بقلم: محمود الورداني   هبط علينا «المواطن المسحول» فجأة، وسرعان ما شغل الفضائيات بحكايات اختفائه وظهوره الذى لم يتوقف. بدأت حكايته بفيديو يصوّره وهو يتعرض للضرب بالقرب من قصر

صورة تعبيرية

 

بقلم: محمود الورداني

 

هبط علينا «المواطن المسحول» فجأة، وسرعان ما شغل الفضائيات بحكايات اختفائه وظهوره الذى لم يتوقف. بدأت حكايته بفيديو يصوّره وهو يتعرض للضرب بالقرب من قصر الاتحادية. قام جنود الأمن المركزى بزيّهم الجديد الذى يشبه زى سلاحف النينجا، أو زى سانشو بانزا تابع دون كيخوته، قاموا بخلع ملابسه بالقوة. واستمر الفيديو لنحو ثلاث دقائق، والمواطن المسحول يُسحل أمام الجميع وتُنزع عنه ملابسه بالقوة، ويجرى عاريا فى اتجاه مركبة مدرعة تابعة للداخلية وسط تشريفة معتبرة من الضرب بالعصى حتى أُلقى به داخل المدرعة.

كنت أنا أعانى إحدى مرات اختفاء دينا، إلا أنه امتد هذه المرة وشغلته أحداث جسام، فقد تم فضّ اعتصام الاتحادية الذى تشكّل من رافضى مرسى والإخوان بالقوة، ومن قاموا بفضّه هم الإخوان وبلطجية الداخلية، عندما أغاروا فجرا على خيام المعتصمين وأضرموا فيها النار واعتدوا على من فيها. وفى هذه الأثناء ظهر الفيديو الشهير للرجل الإخوانى الذى اقتحم احدى الخيام، فوجد مكعبات من نوع شهير ورخيص من الجبنة المطبوخة اسمه «نستو» فصرخ بهلع:

جبنة نستو يامعفّنين..

فقد ساءه جدا أن يكون هذا هو ثمن اعتصام أعدائه، وكان يتوقع زجاجات ويسكى وأقراص فياجرا وسندويتشات شاورما كما كان يتردد قبل الفضّ.

فى هذه الأثناء ظهر أيضا عدد آخر من الفيديوهات تسجّل جلسات تحقيق وتعذيب مارسها أنصار الإخوان ومتنفذيهم المعروفين ضد عدد من المواطنين الذين تم توقيفهم أثناء فضّ اعتصام الاتحادية، وكانوا قد اعتصموا فى الأصل احتجاجا على إعلان رئاسى يحصّن كل قرارات الرئيس مرسي، سواء كانت قراراته قبل الإعلان أوبعده أو فى المستقبل، من أى اعتراض أو نقض، وعلى نحو لم يجرؤ حتى مبارك على القيام به. فى هذه الفترة اشتهر فيديو يصوّر أحد السفراء بوزارة الخارجية عاريا تماما إلا من شورت داخلى قصير، والدم يسيل من وجهه ويلطخ جسمه العاري، وفيديوهات أخرى لمواطنين آخرين لا ذنب لهم، بدوا هلعين يصرخون رعبا وهم يُستجوبون من جانب ملتحين معروفين ويشغلون مناصب مهمة فى الجماعة فى قبو أحد المساجد بمنطقة الاعتصام.

وسط كل هذا ظهر فيديو المواطن المسحول (وهذا هو الإسم الذى عُرِف به فى كل الفضائيات والصحف والمواقع الإلكترونية). فى أعقاب انتشار هذا الفيديوالذى يصوّره عاريا وهو يُسحل، نجحت إحدى الفضائيات فى التوصل إليه، وسجلّتْ معه ما يزيد على خمس دقائق. قال إنه يعمل مبيّض محارة وكان عائدا من شغله، فقبضت علية الشرطة وسحلته وجرّدته من ملابسه بالقرب من الاتحادية. بدا مواطنا غلبانا فعلا، مذعورا وعيناه ترمشان أمام الكاميرا. كانت لحيته نامية، وربما كان فى الأربعينات ويتلجلج ويبتلع ريقه، لكن الكلام كان يخرج منه بصعوبة، ومع ذلك أمكن للمشاهدين أن يميّزوا ما يفيد أنه تعرّض للضرب دون أن يرتكب أى إساءة، واقتربت الكاميرا منه أكثر وهو يصيح غاضبا: يقلّعونى هدومى ليه؟ أنا عملت إيه؟

