بقلم:هيثم أبوزيد   أرأيتم إلى شدوها كيف يهز القلوب؟ أرأيتم إلى صوتها كيف يحرك الوجدان؟ أسمعتم كيف تنطق باللفظ منيرا مشرقا؟ أو كيف يصدر عنها الحرف مشبعا فخما له بريق؟

أم كلثوم

بقلم:هيثم أبوزيد

 

أرأيتم إلى شدوها كيف يهز القلوب؟ أرأيتم إلى صوتها كيف يحرك الوجدان؟ أسمعتم كيف تنطق باللفظ منيرا مشرقا؟ أو كيف يصدر عنها الحرف مشبعا فخما له بريق؟ ومن أين لها هذه السطوة والسيطرة على الجماهير؟.. ولم تربعت على عرش الطرب خمسين عاما؟، وكيف ظلت فى مكانتها إلى يومنا هذا رغم مرور أكثر من أربعة عقود على رحيلها؟.. إذ إن أعظم المطربين والمطربات لا يطاولون ذيل ثوبها، ولا يحلمون بغير البقاء عند مواطئ أقدامها، وهم جميعا يتنافسون فى ساحة عند سفح جبل استراحت هى على قمته.

لا مبالغة، لكنها الحقيقة، يدركها من سيلقى السمع وهو شهيد، ومن سيبحث عن التراث الكامل لسيدة الطرب، ومن يعلم أن استماع أم كلثوم علم قائم بذاته، ومن سيكتشف أن التسجيلات المتلفزة التى تبثها الفضائيات لا تمثل واحدا على الألف من الحقيقة الكلثومية الكبرى.

أول الطريق إلى إدراك الحقيقة الكلثومية أن تستمع لسيدة الغناء ابتغاء الطرب، وأن تجعل من “السلطنة” هدفا، وأن تستفيق إلى حقيقة بديهية، وهى أن “المطرب” وظيفته أن يطرب، وأنه ما لم يطرب، لا يستحق وصف “مطرب”، وأن الاستمتاع بجماليات الغناء، والبراعة الفائقة فى أداء اللحن، والإضافات الحلوة، والتصرفات الباهرة، والارتجالات الخطيرة، تحتاج إلى استماع يقظ، واع، منتبه، بل قد تحتاج إلى من يأخذ بيدك إليها، ومن يرشدك إلى طريقها.

يمثل صوت أم كلثوم حالة من الكمال لا تعرف نظيرا بين الأصوات النسائية العربية، فلدى أى مطربة غيرها مساحة نقص، يتفاوت مقدارها من صوت إلى آخر.. وإذا تأملنا ما وصلنا من تسجيلات لحقبتها الذهبية، وفترة نضوج صوتها من أواخر العشرينات حتى نهاية الخمسينات، فإننا لا نجد أبدا قفلة ضعيفة، أو ارتجالا مرتعشا، كما لن نجد فى تراثها كله ما يعرف باستعارة الجواب.

“وأنا اللى أخصلت فى ودي، وفضلت طول العمر أمين، ياخد الزمان منى ويدي، وقلبك أنت عليا ضنين” مقطع من منولوج “غلبت أصالح” كتبه رامي، ولحنه السنباطي، لكن أم كلثوم فى أدائها للفظة “ضنين” صنعت ما لا يقدر عليه بشر، ولا يستطيعه بين العالمين إنسان، فقد أرادت أن تصل آخر العبارة بأولها، فأمسكت بلفظة “ضنين” ومدت ياءها مدا طويلا تهز فيه أوتارها كأنها آلة موسيقية لا حنجرة بشرية، مع تصاعد نغمى ينتهى بالتقاء نون “بضنين” مع “وأنا اللي” .. لينفجر الجمهور مقاطعا بالتصفيق الحاد وصيحات الاستحسان المتعجب لهذا السحر الحلال.

“وعيشنا طيف خيال، فنل حظك منه قبل فوت الشباب”، مقطع من “رباعيات الخيام”، قررت فيه زعيمة الغناء أن تشرح بصوتها معنى لفظة “طيف”، فبعدما كان صوتها عريضا جبارا، إذا به يرق ويشف مع لفظة “طيف” كأنها تأتى المستمعين من عالم آخر، خارج حدود الإدراك المادي، ليضج الجمهور مقاطعا بصرخات الإعجاب والتصفيق، لأداء معجز، وغناء لا يمكن أن يؤديه أحد.

“ولما القاك قريب مني، وأقول البعد تاه عني، أشوف عينك تراعيني، وقلبى من لقاك فرحان”، مقطع من “دليلى احتار”، التى وصلنا منها نحو خمسة وعشرين تسجيلا، تذهب أم كلثوم بعقول جمهورها وهى تؤدى كلمة “فرحان” أداء يصور الفرحة والبهجة والسعادة، فتخرج ألف المد كأنها ضحكة يطلقها مفتون غمرته نشوة لقاء الحبيب، وهذا الاهتزاز الضاحك السريع، هو من الصعوبة والجمال، بما يصل إلى حد التحدى للمطربين والمطربات إلى يوم يبعثون.

