بقلم: على مبروك   على عكس ما هو شائع، فإن الشيعة لم يكونوا هم الذين بدءوا صيرورة التعالى بالسلطة من الأرض إلى السماء، بل كان أسلاف أهل السنة والجماعة هم

المسجد الأموي

بقلم: على مبروك

 

على عكس ما هو شائع، فإن الشيعة لم يكونوا هم الذين بدءوا صيرورة التعالى بالسلطة من الأرض إلى السماء، بل كان أسلاف أهل السنة والجماعة هم الذين فعلوا ذلك، فإنه يلزم تأكيد أن توازنات القوى داخل قريش كانت هى – وليس الله – الأصل فى اختصاص عثمان بالسلطة من بين أهل الشورى الستة الذين عيَّنهم عمر بعد طعنه. ومن هنا ما أورده الطبرى من أن اختيار عثمان للخلافة كان شأنا قرشيا؛ وذلك من حيث حسمته عصبية بنى أمية الغالبة داخل قريش لصالح أحد أبنائها. وإذا كان عثمان قد رفض اعتزال الخلافة مُحتجا بما قال إنه حديث النبي: «يا عثمان إن الله مُقمصك قميصا فلا تخلعه حتى تلقانى على الحوض»، فإنه يبدو أن هذا الحديث كان معلوما له وحده، لأنه لو كان معلوما لغيره من الصحابة الذين شهدوا تلك الفتنة لكانوا قد شاركوه الاحتجاج بهذا الحديث فى مواجهة الخارجين عليه. لكن عدم لجوئهم لهذا الحديث يعنى أنهم لم يسمعوه من النبى رغم أن الإمام أحمد قد أورده فى مسنده، ثم صححه الألباني.

ولسوء الحظ، فإن قاعدة التعالى من الأرض إلى السماء قد تحكمت فى مسار التطور فيما يخص الأصول والتصورات، وحتى المؤسسات التى تحققت لها الهيمنة فى عالم الإسلام. وهكذا فإنه إذا كان القرآن مثلا – وهو أصل الأصول – قد تنزَّل من السماء إلى الأرض كخطابٍ للناس لكى يتحاورون معه فى سعيهم إلى تغيير عالمهم نحو الأفضل، فإن الأنساق المهيمنة على المسلمين (وهى التى أنشأها الحنابلة والأشاعرة بالذات) سرعان ما راحت ترده إلى السماء عبر التعاطى معه كصفةٍ أزليةٍ لله؛ وبما ترتَّب على ذلك من تحويله إلى أيقونةٍ مقدسة يتبرَّك بها الناس، بدل أن يكون ساحةً مفتوحةً لتفكيرهم على نحو ما كان عليه عند الجيل الأول من المسلمين الذين كان الإمام عليّ بن أبى طالب ينطق بلسانهم، لا شك، حين مضى إلى إن «القرآن لا ينطق بلسان، وإنما ينطق عنه الإنسان». وبالطبع فإنه لا مجال لنطق الإنسان عن القرآن إلا بأن يكون موضوعا لفهمه.

وإذا كان جعل القرآن ساحةً لأفهام الصحابة قد دفع بالبعض منهم (وبالتحديد الفاروق عمر) إلى تعليق بعض الأحكام التى نصَّ عليها بعد ما فهموه من أن الأحكام تكون مُعللةٌ بالمصالح التى تؤديها للناس، وأنها تتوقف عن الاشتغال مع غياب تلك المصالح، فإن التعالى به إلى فضاء التقديس عند اللاحقين قد جعل أحدهم (والإشارة تحديدا إلى الداعية الحنبلى أبى أسحاق الحويني) يقترح على المسلمين حل مشكلاتهم الاقتصادية عبر إعادة تشغيل ما لا يمكن أن يقبله العالم المعاصر من أحكام الأسرى والإماء، بذريعة أنها من المنصوص عليه فى القرآن. إنه التباين بين لحظتين؛ كان القرآن – فى أولهما – ملكا للبشر بما هو خطابٌ إليهم، بينما تحول – فى اللحظة الثانية – إلى مفارقٍ مقدس لابد أن يُذعن الناس لأحكامه حتى تلك التى زالت العلل المُنتجة لها، وغابت السياقات التى فرضتها.

وبخصوص السنّة – التى هى الأصل الأكثر مركزية بعد القرآن – فإن صيرورة التعالى بها إلى السماء قد بدأت مع الإمام الشافعى الذى ارتقى بها إلى مقام الوحى من الله فى نهاية الثانى القرن الثانى الهجري؛ وبما يعنيه ذلك من إن أجيال المسلمين الأوائل قد تعاملت معها بوصفها خطابا للناس على نحو ما تعاملت مع القرآن. وهنا يلزم التنويه بأن إصرار الصحابة على الاستفهام من النبى عما إذا كان ما يصدر عنه من قولٍ أو فعل هو من الوحى أو أنه من الرأي، إنما يكشف عن إدراكهم أن ما يصدر عنه من الرأى هو من قبيل ما يمكن مناقشته أو حتى الاختلاف معه. ويُشار هنا إلى ما جرى من مبادرة الصحابة إلى سؤال النبى الكريم عما إذا كانت الخطة التى اقترحها للدفاع عن المدينة (أثناء غزوة الأحزاب) هى من الوحى أم أنها من الرأي. وحين أجابهم النبى بأنها من الرأي، وليس الوحي، فإنهم قد عرضوا عليه خطةً بديلة أكثر نجاعة فى مواجهة الأحزاب الساعية إلى غزو المدينة. وبالطبع فإن قبول النبى الكريم لخطتهم البديلة إنما ينطوى على إدراكه لضرورة تأكيد أنه ليس كل ما يصدر عنه يكون من الوحي، بل إن فيه من الرأى الذى يمكن الاختلاف معه. وضمن هذا السياق، فإنه يمكن الإشارة إلى ما أورده الشافعى نفسه من رواية يبدو فيها تحسين الصحابى (وهو معاوية) لرأيه فى مواجهة رأى النبي.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016