بقلم: محمد صالح   إننا فى البحث عن إجابات لأسئلة العالم والوجود لا نفعل سوى أن نعيد صياغة الأسئلة.. أو نمزج بعض الأسئلة مع بعضها البعض لنكون أسئلة أعمق وأشمل

الموسيقي الروسي الشهير يفغيني كيسين

بقلم: محمد صالح

 

إننا فى البحث عن إجابات لأسئلة العالم والوجود لا نفعل سوى أن نعيد صياغة الأسئلة.. أو نمزج بعض الأسئلة مع بعضها البعض لنكون أسئلة أعمق وأشمل تمثّل الأسئلة الحقيقية التى عجزت البشرية وما زالت تعجز عن الإجابة عنها.

١

تؤرقنا قدرة الزعيم الملهم الرائع العظيم على اتخاذ قرارات مصيرية تتسبب فى مقتل عشرات، أو مئات، وربما ملايين البشر من أجل أهداف أسمى وأكبر وأبعد، ومن أجل مصلحة مجموعة أوسع وأشمل من تلك «القرابين» التى تتم التضحية بها. تعج الثقافات والحضارات على اختلافها بأساطير قديمة عن اضطرار الإنسان لاقتراف الشر من أجل الخير، دفاعا عن الطيبين/ الصالحين/ الأبرار/ المؤمنين/ الشرفاء، ولذلك الغرض يحاول الإنسان فرض معايير محددة لتصنيف البشر إلى من هم معنا (طيبون) ومن هم ضدنا (أشرار)، لتبرير فعل القتل أمام جمهور عريض، إذ يتعيّن على الزعيم أو النخبة خلق نظرية ما.. رواية ما.. سرد ما للقضايا بحيث يصبح فعل القتل أمرا حتميا يستحيل دونه انتصار الخير على الشر. كذلك هناك درجة من البساطة الشعبوية المسطحة بغرض الدعاية والاستهلاك الإعلامى بالتوازى مع تعقيدات الحفاظ على استقرار السلطة الهرمية وشبكات المصالح أمام التحديات الداخلية والخارجية.

٢

فى إبريل ١٨٦٥، أتمت شركة سامودا الإنجليزية لبناء السفن فى لندن بناء يخت «محروسة» ليبحر اليخت للمرة الأولى فى شهر أغسطس ١٨٦٥ إلى الآستانة حيث كان فى انتظاره الخديو إسماعيل واستقله إلى الإسكندرية، ثم كان «محروسة» فى مقدمة السفن عند افتتاح قناة السويس سنة ١٨٦٩. وتمت زيادة طول اليخت مرتين فى عام ١٨٧٢ حيث زاد طوله اثنى عشر مترًا، وفى عام ١٩٠٥ حيث زاد طوله خمسة أمتار، ثم أعيد تجهيز اليخت عام ١٩٥٠ ليصبح حتى اليوم من أكبر عشرة يخوت على مستوى العالم. إنه اليخت الذى أقلّ الخديو إسماعيل عام ١٨٧٩ إلى منفاه بإيطاليا بعد عزله عن حكم مصر، وتولى ابنه توفيق باشا الحكم، ثم نقل عام ١٩١٤ الخديو عباس حلمى الثانى إلى تركيا حيث مُنع من العودة بأوامر سلطات الاحتلال الإنجليزي، ثم عاد «محروسة» فنقل الملك فاروق فى ٢٦ يوليو ١٩٥٢ للإقامة فى إيطاليا.

