بقلم: مجدى الطيب   الأمر الذى لا شك فيه أن انفراد مهرجان الأقصر للسينما العربية والأوروبية بالعرض الأول فى مصر للفيلم الروائى القصير «السلام عليك يا مريم» (فرنسا، ألمانيا وفلسطين

السلام عليك يامريم

بقلم: مجدى الطيب

 

الأمر الذى لا شك فيه أن انفراد مهرجان الأقصر للسينما العربية والأوروبية بالعرض الأول فى مصر للفيلم الروائى القصير «السلام عليك يا مريم» (فرنسا، ألمانيا وفلسطين / 2015) إخراج باسل خليل يُحسب للادارة الجديدة، ويرفع من قيمة ومكانة الدورة الرابعة للمهرجان (30 يناير – 5 فبراير 2016)؛فالفيلم سبقته سمعته الطيبة كمرشح لأوسكار أفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية فى مسابقة 2016، بالإضافة إلى ما يقرب من عشر جوائز مهمة حصدها من مشاركته فى ما يزيد على 50 مهرجانا فى حوالى 27 دولة بدأت بعرضه العالمى الأول فى المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي، وفوزه بجائزة أفضل فيلم فى مسابقة «المُهر القصير» بالدورة الثانية عشرة لمهرجان دبى السينمائى الدولي، ومن قبلها جائزة أفضل مخرج فى مهرجان سيرفينيانو السينمائى بإيطاليا .

فى دير «راهبات الرحمة»؛حيث تعيش خمس راهبات انقطعن للصوم والصلاة فى منطقة ألغام إسرائيلية بالضفة الغربية بفلسطين المحتلة؛طعامهن الزيتون، وتسليتهن الوحدة، تدور أحداث فيلم «السلام عليك يا مريم»، الذى يبدأ بصوت مدوى يقطع الملل ثم نزف دماء من رأس السيدة العذراء، التى يتكاثر الذباب فوق وجهها، وبعدها نُدرك أن الصوت ناتج عن انحراف سيارة عن الطريق، واصطدامها بتمثال السيدة العذراء الذى كان يقف شامخا قبالة الدير، غير أن المفاجأة أن السيارة تُقل عائلة يهودية مكونة من ثلاثة مستوطنين إسرائيليين، أجبرهم الحادث على الالتجاء للدير، وفرض أنفسهم على راهباته !

يُظهر المخرج باسم خليل قدرة فائقة على الاقتراب من قضية الصراع العربى الإسرائيلى بأسلوب سلس، ومعالجة أخاذة؛ فالراهبات الخمس فوجئن بالضيوف غير المرغوب فيهم، والعبء الثقيل الملقى على كاهلهن لخدمة ثلاثة يعتنقون ديانة مختلفة ؛ فالعائلة اليهودية شديدة التزمت والتطرف، وكثيرة الإزعاج من الناحية الأخلاقية، بل ومنقسمة على نفسها، فالأم تكره «راشيل» زوجة ابنها «موشى» بينما الزوجة تغار من الأم، وفوق هذا وذاك تتسم تصرفات العائلة بعنصرية مقيتة؛ فالزوجة تلقى باللائمة على زوجها لأنه سلك «طريق العرب» فى حين يؤنبها بدوره قائلا : «لولاك ما كنا علقنا فى المكان ده مع شوية العرب دول». وعندما تنزع الراهبات الذخيرة عن السلاح الذى بحوزتهم تستاء العائلة اليهودية، وترفض «راشيل» دخول الدير، بينما يتجلى التطرف الدينى فى أبشع صوره فى امتناع الابن عن استخدام الهاتف امتثالا لقداسة يوم “ شبات Shabbat»، الذى يُحرم فيه على اليهود العمل أو استخدام التكنولوجيا، بينما نذرت كل راهبة نفسها للصمت، ورغم هذا تتحمل الراهبة الشابة «ماري» عبء الاتصال الهاتفي، الذى لا يتوقف فيه «موشى» عن مساومة الطرف الآخر أملا فى تخفيض سعر سيارة الإنقاذ، فى إشارة للبخل اليهودى الشائع !

