدعوى احتوت على عبارات وألفاظ خادشة للحياء، ولا أعرف – شخصيا – ما المعايير الموحدة لخدش الحياء؟ وأطالب الجهات المختصة بتحديدها لتعميمها فى ربوع مصر، كما أسألها: هل هذه الألفاظ مختلفة عما نسمعه ليل نهار فى الشارع؟

وأضافت أنه بسؤال المتهمة قالت إنها حصلت على الموافقات الرقابية اللازمة، وبانتداب خبراء الرقابة على المصنفات لفحص الأسطوانة المقدمة انتهوا إلى أن المقدمة الواردة فى الأسطوانة المدمجة مخالفة لما تمت الموافقة عليه من الرقابة، وتشتمل على عبارات مخالفة لقانون الرقابة.. والسؤال: إذا سلك أى منتج الطرق القانونية، وحصل على ترخيص بالعرض، وعرض الفيلم بالفعل، وحصل على إيرادات من جمهور أقبل على العمل ولم يجد فيه ما يشين، ما ذنبه إذا لم تكن الرقابة قد قامت بعملها ولم تتأكد أن ما تم عرضه مطابق لما تمت الموافقة عليه؟

اللافت أنه بعد ثلاثة أيام فقط من صدور الحكم، أى فى 14 يناير الجاري، فاجأتنا هيئة العلماء ببيانها الذى يبدو مدافعا عن الأزهر فى وجه تحميله مسئولية ظاهرة العنف، لكنه فى الحقيقة يحرِّض – بصورة غير مسبوقة – ضد هيئات وجهات ثقافية بعينها دون أى مبرر أو داع.. فهو يهاجم بعض الفضائيات، لا لأنها قدمت ما يمس الكتاب والسنة، ولكن لأنها انتقدت كتب التراث الإسلامى التى يستمد إرهابيو “داعش” فتاواهم من بعضها، ويلعن بعض المجلات الثقافية لمجرد أنها ناقشت المذهب الأشعرى ودعت الأزهر لتفكيكه.

ومثل الأيام الخوالى، حين كانت الشيوعية اتهاما جاهزا لإرسال المغضوب عليهم وراء الشمس، يحرِّض البيان ضد من وصفهم بـ”المتمركسين”، أى أنصار ماركس، لأنهم دعوا إلى إعمال العقل وفتح الأبواب أمام المادية الجدلية والتاريخية والبنيوية والتفكيكية والحداثة!!

وبعيدا عن التفاصيل، من الواضح تماما أن المخطط أكبر من مجرد قضايا تستهدف الفنانين أو اتهامات جزافية للمثقفين، وأنه يستهدف الوطن نفسه، ويصر على عدم التنازل عن إرث العهود البائدة الخاص بتقويض حريات الرأى والتعبير والإبداع، والخروج عن السياق الوطنى العام، والاعتداء على حريات كفلتها للإنسان كل الشرائع السماوية والدساتير الإنسانية.

 

نقلا عن العدد الورقي 812 بتاريخ 26 يناير 2016