د. شاكر عبد الحميد يكتُب لـ”القاهرة” الحكى والجنون فى رواية «بياض ساخن» لـ«سهير المصادفة»     اللون الأبيض لون غير متمايز، إنه لون يرتبط بالبساطة والضوء، والشمس والهواء، والبراءة،

12226914_847510618693776_4213115457308436345_n

 

shaker20100

د. شاكر عبد الحميد يكتُب لـ”القاهرة

الحكى والجنون فى رواية «بياض ساخن» لـ«سهير المصادفة»

 

 

اللون الأبيض لون غير متمايز، إنه لون يرتبط بالبساطة والضوء، والشمس والهواء، والبراءة، والكلية والقداسة، والكمال المفارق بالسلطة الروحية، وانتصار الروح على الجسد، إنه لون يرتبط بالحياة والحب، وكذلك بالموت، الدفن حيًّا والعودة من بعد غياب، الموت لحياة قديمة، والميلاد لحياة جديدة وليس من الضرورى بالطبع أن تكون الحياة الجديدة أفضل من الحياة القديمة أو السابقة، قد يكون العكس هو الصحيح كما حدث فى هذه الرواية.

فى الكيمياء القديمة ترمز زهور الزنبق البيضاء إلى المبدأ الأنثوي، إلى الفضة والقمر والفضاء الخاص بالضوء غير القابل للانقسام إلا فى حالات المرض أو الضباب الكوني.

يشير اللون الأبيض إلى الفجر، الخيط الأبيض الذى يتبين من الخيط الأسود وترتدى العروس زيًا أبيض دلالة على اليقين والالتزام والحق والبداية الخاصة لحياة جديدة، مع ما يتوقع معها من مشاعر الفرح والتفاؤل والسعادة، كذلك يتم تكفين الناس فى أقمشة ولفائف بيضاء بعد موتهم. لفائف المومياوات بيضاء، ولفائف الأطفال الصغار حديثى الولادة تكون بيضاء، حمامة السلام بيضاء، وكذلك يكون العقل عند الميلاد أشبه “بصفحة بيضاء” كما جاء فى تعبير جون لوك الشهير عن ذلك. والأبيض والأسود ليسا لونين حقيقيين؛ فالسطح الأسود يمتص معظم، وربما كل، الضوء الذى يسقط عليه، أما الأبيض فيعكس الضوء كله الذى يسقط عليه، وتعد الألوان البيضاء والسوداء والمركب منها رأى الرمادى – ألوانًا لاكروماتية أو لا لونية أو محايدة دون وجود أية خاصية ما تتعلق بالهوية اللونية المميزة لها.

كتب الروائى الأمريكى جاك لندن رواية بعنوان “الناب الأبيض”، بطلها كلب / ذئب يروى رؤيته للبشر والحيوانات الأخرى ولدى تشايكوفسكى هناك البجعة البيضاء والبجعة السوداء، ولدى دستويفسكى رواية بعنوان “ليال بيضاء”، وقد كتب يوسف إدريس رواية معروفة بعنوان “البيضاء”، وكتب محمد عبد السلام العمرى “شمس بيضاء” أما أمل دنقل فكتب قصيدته: ضد من؟ عن الموت والغياب واللون الأبيض.

كيف يتحول الأبيض إلى ساخن؟ يتحول الأبيض إلى ساخن عندما يدخل عليه لون ساخن كالأحمر مثلا (لون الدم)، هنا يتحول النقاء إلى عكسه؛ يتحول الإنسان إلى شيطان أو إلى مجنون، كائن فقد عقله أو ذاكرته أو حياته أو وجوده وأصبح يعيش حياة أخرى؛ صحيح إنها بيضاء لكنها ساخنة أيضًا.

فى هذه الرواية “بياض ساخن” لسهير المصادفة تشير الدلالات الخاصة باللون الأبيض إلى الاختفاء والغياب والتلاشى التدريجى للذكريات والخبرات والمشاعر وتحولها إلى حالة خاصة من حالات الغياب. بيد أنه ثمة حضور ما لهذه الذكريات والخبرات فى شكل ظلال، أو أضواء ساخنة فى الوقت نفسه. هنا نوع من الحضور على الرغم من الغياب، وغياب على الرغم من الحضور، وهنا أيضًا نوع من الولع بالماضي، بالذكريات ونوع من الاستغراق فى الهواجس والمخاوف والتوجسات. هنا روح هائمة عبر الزمان والمكان، وهنا أيضًا ما يشبه امرأة ميتة تحكي، أو امرأة حية تمشي، امرأة تحكى وامرأة تمشي، امرأة تراقب الذات والآخر، والتاريخ والحياة، وتتذكر المنتحرين من المبدعين أمثال همنجواى وسعاد حسني، وكاوباتا وفرجينيا وولف وغيرهم. وهنا كذلك نوع من التخيل للموت، تنقل دائم كذلك ما بين الحضور والغياب، والإفاقة والغفو، والنظافة والقذارة، والتذكر والنسيان.

وهناك إشارات كثيرة فى الرواية عن العامل الوراثى فى جنون هذه العائلة بداية من الجدود ووصولا إلى الأحفاد، وفى الرواية أيضًا إدانة للعنف والتعذيب والإهانة للبشر فى الأقسام والسجون وغيرها.