٣

فى الخمسينات من عمره وقف ميخائيل بتروفيتش أورلوف وسط لقاء مصرى روسى للتجارة والصناعة العام الماضى حيث يشغل أورلوف منصب رئيس مجلس الأعمال الروسى المصري، يتحدث الروسية ببعض لكنة أوروبية لأنه يعيش فى روسيا منذ عشرين عاما فقط، قبل ذلك كان ممنوعا عليه دخول الأراضى الروسية لكونه نبيلا ينتمى إلى عائلة أورلوف المرتبطة بالبلاط الملكى الروسي، بعد إزالة ذلك الحظر تمكن من الدخول إلى وطنه روسيا، ويعيش هناك فى العاصمة موسكو. ميخائيل بتروفيتش أورلوف ابن الأميرة فادية فاروق (١٩٤٣-٢٠٠٢) حفيد الملك فاروق وبطبيعة الحال لم يكن مرحبا به فى وطنه الثانى مصر. دارت أحداث اللقاء المصرى الروسى فى قصر الجزيرة (فندق ماريوت حاليا) الذى بناه أحد أجداد ميخائيل بتروفيتش الخديو اسماعيل سنة ١٨٦٩ ليكون مقرا رسميا لضيوف احتفالات افتتاح قناة السويس. فى معبر حديثه تحدث ميخائيل بتروفيتش عما وصلت إليه منطقة وسط البلد فى القاهرة.. أشباح قبيحة لما كانت عليه المملكة المصرية قبل ستين عاما، نطق كلمة «المملكة المصرية» بحسرة وحنين وحب دفين.

٤

حينما خرج جينيا كيسين (جينيا تدليل للاسم الروسى يفجيني) إلى خشبة المسرح للمرة الأولى كان مثل من يلتقى للمرة الأولى بالعش الذى سيصبح له فى المستقبل مستقرا ومقاما، إنه المكان الذى يعبّر فيه عن نفسه، وعن رؤيته لهذا العالم، خرج إلى خشبة المسرح فلم يكن هناك أحد سواه، لم ينتبه للجمهور، ولم يلاحظ الأضواء المسلطة عليه، فقط تلك الأصابع البيضاء والسوداء لآلة البيانو التى يتدثر بها ليل نهار، فقط ذلك الصندوق الأسود الحميم الذى يدفن فيه أسراره ويخرجها بين الحين والآخر فتتحول مع كل لحظة إلى أسرار جديدة، وألوان جديدة، وأصوات جديدة.. سرت أنباء الحفل الأول سريان النار فى الهشيم، وأصبح من الواضح أن يفجينى كيسين ليس مجرد طفل عادى موهوب، بل عبقرى بكل ما تحمله الكلمة من معنى يحمل على كتفيه أسرار عوالم أخرى تتواصل معنا من خلاله.

عرفته روسيا باسم «جينيا» كيسين تدليلا لصغر سنه، وذاع صيته بعد حفله الأول مع الأوركسترا طفلا فى سن الثانية عشرة، ثم حفله القنبلة عام ١٩٨٤ وقد بلغ من العمر ثلاثة عشر عاما فقط! كان برنامج الحفل فى الثانية عشرة مناسبا لسنه الصغيرة: كونشيرتو موتسارت كوشيل ٤٦٦ للبيانو والأوركسترا، وموتسارت بطبيعة الحال مؤلف قد يليق بالأطفال فى هذه السن، كما أنه لا توجد مصاعب تكنيكية عويصة فى عزف موتسارت، أما برنامج حفل ١٩٨٤ فقد ضم عملى كونشيرتو شوبان الأول والثاني، وهما عملان يحتاجان إلى نضوج فني، وخبرة فى الأداء، وفوق هذا وذاك خبرة حياتية. أذكر أننى استمعت لذلك التسجيل عشرات المرات، ولم أتمكن من التوصل للسر الذى يقف وراء ذلك النضوج الفنى لهذا الفتى المراهق فى الثالثة عشرة من عمره. هل يكمن السر فى السجن الفنى الذى عاشه كيسين بين والدته ومدرسته فلم يخرج من ذلك السجن قط؟ ربما! لكن المدرسة والأم لن تتمكنا من تلقينه كل جملة فى الكونشيرتو حتى تصبح جملته هو، فما سمعناه فى التسجيل آنذاك كان صوته هو، صوت طفل فى الثالثة عشرة من عمره يتحدث إلينا بصوت رومانسى حالم ناضج لشاب فى الثلاثين على أقل تقدير، كانت الجمل صادقة بحق، وكانت الأفكار طازجة إلى أبعد مدى، وكان العزف مبهرا بكل المقاييس، فى عام ١٩٨٥ عزف كيسين مع أوركسترا برلين الفيلهارمونى بقيادة هيربرت فون كارايان.