“محمد صفوة البارى ورحمته، وبغية الله من خلق ومن نسم» بيت من قصيدة نهج البردة، لم يكن يجرؤ السنباطى أن يلحنه كما لحنه، إلا وهو مطمئن إلى القوة الهائلة لصوت من ستؤديه، فقد ارتفع نغميا بألف لفظ الجلالة إلى ما فوق السحاب، مع مد طويل جدا، فكان أداء أم كلثوم له أشبه بنفخ الصور، لم تكتف فيه بالوصول إلى جواب علوى صعب، بكنها استخدمت سرعة ذبذبات صوتها لتزخرف المد فى هذه المنطقة الصعبة فحولت اللحن من “صعب” إلى مستحيل، وكان وقعه على المستمعين هائلا.

وعلى ذكر نهج البردة، فقد أدت شادية العرب، بيت شوقى فى نفس القصيدة، “حتى بلغت سماء لا يطار لها، على جناح ولا يسعى على قدم، وأسعدت الجمهور بقفلتها الفخمة المحكمة، لكن كل كلثومى فى العالم، لا ينسى ارتجال كوكب الغناء لهذا البيت فى حفل دمشق عام 1955، حين مكثت نحو ربع ساعة تصول وتجول مع البيت، وتقدم للعرب واحدا من أهم دروس فن الارتجال فى تاريخنا الغنائى كله.

لدى أم كلثوم قدرة فائقة على التفنن بصوتها فى كل طبقاته، تعرضه فى طبقة القرار حتى يظن السامع أن المغنى من الرجال أو المشايخ، ثم ترق به فى نفس الطبقة حتى كأنها طفلة تهمس بالكلمات خجلا، ثم تتصاعد، حتى تصل إلى الدرجات العليا، والجوابات الحادة، فتؤديها باطمئنان وثقة، ثم لا تكتفي، ولا تقنع، فتزخرف صوتها وهى فى تلك المنطقة الصعبة، فإذا الناس سكارى وما هم بسكارى.

وأم كلثوم صاحبة أطول رحلة فنية بين المطربات جميعا، فقد غنت أكثر من ستين عاما متصلة، وصحيح أن أقدم تسجيلاتها التى وصلتنا كان من عام 1924، لكنها غنت قبل ذلك عشر سنوات على الأقل، بل غنت وهى طفلة، تحيى الأفراح فى القرى مقابل الإغراء بالحلوى أو المهلبية، ثم تنتهى من غنائها وتعود نائمة على كتف أبيها.

وتجدر هنا الإشارة إلى أن ما وصلنا من تسجيلات كوكب الغناء لا يمثل خمس مسيرتها ولا عشر ما أحيت من حفلات، فلم تكن أم كلثوم تغنى مرة فى الشهر كما يظن أكثر الناس، وإنما كان محفلها الشهرى خاصا بالإذاعة، لكنها فى عقود العشرينات والثلاثينات كانت تغنى نحو خمس مرات فى الأسبوع، وبقدر أقل فى الأربعينات والخمسينات.. لقد غنت قصيدة «سلوا كؤوس الطلا» نحو مئة مرة خلال عشرين عاما، لم يصلنا منها إلا خمسة تسجيلات، ومثلها منلوج رق الحبيب التى لم يصلنا منها إلا خمسة أو ستة تسجيلات أحدها مبتور من نهايته، وغنت منلوج غلبت أصالح نحو 23 مرة فى أقل التقديرات، وصلنا منها –مع الأسف الشديد- 3 تسجلات فقط، وغنت منلوج هلت ليالى القمر نحو 15 مرة، وصلنا منها تسجيل واحد، كما غنت على المسرح عشرات الأعمال من الأدوار والطقاطيق والقصائد لم يصلنا منها أية تسجيلات.

لقد كاد تراث أم كلثوم أن يضيع، وكاد جمهورها أن يترك فريسة لرداءة التسجيلات التى لا تمثل حقيقة صوتها، ولم تقم الدولة ولا مؤسساتها الثقافية بأى جهد لجمع تراث السيدة، ولولا كبار الهواة فى الدولة العربية، ونشاطهم على شبكة الإنترنت وصفحات التواصل والمواقع الفنية لما سمعنا بعشرات الأعمال التى غنتها شادية العرب، ويأتى على رأس هؤلاء الهواة المخلصين الأساتذة عيسى متري، الفلسطينى المقيم بالمكسيك، والسورى عبد الحى المسدى المقيم بالقاهرة، ورائد جامعى التراث بمصر الدكتور محمد الباز، والمرحوم محمد شعبان من تونس، والدكتور صالح عبد الفتاح أستاذ الفيزياء النووية بجامعة القاهرة… وبالطبع لا ننسى الجهود التوثيقية الضخمة التى قام بها المؤرخ الكلثومى الكبير الراحل بشير عياد.

ولست أبالغ، إذا قلت إن كثيرا من محبى سيدة الغناء، لا يعرفون صوتها إلا فى مراحله المتأخرة، ومن خلال الحفلات المتلفزة التى تبثها بعض القنوات الفضائية يوميا، وتكاد تنحصر فى عشرين أغنية من طبقة أنت عمري، سيرة الحب، فكروني ويا مسهرني، مما شكل حجابا بين الأجيال الجديدة وبين التراث الكلثومى فى مراحله الذهبية، متمثلة فى توقدات القصبجي، وروائع زكريا، وشواهق السنباطي.. وتبقى أم كلثوم، صوتا خالدا، وأداءً فريدا، ومثلا للكمال الفنى.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016