بقلم:على مبروك   تكاد الحرية لا تنفك عن العقل، بل إنه يبدو أن تاريخها هو تاريخ العقل وهو يقلص مملكة الضرورة التى يجد الإنسان نفسه واقعا فى قبضتها على مستوى

كانط

بقلم:على مبروك

 

تكاد الحرية لا تنفك عن العقل، بل إنه يبدو أن تاريخها هو تاريخ العقل وهو يقلص مملكة الضرورة التى يجد الإنسان نفسه واقعا فى قبضتها على مستوى الطبيعة والمجتمع والتاريخ؛ بل حتى النفس. ويترتب على ذلك ضرورة أن يكون بناء عالم “العقل” حاكما لبناء مملكة “الحرية”. وتبعا لذلك، فإنه إذا كان العقل بناء يتطور عبر التاريخ، فإن ذلك يعنى أن الحرية لن تكون جوهرا يمكن للبشر أن يُمسكوا به مكتملا وجاهزا فى اللحظة التى يقررون فيها ذلك. بل إنها تكون مشروعا مفتوحا تصنعه الجماعات البشرية المختلفة فى قلب تجاربها التاريخية المتباينة، وليست نموذجا مثاليا أو وصفة جاهزة تقبل التعميم على كل الجماعات بصرف النظر عن مستويات تطورها العقلى والتاريخي. وإذ يبدو- تبعا لذلك- أن ممارسة الحرية تنضبط- أو حتى تتحدد- بمستوى التطور العقلى للجماعة، فإن ذلك يحيل إلى جوهرية إنجاز التنوير العقلى كشرطٍ لازم لهذه الممارسة فى مجالى الاجتماع والسياسة مثلا.

وضمن هذا السياق، فإن تعريف الحرية لا يعنى أن يفعل الفرد ما يشاء فى اللحظة التى يقرر فيها ذلك، وبمعزلٍ عن مستوى التطور العقلى للجماعة التى ينتسب إليها، بل الأمر يتعلق بما يسمح به مستوى تطور الجماعة العقلى للفرد بإتيانه من الممارسات فى لحظة بعينها فى مسار التطور العام للجماعة. ولعله يمكن القول- حسب فيلسوف التنوير الألمانى الكبير ايمانويل كانط- ان الحرية التى لا تتحدد بالعقل ومستوى تطوره، لا تكون مُفيدة للتنوير، بل إنها تكون- وللغرابة- مُعيقة له على نحوٍ شبه كامل. ومن هنا مفارقة أن ما يمارسه البعض من أدعياء التنوير فى العالم العربى يمكن أن تكون بمثابة عبءٍ كامل على قضية التنوير ذاتها. ويرتبط ذلك بحقيقة أن ما يمارسونه مما يقولون انها حريتهم قد يشتطُّ أحيانا، ولا يحدد نفسه بمستوى التطور العقلى الذى تعرفه المجتمعات العربية. ولعل قيمة كانط فى هذا السياق تتأتى من أن مستوى التطور العقلى والاجتماعى والسياسى الذى عرفته ألمانيا فى القرن الثامن عشر يتماثل إلى حدٍ كبير مع مستويات التطور الراهن فى المجتمعات العربية. ومن هنا إمكان الاستنارة بما مضى إليه فى مقالته الشهيرة: ما التنوير؟ كمدخلٍ لمقاربة الوضع الراهن فى العالم العربي.

فقد مضى، فى هذه المقالة الذائعة، إلى انه إذا كانت الحرية هى الشرط الجوهرى اللازم لفعل التنوير، فإن ثمة من هذه الحرية ما يكون مُفيدا للتنوير، وثمة منها ما يكون- وللغرابة- مُعيقا له. فإنه إذا كان التنوير لا يعنى ما هو أكثر من تجاوز حال القصور واستعمال العقل من غير جبنٍ أو كسل، فإنه يرى وجوب التمييز بين نوعين من هذا الاستعمال للعقل. فإن ثمة الاستعمال العمومى للعقل الذى يجب- على قوله- أن يكون حرا تماما، وهو وحده الذى يمكن أن يؤدى إلى تنوير الناس. وثمة من جهة أخرى الاستعمال الخصوصى للعقل الذى يمكن تقييده بصرامة دون أن يكون هذا التقييد مُعيقا للتنوير، بل لعله يفيده. ويعنى الاستعمال العمومى للعقل ذلك الاستعمال الذى يقوم به شخصٌ ما بوصفه رجل فكر أمام الجمهور العام، وأما الاستعمال الخصوصى للعقل فإنه يشير إلى ذلك الاستعمال الذى يقوم به المرء بصفته يتقلَّد منصبا أو وظيفة مدنية ما أمام جمهور بعينه.

ويضرب كانط مثالا لذلك برجل الدين الذى يكون ملزما- فى استعماله الخصوصى لعقله- بأن يعلِّم تلامذته وجماعته حسب مذهب الكنيسة التى يخدمها، لأنه قد تم تعيينه فى هذه المهمة على أساس هذا الشرط. ولكنه يتمتع فى استعماله العمومى لعقله، كرجل فكر، بكامل الحرية فى أن يفضى للجمهور الواسع بكل أفكاره المدروسة بعناية والمنبثقة عن نية حسنة حول ما هو خاطئ فى ذلك المذهب واقتراحاته الرامية إلى تدبير أفضل للنظام الدينى والكنيسي.

ولعله يمكن القول ان الإنسان فى استعماله العمومى لعقله إنما يفكر لبنى البشر على العموم، وأما حين يفكر لجماعة ما فى لحظةٍ بعينها، فإنه يستعمل عقله استعمالا خصوصيا لابد أن يكون مربوطا بجملة الشروط العقلية والتاريخية التى تعيشها تلك الجماعة. وضمن سياق هذا التمييز، فإنه قد يكون هناك قانونٌ ما يفرضه مستوى تطور الجماعة لإرساء النظام. ومع أنه قد يكون هناك قانون أفضل تعرفه جماعات أخرى تعيش فى مستوى تطور مختلف، فإن على رجل التنوير أن يقبل بالقانون الأول مع العمل على خلق الشروط التى تؤول إلى زحزحته ونقضه. وهكذا فإن من رأى كانط أن يبقى النظام الذى تم إرساؤه قائما مهما كان قاصرا من زاوية الاستعمال العمومى للعقل؛ وذلك إلى أن يبلغ الفهم درجة متقدمة تسمح بتفكيك الشروط التى تؤسس لبقاء هذا النظام.

إن ذلك يعنى استحالة التفكير فى مسألة التنوير استنادا إلى مجرد الحرية الخاصة للفرد، وبمعزلٍ عن مستوى التطور العقلى والتاريخى لجماعة بعينها، وإلا فإن هذا التفكير سيكون عبئا على قضية التنوير ذاتها.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 812 بتاريخ 26 يناير 2016