بقلم:دينا قابيل   وسط زخم الكتب التى تناولت ثورة 25 يناير، لم يلتفت الكثيرون لرواية نوال التى تتميز وتختلف عن المنتج السائد من كتب فكرية أو قراءات وشهادات ترصد وتؤرخ

ياسر شحاته

بقلم:دينا قابيل

 

وسط زخم الكتب التى تناولت ثورة 25 يناير، لم يلتفت الكثيرون لرواية نوال التى تتميز وتختلف عن المنتج السائد من كتب فكرية أو قراءات وشهادات ترصد وتؤرخ للحدث الجلل، فى كونها «رواية» تنسج عالما متكاملا يشتبك فيه الخيال ويتضافر مع أحداث الثورة ومساراتها. أما لماذا هذه الغفلة أو هذا الاغفال للرواية فى الأوساط الأدبية والإعلامية، رغم صدورها فى مطلع 2015، فيرجع لأسباب عديدة تصب كلها فى مناوئة الثورة والثوار وتجنب ذكرها أو استعادة وقائعها، كما لو كان هناك شعار خفى فى دنيا النقد يتحسر فى صمت على انضواء شعلة الثورة، ويردد ولا حول له ولا قوة له: «وما أدراك ما 2011»، على غرار «وما أدراك ما الستينات» الشهيرة. ويُضاف إلى هذا الاغفال «شعرة» من الغيرة، وربما مجرد الغبطة، من هذا الكاتب، ياسر شحاتة، الذى أتى من عالم الفن التشكيلى ليوقع روايته الثانية بجرأة وتصميم. وصفها الروائى صنع الله إبراهيم بأنها «رواية عظيمة لأنها مصرية جدا، فقد وصفت الوضع بدقة على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع ككل. وهى وثيقة تاريخية تكاد تكون الوحيدة من نوعها عن أخطر فترة فى تاريخ البلاد».

أما ياسر شحاتة الذى أراد أن يسجل معايشته للثورة فى قالب أدبي، فهو فنان تشكيلى تخرج فى الفنون الجميلة فى 1984، وحصل على دكتوراة فى تاريخ الفن من جامعة برلين، وصدرت له رواية هامبورج (ميريت 2007) والجزء الأول من موسوعة «إعادة قراءة التاريخ (الهيئة المصرية العامة للكتاب 2014) ويعكف حاليا على انهاء الجزء الثاني. قضى ياسر شحاتة 30 عاما خارج مصر ما بين فرنسا وألمانيا تنوع فيها نشاطه ما بين إقامة المعارض وتعليم الفن فى أكاديمية أنشأها فى هامبورج وما بين الانخراط فى العمل العام لمناصرة قضايا الحرية فى العالم العربى حتى إذا ما بدت تباشير الثورة فى 2008، كان من أوائل من انضموا لحركة كفاية فى منفاه الاختيارى حتى اتخذ قرار العودة إلى مصر وخوض سنوات التغيير والمخاض العنيد.

يكشف الكاتب، فى حفل توقيع أقامه له ناشره مؤخرا فى دار الثقافة الجديدة، أن العنوان الأول للرواية كان 25 يناير قبل أن يغيره إلى «نوال»، إذ تتبدى لنا نوال بالفعل ومن خلال رمزية الشخصية فى الرواية مرادفا لصيقا للثورة. ويفسر الفنان الكاتب كيف تماهت علاقة التشكيل بالأدب أثناء الكتابة حيث تحدد الشخصيات مصائرها وتطور من نفسها مثل اللوحة التى تولد فعليا على الورق. «لا تخرج الرواية عن التفاعل الفطرى مع العمل الفني، أذكر الفنان تيتيان الذى كان يشرع فى رسم العذراء والطفل فتتحول إلى امرأة عارية وغيره كثيرين. الرواية تبدت لى مثل طفل يخوض العالم وعلى الكاتب أن يتركه ليطور نفسه من تلقاء نفسه» كما يقول الفنان.

نوال هى رحلة ياسين شهاب فى البحث عن الحب ورحلة إعادة اكتشافه لعلاقته بالوطن، وهى رحلة نوال أيضا التى تتطور بعفويتها منذ 1993 حين تلتحق بكلية الآداب بالقاهرة وتعيش مع خالتها بعيدا عن صرامة الأب، وتعرفها على حبها الأول شريف فى كورال الجامعة، ثم تطور فطريتها الثورية حين تلتحم بثورة 25 يناير، هى التى «لم تشارك يوما فى أى مظاهرة»، وتصديها مع زملائها للعنف الأمنى فى أول أيام الثورة، وازدهار وعيها السياسى على طول خط الرواية التى تنتهى مع فترة انقضاء حكم الاخوان وتولى رئيس المحكمة الدستورية رئاسة البلاد بشكل مؤقت.

