بقلم:د. هناء سليمان   بدعوة من البروفيسور سيمون ويسلى رئيس الكلية الملكية للأطباء النفسيين بلندن ألقى اللورد ديفيد أوين عضو مجلس اللوردات محاضرة عن «متلازمة الغطرسة (الصلف)». شهدت المحاضرة إقبالا

نيكسون

بقلم:د. هناء سليمان

 

بدعوة من البروفيسور سيمون ويسلى رئيس الكلية الملكية للأطباء النفسيين بلندن ألقى اللورد ديفيد أوين عضو مجلس اللوردات محاضرة عن «متلازمة الغطرسة (الصلف)». شهدت المحاضرة إقبالا واسعا من الأطباء والمعالجين والمحللين النفسيين. لورد أوين كان طبيبا يتدرب فى لندن ليتخصص فى الأمراض العصبية قبل أن يتفرغ للسياسة حينما انتخب نائبًا فى مجلس العموم عن دائرة بليموث فى ١٩٦٦ وظل نائبًا لمدة ستة وعشرين عامًا. كان وزيرًا للبحرية ثم وزيرًا للصحة وأخيرا وزيرا للخارجية فى حكومة حزب العمال فى السبعينات قبل أن يستقيل ويساهم فى تأسيس الحزب الديمقراطى الاشتراكى فى بداية الثمانينات. اشترك فى مفاوضات السلام فى يوغوسلافيا السابقة ويساهم فى مؤسسات للسلام ومنع الحروب. وهو حاليا عضو فى مجلس اللوردات كاشتراكى ديمقراطى مستقل رغم معارضته لوجود مجلس اللوردات حيث يؤمن بوجود غرفة واحدة للتمثيل النيابي.

جمع اللورد أوين بين التدريب الطبى والمجال السياسى فى دراسة لمائة من الزعماء السياسيين عبر قرن باحثا فى سجلاتهم الطبية عن أثر المرض الجسمى والنفسى على قدرتهم على اتخاذ القرار. كان جون كينيدى يخفى إصابته بمرض أديسون الذى شخص قبل ترشحه للرئاسة بسنوات، وكان يعانى آلاما بالعمود الفقارى بعد إصابته فى الحرب الكورية. وكان الأطباء يحقنونه بخليط من المواد المنشطة والهورمونات التى تؤثر على الأداء العقلي. وربما يكون ذلك قد أثر فى قراره غير الصائب بدعم إرسال معارضين كوبيين لكاسترو فى غزو فاشل، ثم فشل فى إدارة أزمة استعادتهم. فى المقابل ساعد استبدال متخصصين أكفاء بالأطباء الذين كان يفضلهم على إدارة أزمة الصواريخ فى خليج الخنازير مع الاتحاد السوفييتى على نحو متوازن وفعال. ويعتقد اللورد أوين أن الأمراض التى عاناها أنتونى إيدن أثرت فى إدارته لحرب السويس أثناء العدوان الثلاثى على مصر فى ١٩٥٦.

اشتملت الدراسة أيضًا على حالات كان للمرض النفسى دور فى اتخاذ المصابين بها للقرارات. فليندون جونسون على سبيل المثال كان يعانى الاكتئاب ثم أصيب بنوبة هوس. وقد اضطر فى النهاية إلى اعتزال السياسة وعدم الترشح للرئاسة. وكان نيكسون يعانى الاعتماد على الكحول والقلق والتوجس الذى وصل فى أحيان إلى درجة البارانويا.

وركز بحث اللورد أوين على تغيرات الشخصية التى تطرأ على القادة بعد توليهم السلطة خاصة إذا استمروا فى الحكم لفترات طويلة. واستخلص من دراسات السير الشخصية والسجلات المتاحة صفات أدرجها فى تشخيص مقترح هو «متلازمة الغطرسة». فى الفهم التقليدى لاضطراب الشخصية تبدأ الصفات المميزة فى الظهور مبكرا حول سن الثامنة عشرة. ولكن اللورد أوين يعتقد أن السلطة تحدث تغيرا فى الشخصية قد يصل إلى درجة الاضطراب الذى عرفه بالغطرسة hubris وهو تعبير مستوحى من التراجيديا الإغريقية حيث يصعد نجم الحاكم ثم تؤدى غطرسته أو تحديه للآلهة إلى الانتقام nemesis. ,ويضرب اللورد أوين أمثلة من التاريخ الحديث لزعماء صعد نجمهم وارتفعت شعبيتهم حتى أصيبوا بالغرور وانتهى الأمر إلى أفول نجمهم. وفى سيرة حياة هتلر التى كتبها إيان كيرشو كان عنوان الجزء الأول «الغطرسة» والجزء الثانى «الانتقام». وربما يفاجأ القارئ العربى فى الشرق الذى شهد تاريخيا تقديس الزعيم وحكم الفرد بأن بحثه شمل شخصيات سياسية من الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين تعدان قلعتين للديمقراطية.

