بقلم:د. حسن عطية   أن ترى حضورك وتحدد موقعك وتعرف مدى تقدمك، لا يتأتى ذلك إلا بحضور الآخر معك، وتحاورك معه دون أى موقف مسبق، ودون اتهام منك له

العرض المسرحي سيد الوقت

 

بقلم:د. حسن عطية

 

أن ترى حضورك وتحدد موقعك وتعرف مدى تقدمك، لا يتأتى ذلك إلا بحضور الآخر معك، وتحاورك معه دون أى موقف مسبق، ودون اتهام منك له بالتعصب أو التآمر عليك، فالأمر غاية فى البساطة، إذا وافقت على أن تكون فى حوار مع الآخر عليك باحترامه، وإذا قبلت المشاركة فى مسابقة مهرجانية أو غير مهرجانية عليك بقبول نتائجها، وإذا لم تعترض فى البدء على لجنة تحكيمها، فليس لك الحق فى رفض نتائجها، مهما ابتعدت عنك، فلكل لجنة رؤيتها للحياة والفن واللحظة التى نعيشها.

هذا هو الأمر الذى علينا أن نتفق عليه، خاصة بعد عودة الوفد المصرى، أو عودة البعض منه من مهرجان المسرح العربي، الذى تنظمه الهيئة العربية للمسرح، وجرت فعاليات دورته السادسة فى الكويت، فى الأسبوع الثانى من يناير الماضى، عاد البعض مستاء من عدم حصول العرض المصرى (سيد الوقت) على جائزة المسابقة الوحيدة لأفضل عرض مسرحي، دون أن يتجاوز موقف الاستياء هذا لرؤية العروض العربية الأخرى التى أتاح لنا المهرجان فرصة رؤيتها والتعرف على تقدم صناعها، وهو الأمر شديد الأهمية فى أى مهرجان ناجح ؛ العروض المقدمة وليست الجوائز التى يحصل عليها أفراد أو عرض، فوصول ثمانية عروض من 133 عرضا تقدمت للمسابقة للعرض فى المسابقة الرسمية، يعنى تميز هذه العروض وتفوقها فكريا وجماليا، على الأقل من وجهة نظر لجنة اختيارها، ووصول ثلاثة من الثمانية للتنافس على الجائزة الوحيدة للمسابقة، يعنى أن ثلاثتها جديرة بالجائزة وفقا لرأى لجنة تحكيمها، وهذه العروض الثلاثة هى (لا تقصص رؤياك) الإمارتى، و(K O) التونسى، و(صدى الصمت) الكويتى والذى حصل على الجائزة الكبرى.

ونتوقف هنا اليوم عند العرض الإماراتى، لفرقة مسرح الشارقة الوطني، للكاتب «إسماعيل عبد الله» وإخراج «محمد العمايرى»، واللذين قدما لنا عرضا جماليا راقيا لامس عصب الواقع الملتهب، وتفجر بفضاء المسرح بصراع تعبيرى لجماعة تتماوج بمقدمة فضاء المسرح بين اللونين الأحمر والأزرق، ووسط موسيقى صراعية تغلب عليها دقات الطبول والصوت المتأوه، مع صفير هجوم معاد تصحبه طلقات رصاص تنهى حياتها، فيسود الأحمر، ليخرج مما يشبه العربة الكبيرة المفرغة بعمق فضاء المسرح رجل يدعى «منار» (تجسيد مروان عبد الله الصالح) وزوجته «حنين» (بدور) تحمل طفلهما الرضيع، تنام على عربة يد صغيرة كالمحفة يجرها الرجل للمقدمة، بينما يبعث الموتى من رقادهم لينتقلوا لعمق المسرح، محركين العربة الكبيرة لعمق الخلفية، تاركين لمن يمثلهم المقدمة ليعبر دراميا عن همومهم الجماعية، فالدراما تبحث عن الفرد المعبر عن الجماعة، فهو لا يمثل ذاته المتفردة داخلها، بل جاء ليكون لسان حال فكر أو تيار أو حالة إنسانية، ومن ثم تتراجع الجماعة المبتعثة من الموت للخلف، تاركة رجلها البسيط مثلها واصلا بعربته الصغيرة إلى النقطة الذهبية بمقدمة المسرح، مع عودة اللون الأزرق مزيحا حمرة دماء القتلى، غير أن صوت الرعد قائم، فتنهض زوجته بطفلهما ويستلقى هو مكانها مجهدا، وتظهر عرافة العرض (ملاك الخالدى) صاخبة أمام وخلف ستائر الخلفية المتماوجة تحت الضوء الأزرق، ومتناوبة الصراخ مع أصوات قادمة من خارج فضاء المسرح، لصوت رخيم (أحمد الجسمي) ومنشد رائق الصوت من خارج فضاء المسرح، مغلفين بأصوات الجماعة المعبرين مع العرافة الظاهرة عنها، مفتتحين معا دراما العرض بكلمات قصيدة تقدم لنا هذا الرجل المرتاد الظلمة فى الأسر بدثار الموت المتلبد بالعار وبالأمل المكلوم يفتش عن الفردوس المفقود والكل منه على انتظار، فهنا الموعد والواعد والموعود، وهو المطالب بالتحدث باسمها , بعد أن منح اسم «منار» كى يمكنه أن يضىء لها الطرقات المظلمة نحو الخلاص.