امرأة جميلة سليلة حسب ونسب تفقد عقلها وتتجول فى الشوارع غير عابئة يغطيها السخام وطين الأرض والفحم، ثم تنزع ملابسها قطعة قطعة أمام المارة الذين يتحلقون حولها، وهى تفقد وجودها وذاكرتها بل وشخصيتها شيئًا فشيئًا.

واللون الأبيض هو أيضًا لون الورق؛ ورق الكتابة، كتابة التاريخ العام، وكتابة التاريخ الخاص، تاريخ “عبلة” وعائلة الملوانى والزواج والأولاد والثورة والتحرير والإخوان وتاريخ المكان، القاهرة القديمة، الموسكى وخان الخليلى والقلعة وغيرها، ومصر الحديثة، ميدان التحرير والهرم والثورة والإسكندرية والمنيا.

ويصبح لون الورق الأبيض ساخنًا بالكتابة، الأبيض ليس لونًا، الأبيض محايد، لكنه لا يصبح محايدًا هنا، بل إنه يصبح ساخنًا عندما نكتب؛ وذلك لأن الكتابة موقف والكتابة انحياز، والانحياز فيه طاقة وحيوية وسخونة وقوة، والأبيض لون الذاكرة عندما تختفى منها الذكريات ثم تعود إليها فتصبح ساخنة، كما حدث عبر هذه الرواية حيث تراوحت حياة عبلة/ لولا ما بين التذكر والنسيان، كما انقسمت روحها بين حالة فصامية يغيب عنها الاستبصار والوعى والاتزان، وحالة عصابية أيضًا يحدث فيها التذكر والاضطراب.

كثيرًا ما تكون قماشة الرسم بيضاء ثم يرسم الفنانون المشاهد عليها، وتكون شاشة السينما بيضاء أيضًا قبل أن تبدأ أحداث الفيلم فتصبح ساخنة. وهنا فى هذه الرواية، تصوير ورصد لمحاولات سرقة الروح وسرقة الذاكرة، وسرقة التاريخ والآثار، وتحويل ذلك كله إلى صفحة بيضاء، وهنا، فى “أبيض ساخن”، إيحاء أيضًا بأن العقل يتحول مرة أخرى إلى صفحة بيضاء “وشعرت بهذا البياض الساخن المتأجج الذى يتناسل فى مخى ويجعلنى أرى الناس والتفاصيل، وكأننى أراهم من خلف ستائر بيضاء، ستائر تفصل بين عالم لى وحدى وبين عالم يقفزون فيه قفزات لا أفهمها”.

هنا حالات إثبات لكل من الذاكرة والاسم والذات والتاريخ، ومحو لها أيضًا، فى الحياة والذاكرة وكروت البوستال وغيرها. هنا سرد ذكى لحكايات الجنون الذى يصيب الناس (الأم/ الأخت عبلة/ الراوية لولا) بسبب الرجال: (الزوج سامى أو الأخ مجدى أو الناس عامة).

هكذا نجد هنا نوعًا من التذكر فى قلب النسيان، ومحاولة لقول كل شيء قبل أن يختفي، ونوع ما من الطرق على “البياض” وهو “ساخن” .

إن عبلة لا تتحدث أبدًا عن لولا ولا تتذكرها، ولولا تتحدث دائمًا عن عبلة وتتذكرها دائمًا، ولولا تتبع عبلة وتتابعها. إن عبلة هى لولا، ولولا هو اسم التدليل لعبلة. وهكذا فإن لولا هى الجزء الأبيض الذى يختفي، وهى أيضًا الجانب الساخن منها، إنه الجانب الذى يفور ويتأجج ويتوهج عند التذكر من هذه الشخصية الثنائية الضدية المنقسمة، إن عبلة هى الجزء الأبيض الساخن الذى يختفى من لولا الباردة أو العكس، فكلاهما شخص واحد يتجلى على أنحاء شتى.

هنا حالة من حالات انفصام فى الشخصية أو انقسامها، وعبلة هى نفسها المترجمة التى تتقن عدة لغات، شخصية ثنائية منقسمة، ذات جانب منضبط وصارم وأبيض ولا نعرف شيئًا عن خصوصياته، إلا من خلال ذلك الحكى الجميل الخاص بامرأة تحكي، تحكى وهى غائبة، وتحكى وهى حاضرة، تحكى وهى تمشي، وتحكى وهى تبكي، وفى هذه الأحوال كلها هى تحكى حكايتنا العامة وذلك من خلال حكايتها الخاصة الملتبسة الفريدة أيضًا.

فى “أوراق الغرفة رقم 8” لأمل دنقل، وفى قصيدة “ضد من؟” يكون نقاب الأطباء أبيض، ولون المعاطف أبيض، وتاج الحكيمات وأردية الراهبات، والملاءات، ولون الأسرة والقطن والشاش، وقرص المنوم، وأنبوبة المصل وكوب اللبن أبيض، “وكل هذا البياض يذكرنى بالكفن”. وفى هذه الرواية هناك شخصيات تعيش فى أكفان الذات والماضى والجنون، لكنها تظل أيضًا حية تحكى وتبكى وتتذكر وتمشى بيننا، تحاول أن تؤكد وجودها فى مواجهة كل هذا العبث والضياع والغياب الذى يذكرها أيضًا بالموت والكفن.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 812 بتاريخ 26 يناير 2016

AWW