٥

لقد أدركت المرأتان (والدته إيميليا كيسينا، ومعلمته الوحيدة آنا كانتور) أنهما بصدد طفل غير عادي، واتخذت عائلة كيسين قرارا يعتبره كيسين حتى اللحظة أكثر القرارات صوابا وهو انتقال آنا كانتور للحياة معهم فى منزلهم الصغير للغاية، كانت كانتور مثل الساحرة الطيبة التى جاءت لتفسر لجينيا كيسين تلك الأصوات التى يستمع إليها بداخله، جاءت لتفسر له علاقته الشخصية بالموسيقى، وعلاقة الموسيقى بالعالم، كانت آنا كانتور (وما زالت حتى وقت كتابة هذه السطور) هى همزة الوصل بين كيسين والعالم. وحيدة فى هذا العالم هى الأخرى، وغير متحققة فى العزف بدرجة كبيرة، لم يدخل كيسين أيا من المسابقات الدولية، لأنه ببساطة كيسين.. كيسين وكفى! أخذت آنا كانتور بيد الصغير جينيا إلى عالم مسحور لم يستطع الفكاك منه قط. فى مدرسة الأطفال المتفوقين التابعة لمعهد جنيسين فى موسكو سمحت إدارة المدرسة له بجدول حر للحضور بسبب اعتلال صحته، لم تكن حياة سيئة بالنسبة لطفل وجد ممرا سهلا إلى العالم من خلال لغة كونية للتعبير عن الذات: الموسيقى.. صندوق سحرى ذو أصابع بيضاء وأخرى سوداء.. البيانو

٦

«من اللواء أركان الحرب محمد نجيب القائد العام للقوات المسلحة إلى الشعب المصري

اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم. وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش وتسبب المرتشون والمغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين.

وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها.

وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا فى داخل الجيش رجال نثق بقدرتهم وبخلقهم وبوطنيتهم ولا بد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب. أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر وسيطلق سراحهم فى الوقت المناسب. وإنى أؤكد للشعب المصرى أن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن فى ظل الدستور مجرد من أية غاية وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس فى صالح مصر وأن أى عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن فى الحال. وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاونا مع البوليس. وإنى أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولا عنهم والله ولى التوفيق».

٧

فى حوار لهيئة الإذاعة البريطانية صرّح يفجينى كيسين بأنه يفهم الآن كيف كانت والدته محقة حينما أرغمته على المذاكرة بدلا من اللعب مع الأطفال، فهو يرى الآن كيف أثر ذلك على تكوين شخصيته ورؤيته للموسيقى والعالم، وفى إحدى بروفات كيسين مع أحد الأوركسترات العالمية كان مكتئبا ويكاد يشرع فى البكاء وكان آنذاك شابا يافعا، لأن والدته لم تسمح له صباح ذلك اليوم بغسل شعره قبل الخروج. يعيش كيسين حتى يومنا هذا بعد تخطيه سن الأربعين مع والدته إيميليا كيسينا، ومعلمته الوحيدة آنا كانتور فى العاصمة البريطانية لندن عقب حصوله على الجنسية الإنجليزية عام ٢٠٠٢.

لاشك أن يفجينى كيسين هو ظاهرة مدهشة بكل المقاييس، سيذكر الجميع لحظات لامعة لحفلاته أينما كانت، وسوف يذكر التاريخ تسجيلات لا حصر لها وقدرة عظيمة على النفاذ إلى عمق النص الموسيقي، إلا أن ثمن ذلك كان حياته هو شخصيا، فنحن أمام شخصية لا تجد سلواها سوى فى الموسيقى، وتتعامل مع العالم من خلال الصندوق الأسود فقط، لتخرج طاقة الحياة بكاملها من خلال الموسيقى والموسيقى وحدها.