مأزق البطل

صياغة مسرحية صاخبة تحتضن النص الدرامى وتعبر عنه، وتجذب الجمهور المتلقى إليه، وتفتح أفقا لتوقعات متباينة حول مصير هذا الرجل وزوجته وطفلهما، بكناية معتادة عن الحاضر الراهن والمستقبل الكامن بظهر الغيب، والذى تظن الجماعة أنها قادرة على معرفته بعد أن يقص عليها «منار» رؤياه التى رآها فى منامه، لذا تطالبه بأن يبوح بها على الملأ، واضعة إياه فى مأزقه الدرامى المتحرك داخله طول المسرحية، لقد رأى رؤيا فى منامه مطالب من جماعة البسطاء أن بقصها كى ينير لها الطريق لمعرفة الغيب، وندركها نحن أثناء نوم «منار» بصوت الراوى من خارج الكادر لقصة ملك مصر مع «يوسف» الصديق فى الحكاية الدينية، ينتقل فيها نداء البسطاء للرجل «أقصص رؤياك»، فى تضاد مع عنوان المسرحية المتبنى داخل المسرحية فقط من «حنين» زوجة الرجل، والزاعقة له بـ«لا تقصص رؤياك»، وهما – العنوان والدعوة – اللذان يستدعيان للعرض حتما من خارج النص قول «يعقوب» لابنه «يوسف» فى الحكاية الدينية «يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا»، وذلك بعد أن قص عليه بما رآه فى منامه من سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر له، مما يحول الرؤيا لنبوة رمزية تتنبأ بالتأويل بما سيحتله «يوسف» من مكانة رفيعة فى المستقبل، بمزج ذلك برؤيا أخرى لملك مصر فى بنية رمزية أيضا تتضمن وجود «سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ»، قصها على رجاله وطالبهم بتفسيرها، فعجزوا عن التفسير، وبحثوا عمن يفسر لهم الرؤيا، فلم يجدوا غير «يوسف» المسجون بسبب موضوع غواية امرأة الملك (العزيز) له، فلما فسر للملك الرؤيا بالسنوات الوفيرة والأخرى العجاف، حتى أخرجه من السجن ومنحه مكانة رفيعة فى المملكة، وهى المكانة التى رأى «يوسف» أنه سيصل إليها بسجود أسرته له فى رواه القديمة.