ما الصفات التى يكتسبها القائد السياسى حينما يصاب بالغطرسة؟ اقترح اللورد أوين بالاشتراك مع جوناثان ديفيدسون تلك الصفات المحددة لمتلازمة الغطرسة: رؤية العالم كمكان لتمجيد الذات من خلال استعمال السلطة والنزوع إلى القيام بأفعال تهدف أساسًا إلى تحسين صورتهم، والاهتمام المفرط بتلك الصورة، وظهور حماس تبشيرى فى الخطب، والمطابقة بين الذات والشعب أو المؤسسة، والثقة المفرطة فى الذات، والاعتقاد بأن المحاسبة التى يخضعون لها لا تكون إلا لقوة أعلى كمحكمة التاريخ أو الإله، والاعتقاد الراسخ أن تلك المحكمة ستنصفهم، وفقد الاتصال بالواقع واللجوء إلى أفعال لحظية دون دراسة للعواقب تحت شعارات أخلاقية، وعدم الكفاءة فى إدراك تفاصيل صناعة السياسات. ثم أضيفت صفتان أخريان هما عدم القدرة على التعاطف مع الآخرين وإطلاق العنان للحدس أو الإلهام. ويفرد اللورد أوين لتونى بلير وجورج بوش الابن مساحة للدراسة حيث ظهرت علامات الغطرسة المذكورة بعد حادث البرجين واستمرت حتى غزو العراق، وانضم بلير إليه فى التسرع فى إعلان الحرب على العراق دون موافقة المؤسسات السياسية البريطانية أو بتلفيق أدلة على موافقة تلك المؤسسات. وقد غلب الطابع التبشيرى على خطابيهما فى تلك الأزمة.

ربما يمكننا بقدر قليل من التأمل أن نتذكر أمثلة لقادة سياسيين فى عالمنا العربى انطبقت عليهم بعض أو كل هذه الصفات التى قد تنطبق بدرجات متفاوتة أيضًا على بعض من يتقلدون مناصب سلطوية فى السياسة أو الإدارة. ولا يقتصر اهتمام لورد أوين على السياسيين ولكنه يعتقد أن خطر الغطرسة ماثل فى مجال البنوك والشركات الكبرى، وقد ضرب أمثلة فى محاضرته بالمديرين التنفيذيين لشركتى إنرون وبريتيش بتروليوم وفى الحالتين انتهى الأمر إلى انهيار الشركتين، كليا فى الحالة الأولى وجزئيًا فى الثانية.

لا يخلو فرض متلازمة الصلف من المشاكل المنهجية، فاضطراب الشخصية عادة ما يكون تشخيصًا لفرد ولكن القائد السياسى أو الإدارى يتحرك فى مجال دائرة الحكم وفى مجال ثقافى تاريخى يساهم فى نمو تلك الصفات. ولا يتناول الفرض التغيرات التى طرأت على الحياة السياسية حيث أصبحت صورة الزعيم جزءًا من صناعة إعلامية واسعة الانتشار وتحول النشاط السياسى إلى نوع من الأداء. ويثير التشخيص النفسى للشخصيات القيادية سؤالا عن مدى خضوع تلك الشخصيات للمحاسبة. ويشير اللورد أوين إلى ذلك ضمنًا حينما يحذر القياديين من المرءوسين الذين يقولون «نعم سيدي». وتغلب النظرة بأثر رجعى على الأمثلة التى استشهد بها على فروضه. ولكن إمكانات استخدام هذه التشخيص فى التنبؤ بالسلوك المتغطرس ومحاولة منعه قد تقلل من الكوارث التى تترتب على اتخاذ قرارات اندفاعية تدفع الشعوب ثمنها فى النهاية. فهل هناك طريقة للوقاية من هذا المرض؟

يطمح اللورد أوين إلى دراسة الأساس البيولوجى لتلك المتلازمة، وربما إعطاء أدوية فى المستقبل للعلاج. لكنه يدرك بحكم اشتغاله الطويل بالسياسة أن فرص العلاج النفسى ليست واقعية تماما، فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل، أن تتقبل تلك الشخصيات العلاج. السبيل الوحيد للوقاية أو الحد من هذه الظاهرة هو تحديد مدة البقاء فى السلطة ووجود مؤسسات لصنع القرار وضمانات للمحاسبة وضرورة إطلاع الناخبين على السجل الصحى للمرشحين للقيادة.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016