بعد ثلاثة أيام فقط عاد المواطن المسحول.. ظهر فى القناة الأولى فى التليفزيون الرسمى مرتديا نفس الترننج سوت الكحلى وفوقه السويتر البائس الذى كان يرتديه فى الفيديو السابق، ونفى أن يكون قد صرّح لأى من الفضائيات أن الشرطة سحلته، وأكّد ان المتظاهرين هم الذين سحلوه، ولم ينقذه إلا تدخل رجال الشرطة، وأضاف المواطن المسحول أن «الفيديو الذى تم بثه يثبت أننى كنت أجرى نحو مدرعة الشرطة وحدى وبكل حرية»، وفى اليوم التالى نشرت الصحف صورة له وهو يصافح أحد لواءات الشرطة، وتحت الصورة كُتب ما يفيد أن المواطن المسحول وأمه وشقيقته سيسافرون لأداء العمرة فى السعودية على نفقة وزارة الداخلية، واختفى بعدها المسحول لأكثر من أسبوع.

عاد بعدها فى فيديو خاطف لم يستمر سوى دقيقتين، ينفى فيه كل ما ورد بالصحف أو بثّته القناة الأولى بالتليفزيون المصري، وعاد إلى أقواله السابق ورودها على إحدى القنوات الخاصة، وما لبث أن اختفى لعدة أيام، وظهر شقيقه بدلا منه واسمه حسني، وتولى حصريا الاتفاق مع وسائل الإعلام المختلفة، وتنظيم لقاءاته وحواراته مقابل أجور محددة تتراوح ما بين ألف وألفى جنيه يتسلمها شقيقه قبل التصوير حسبما نشرت إحدى الصحف.

وبعد مرور عدة أيام ظهر فى القناة الأولى للتليفزيون الرسمي، ونفى كل ما تردد مؤكدا أنه تسلّم من الداخلية تذاكر السفر للأراضى السعودية، ثم عاد لاختفائه حتى ظهر على قناة الجزيرة ليعلن إن كل ما صرّح به كان بأمر الداخلية التى أجبلته بعد أن اختطفت شقيقه المسئول عن تنظيم لقاءاته، ولم تكتف بذلك بل حبسته بقانون الطوارئ، ومع ذلك سرعان ما خبا نجم المواطن المسحول وفَقَد الناس الاهتمام به..

فى تلك الفترة أيضا ترددت حكايات عن الشهداء الذين يظهرون فى ميدان التحرير، وحكايات أخرى عن ظهور أرواح البعض من أصدقائنا ممن رحلوا قبل الثورة، وكنا نتمنى أن يكونوا معنا. شاهد البعض أروى صالح وسناء المصرى وتيمور الملوانى فى شارع محمد محمود، وشاهد آخرون أحمد عبد الله ومحمد السيد سعيد ورضوان الكاشف ناحية المتحف، أما ابراهيم منصور ويحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل فقد شاهدهم البعض فى أول شارع طلعت حرب، وفى شارع هدى شعراوى أكد البعض الآخر انهم شاهدوا نبيل الهلالى ولطيفة الزيات وبصحبتهما نجيب محفوظ ويوسف إدريس. وبالقرب من الدائرة التى تتوسط الميدان وكذلك فى شارع محمد محمود، وهما من أكثر الأماكن التى سقط فيها شهداء منذ بداية الثورة، أكد البعض أنهم كانوا يرون بقع دم تنبثق من الأرض وتنتشر هنا وهناك قبل الفجر عدة أيام.