هى شخصية بسيطة، تشبه العديد من فتيات الطبقة الوسطى اللاتى يخضعن للسلطة البطريركية وتسلط الأب، والتى تؤدى بهن فى أحيان كثيرة للتخبط واتخاذ قرارات مصيرية عرجاء لا لشيء الا من أجل التحرر من هذه السلطة الضاغطة والمعرقلة لأى تطور. فى ايجاز مخل تتلخص الرواية فى قصة حب تنشأ بين نوال المحررة فى مجلة فنية وبين ياسين شهاب العائد من المانيا الى الإسكندرية مع مجموعة من طلبة اكاديمية الفنون التى يشرف عليها فى المانيا ليقيم ورشة فى شونة العجمي، وتنمو العلاقة بينهما تدريجيا ويتواصلان عبر شبكات التواصل حتى بعد عودته إلى المانيا، وتحصل على الطلاق من زوجها مقاول البيت الذى رضيت بالزواج به هروبا من تسلط الأب. ونعرف أن لنوال قصة حب سرية تحتفظ بصورة حبيبها شريف تحسين فى حافظة نقودها بعد أن هجرها وسافر الى الخليج وتزوج بقريبة له. وحين تتزوج نوال ممن أحبته، ياسين، تطاردها علاقتها بحبها الأول وتعترف بها لزوجها طلبا فى التطهر وأملا فى أن تشفع لها عند زوجها خلفيته الأوروبية المتحررة، لكنه يكشف عن بداوة وتسلط لا تقل عن غيره من رجال المجتمعات الشرقية التقليدية فيعرض عنها ويطلقها، مثله مثل العديدين من هؤلاء الذين يغتربون عن الوطن وعودوا محملين برؤاهم النقدية وأفكارهم التحررية ولكنهم يظلوا رجعيين من الداخل، عصيين على أى تغيير.

وإذا كنا ننعت «نوال» بأنها رواية الثورة بامتياز فيرجع ذلك أولا إلى الموازاة اللصيقة بين مسار الشخصية ومسار الثورة، إذ يمكننا أن نمد خطوط التماثل بين العالمين إلى ما لا نهاية، من حيث تعثر قصة الحب مع تعثر الثورة، ومن حيث النقاء الفطرى فى تطرفه فى الحالتين، وتركيبة نوال ثمرة المجتمع الذكورى التى تمثل أيضا نموذجا فى مجتمع تسيطر عليه القبلية والبطريركية وتقديس القيادة الحاكمة. يوازى الكاتب اذن بين تحرر ابطاله وتحرير المجتمع ككل من السلطة الأبوية وهيمنة صورة الفرد، اذ يأتى على لسان ياسين أن «الأجهزة الأمنية تظل تتجاهل القانون والدستور، ولا تعرف غير طاعة أوامر الرئيس، متصورة أن مصلحة الوطن العليا هى بالطبع مصلحة الرئيس، وان هذا يشكل التحدى الحقيقى للقوى الطامحة للتغيير، فالمجتمع الأبوى لا يرى المجردات مثل القانون أو الدستور أو استقلال القضاء أو حرية الصحافة، ولكنه يرى فقط مقعد الرئيس الذى يسبغ الحصانة على كل من يجلس عليه». أخفق ياسين فى الوصول إلى حبه لأنه لم يتطور وظل حبيس الصور النمطية التى يمثلها، وأخفقت نوال فى محطات حياتها المختلفة بسبب فطرتها وانغلاقها داخل المجتمع الأبوي، لكنها حينما انخرط فى صفوف الملايين تصل إلى حريتها، تتحرر من أغلال الماضى وتتفتح على حب جديد نما فى اعتصام التحرير.

وفضلا عن هذا التماهى بين تحرر الشخصيات وبين تحرر المجتمع لانتزاع حقه فى الديمقراطية، تؤرخ الرواية للأيام الأولى للثورة بصورة ناصعة وشديدة الحيوية تؤكد من جديد أن «نوال» هى رواية الثورة لامتياز. حيث يصف الراوى من موقع «واحد مننا»، أحد الذين عانقوا الثورة على أرصفة ميدان التحرير خلال الثمانية عشر يوم، وعايش تطورات قضية خالد سعيد، والاشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، والغاز المسيل للدموع، والطرف الثالث والمستشفى الميداني. وحين حل 30 يونيو كان يرى أن صعود الاخوان للسلطة «سيكون الكشف الحقيقى لجنونهم وعجزهم عن التفكير»، لكنه فى الوقت نفسه تخلص من رؤاه المثالية حين شاهد اعتراف المجلس العسكرى بقيامه بكشوف العذرية لشبكة السى ان ان الامريكية.

يسجل ياسر شحاتة فى روايته ومن خلال تأريخه الدقيق لأحداث الثورة مواقف الكثيرين من وجوه المعارضة الشعبية ممن سارعوا بتغيير المعاطف ولم تكمل الثورة عامها الخامس بعد. أما عن غد الثورة، فيجيب صاحب موسوعة «إعادة قراءة التاريخ»: «نحن نعود مرة أخرى لبراثن المجتمع الأبوي. فالسلطة لا تزال تستخدم أساليب أجهزة القمع القديمة فى مواجهة شعب جديد».

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 812 بتاريخ 26 يناير 2016