لا يترك المخرج المشهد دون أن يتدخل برؤيته التى لا تخلو من عمق وطرافة فالعذراء جُز رأسها فى الحادث، وها هو جسدها مُمدد فى مقدمة السيارة، وكأنها مصلوبة كابنها، و«راشيل» اليهودية ترثى لحالها، وتمد حرامها لتضمد جراح العذراء، وتُعيد رأسها إلى مكانها، والراهبة الشابة «ماري» تجدها فرصة لاختراق الصمت، وتعود إلى براءتها وفطرتها، وعندما تتدخل كبيرة الراهبات لإنقاذ الموقف، وتوفر للعائلة اليهودية السيارة «الفولفو» التى كانت تملكها إحدى الراهبات، تتذكر «راشيل» عنصريتها، وترفض قائلة : «لن أركب هذه السيارة العربية لأن العساكر إذا شاهدوها سيطلقون عليها النار» وتجدها الأم فرصة لمكايدتها قائلة :«اطلبى هليكوبتر إذا» !

14 دقيقة من بساطة الأداء، وجدة الفكرة (ماذا لو اجتمع طرفان تسيطر عليهما حالة من غياب الثقة والعداء التاريخى والصدام الناتج عن اختلاف الأديان ؟)، وجاذبية المعالجة، فالخلاص من الضيف الثقيل لا يتأتى – أحيانا – بغير التعاون أملا فى طرده، وهى رؤية جديدة فى إطار الصراع مع العدو، وربما تكون سببا فى اتهام الفيلم بالتطبيع، فى حال النظر إليها بوصفها محاولة لتكريس الوضع القائم بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛خصوصا أن حوار الفيلم يدور بالعربية والعبرية، ويحمل عددا من الممثلين جوازات السفر الإسرائيلية بحكم انتمائهم إلى عرب الأرض المحتلة (الفيلم بطولة: هدى الإمام، ماريا زريق، شادى سرور، روث فرحى ومايا كورين) لكنها الكوميديا السوداء أو الجدية المُبطنة بالسخرية، التى تعكس براعة المخرج باسل خليل، الذى تولى عملية المونتاج وشارك فى كتابة السيناريو مع دانيل يانيز، ووظف موسيقى جيمى سيرافى لاستكمال جرعة السخرية، كما فى مشهد تأهيل السيارة «الفولفو»، واختتم الفيلم برسالة إنسانية نبيلة تحض على التسامح بين الأديان؛فالراهبات الفلسطينيات تعاملن بود وسماحة، حسب تعاليم دينهن ووصايا السيدة العذراء، وقدمن أروع الأمثلة فى خدمة «الغير»، وقبول «الآخر»، وكان لهذه المعاملة الطيبة أكبر الأثر فى تغيير عقلية المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين، بدليل قبولهم التحرك بسيارة تحمل فوق سقفها تمثالا للسيد المسيح، وإن علا صوت «راشيل»: «شغل هذا الكاسيت كيلا يظنونا عربا» بينما تعود الراهبات إلى الصلاة على مريم، وينذرن أنفسهن للصمت من جديد، بعد أن تحولت المأساة على يد باسل خليل إلى ملهاة، والحال نفسه فيما يتعلق بالقضايا التى ظلت جوهرية كالمصير والوجود والحدود والمستقبل، لكن الفيلم تعامل معها باعتبارها قضايا إنسانية يمكن التوصل إلى حلول ناجعة لها بالحوار والتقارب والتسامح، وقبول الآخر، ونبذ التعصب، والتخلى عن العنجهية، واحترام العقيدة . ويبدو أن مجلة “سكرين إنترناشونال” السينمائية حين اختارت باسل خليل، الذى ولد ونشأ فى مدينة الناصرة الفلسطينية، وحصل على درجة الماجستير من أكاديمية السينما فى اسكوتلندا، ضمن قائمة “أفضل 10 مخرجين عرب يمكن ترقبهم”، كانت تراهن على الاسم الصحيح .

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016