ثمة شهادتان نشرتهما بعض المواقع لاثنتين تعرّضتا للاغتصاب عَلنا أمام الناس. واحدة منهما نزعوا عنها ملابسها وقبل أن ينهشوها صرخت تستعطفهم لأنها أم لكن أحدا لم يرحمها وعندما أراد أحدهم أن يقبّلها فى فمها، وأولج لسانه قطعته له لتتصاعد الوحشية، وينتهكوا كل جسدها فى وصلة جنون على الرغم من أنها تعرضت للإغماء، والثانية بنت فى أوائل العشرينات قررت أن المغتصبين قاموا باغتصابها فى شارع محمد محمود فوق سيارة نصف نقل، وظلوا على مدى أكثر من ساعة وحتى وصولهم لحى عابدين يواصلون اغتصابها. قررت البنت أيضا فى شهادتها أن عددهم لا يمكن حصره، من يتفرجون ويلتقطون الصور بكاميرات الموبايلات ومن يتشاجرون من أجل الاقتراب من السيارة التى طرحوها فوقهاومن نجحوا فى الوصول إليها، ولم ينقذها إلا امرأة طيبة من حى عابدين، اختطفتها بالقوة من بين أنيابهم، لكن البنت كانت قد تعرضت لما لن تبرأ منه أبدا.

أما الصحف فقد نشرت أخيرا ما يثير الدهشة فعلا، وتوقعت أغلب المقالات وصفحات الرأى والعواميد الثابتة سقوط الإخوان بعد شهور قليلة. أطلق البعض على المرحلة الحالية «الثورة الثالثة» بعد ثورة 25 يناير، ثم الثورة على المجلس العسكري، وأخيرا هذه الثورة المشتعلة الآن ضد الإخوان ومكتب الإرشاد، وكنت أنا أشعر على نحو خفى أن حكم الإخوان فى لحظاته الأخيرة، على الرغم من استعراض القوة الذى يمارسونه كل يوم.

أنصارهم تم شحن المئات منهم فى باصات ضخمة من القرى والمراكز، ونصبوا خيامهم ليحاصروا المحكمة الدستورية العليا ويمنعوا قضاتها من الدخول وجلساتها من الانعقاد لنظر عدد من الطعون ضد قرارات الرئيس الإخواني، كما نظموا اعتصاما آخر أمام مدينة الإنتاج الإعلامى للضغط على القنوات المناوئة لهم، ذبحوا العجول وبنوا المراحيض العمومية فى قلب حدائق المدينة وضربوا عددا من المذيعين، كما هتفوا هتافهم الشهير «إدّى يا مرسى إشارة.. واحنا نجيبهم لك فى شيكارة». ومع كل هذا فإن المؤكد أنهم على الرغم من كل هذا الصلف لن يستمروا.

لم يكن خافيا رفض الناس، الشعب، البشر، الجمهور، العيال والبنات والشبان، للكآبة التى فرضها الإخوان، وسارع عدة ملايين للتوقيع على استمارات «تمرد» التى تطالب بإسقاط الرئيس الإخوانى محمد مرسي. ربما لا تكون لهذه الاستمارات قيمة قانونية، لكن قيمتها السياسية مؤكدة.

على أى حال فإن الأمر الآن كما يلي:تولى مرسى ومكتب الإرشاد الحكم، وقبل أن ينصرم العام كانت مظاهرات القوى المدنية تدق أبواب قصر الاتحادية، وما لبثت أن حاصرت القصر واقتحمت بعض أبوابه، وكتبت على كل جدرانه ما يعنّ للمتظاهرين أن يكتبوه ضد مرسى وبديع والشاطر، وأخيرا اعتصمت أمام أبوابه، وبعد أيام قامت قوات الأمن بالإغارة فجرا على بقايا المعتصمين المعارضين، بعد أن كانت ميليشيات الإخوان قد قامت بفضّ الاعتصام بالقوة، وتولّت قوات الأمن تصفية تلك البقايا شبه الرمزية.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 812 بتاريخ 26 يناير 2016