٨

بعد رحيل عبدالناصر فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠، احترقت الأوبرا المصرية فى ليلة رمضانية من عام ١٩٧١، وأنشأ النظام الساداتى جراجا قبيحا متعدد الطوابق مكانها، لتبدأ مرحلة جديدة من هدم الدولة المصرية، وخصخصة القطاع العام، والارتماء فى أحضان البيزنس الأمريكي، والتصالح مع إسرائيل ببخس الثمن، والإفراج عن الإخوان المسلمين بغرض التخلص من الشيوعيين، ونشر الوهابية وتجنيد الشباب فى «الجهاد ضد الإلحاد» واستقبال مجاهدى أفغانستان فى وضح النهار. تكونت فى تلك المرحلة طبقة جديدة من أصحاب الأعمال، وطبقة جديدة من الضباط، وطبقة جديدة من رجال الدين وتشابكت علاقات المال والمصاهرة بين رأس المال والدين والسلطة، مثلث شيطانى تربع على عرش مصر، عبر من خلال «الحركة المباركة» دون أن يكون نتيجة مباشرة لها، لكنه الطريق إلى جهنم المفروش بالنوايا الحسنة.

٩

يكنّ المواطن الروسى ميخائيل بيتروفيتش أورلوف حنينا لمصر، المملكة التى كان جده ذو الأصول الألبانية يتربع على عرشها، لكن أورلوف فى النهاية ينتمى إلى ثقافة أخرى أجنبية تماما كتلك الثقافة التى حاول جده إسماعيل نقلها من أوروبا إلى مصر، بإنشاء يخت، وأوبرا، وقصور ومبان على الطراز الأوروبي، قشور لا تنفذ إلى عمق الشخصية المصرية، لكنها بلاشك أثّرت وما زالت تؤثر فى الهوية المصرية بدرجة أو بأخرى، على الجانب الآخر فإن عبدالناصر ابن الأرض المصرية الذى حاول إعادة الأمور إلى نصابها، والأرض لأصحابها، وزرع الكرامة فى ابن البلد عجز عن استكمال خطته بسبب خليفته من الضباط الأحرار أيضا الذى لم يشاركه الرؤية.

إن مصر التى نعرفها اليوم، بكل ما فيها من محاسن أو مساوئ هى نتاج ذلك كله، نتاج كل تلك الخطايا معا، وكل قادم جديد يحاول محو القديم من التاريخ دون أن يتمكن من البناء عليه فنعيش الحياة بأثر رجعى نترحم على «يوم من أيام مبارك/ السادات/ عبد الناصر/ الملك»..

١٠

فى حفل بقيادة كلاوديو أبادو عام ١٩٩٣ استمعت إلى الطفل المعجزة يفجينى كيسين، وكان آنذاك فى الثلاثينيات من العمر، لا أذكر عزفا أجمل ولا أكثر تركيزا من عزفه.. كنت وقتها متأكدا تماما من صحة موقف الأم والمعلمة اللتين جعلتا من الطفل المعجزة عبقريا بكل المقاييس. تماما كما كنت متيقنا من أن قسوة مخابرات عبد الناصر كانت أمرا ضروريا لنجاح «الثورة» وترسيخ دعائم الجمهورية. لكننى حينما أصبحت أبا، ثم حينما رأيت بأم عينى رصاصا حيا فى ميدان التحرير، وجثثا غارقة فى الدماء لم أعد أمتلك اليقين ذاته الذى كنت أمتلكه آنذاك. تماما كما استمعت لحديث ميخائيل بيتروفيتش عن «المملكة المصرية» وما زلت أعيد التفكير مرارا وتكرارا فيما حدث ويحدث بينما يلح عليّ السؤال القدرى الشهير:

هل الغاية تبرر الوسيلة؟