تباين الرؤى

يضعنا عنوان المسرحية ومقتبساتها من الحكاية الدينية على بداية طريق يفسر رؤيا رجل اليوم «منار» على هدى الحكاية المتداخلة نصا مع حكايته الدرامية، دون أى تشابه بين شخصياتهما وعلاقتهما بمحيطهما الأسرى والاجتماعى ومسار كل منهما فى الحياة، وأن غلفت الحكاية الدينية المسرحية بغلالة شعائرية تسكنها الأسطورة، وتسرى فيها روح الشعر، وتنتقل فيها حركة الشخصيات عبر الأمكنة نقلات تعبيرية، داخل فضاء نزعت عنه أية سمات واقعية، يتكون من سينوجرافيا تحتوى على ديكور وأزياء تجريدية، ويسبح فى أضواء زرقاء وحمراء غالبة، وتحاصر الشخصيات داخله فى بؤر تحول وجودها المادى لظلال وأصوات زاعقة، فتشف متحولة لوجود مجرد بدوره، حتى أن الرجل وزوجته هما فقط من يحملان اسمى علم، ومع ذلك لم يستطع موضوع المسرحية ومحتواها الدلالى الانفلات من واقع المجتمع العربى الساخن، فهو لا يعيد قص الماضى ولا تفسيره، بل يستفيد من الأجواء الأسطورية كى يبحث عن الكلى فى الواقع الراهن المتهرئ، الذى يجوبه بطلنا «منار» داخل مجتمعنا العربى المهتز اليوم، دون أن يكون نبيا، ودون أن تكون رؤياه ربانية، ودون حتى أن يعلن عن حقيقة رؤاه هذه، والتى يشكك فيها البعض ويتهمونه بالدجل والاحتيال وادعاء الكرامات، ويبرر هو خروجه للناس بالبحث عن قوت يومه وقوت زوجته وطفلهما، تتجاذبه الأنواء وتسعى الجماعات التى توقفت عندها المسرحية اختيارا قصديا أن تجذبه إليها، لتعينه زعيما لها، وتستغل حلمه غير المعلوم لصالحها، فيلتقى بجماعة من المتصوفة، وأخرى من المتأسلمين الإرهابيين، وثالثة تمتلك المال، وبينهم تبرز شرذمة من الحشاشين، وزمرة من المثقفين الغارقين فى سفسطة علمية حول المذهب والمنهج والمصطلح، وكأنهم «فلاسفة الطلسمات»، وأخيرا جماعة العامة الغارقة بدورها فى الجنس وسفاسف الأمور.

اختيار مقصود من المسرحية، تأليفا وإخراجا، للعينة المجتمعية التى يلتقى بها «منار» وتريد أن تستثمر حلمه المناهض للواقع، وهى العينة التى ترى المسرحية أنها المهيمنة اليوم على أرض الواقع، منذ بروز حلم الثورات الشعبية فى أقطار الوطن العربي، وما آل إليه حال هذه الثورات وأحلامها المجهضة، بهيمنة السلفيين والدراويش ومثقفى وسائل الاتصال الجماهيرى والاجتماعى الجديدة، وهى جماعات جمعتها المسرحية مع العامة لتتحلق فى آخر مشاهدها حول «منار»، وهو بعد لم يقصص رؤاه، ولم يتركه أحدا طوال رحلته ليقصصها، بعد أن انجذب الكل إلى «سحر النبوءة التى تحققت»، وراجت معها الخرافة، وتسيدت جماعات السوء والفساد والتخلف والساحات المفتوحة، بعد أن صبغتها بالميتافيزيقا، ولذا يحملونه إلى عربتهم الكبيرة كى يقصص عليهم رؤياه، بينما تحاول الزوجة «حنين» استعادته دون جدوى، فقد عاد اللون الأحمر ليهيمن على المكان، وتحركت الجماعات بعربتها لتدهس الزوجة الواعية، تاركين جثتها فى العراء، كى يخرج من بين يديها طفلها حيا يحبو نحو المستقبل الغامض.

أفسد المخرج النابه مشهد النهاية المأسوى باستخدام دمية طفلة صناعية تخرج متحركة من حضن الأم، كما استخدم دون داع درامى أغنية لكوكب الشرق «أم كلثوم» فى مشهد جماعة الحشاشين، وكأن ثمة ارتباط شرطى بين المخدرات والاستماع لروائع سيدة الغناء العربى وشادية الشعر الرصين، أما الأكثر تأثيرا بالسلب على هذا العرض المتميز هو هذا الصراخ الذى انتاب كوكبة الممثلين دون استثناء، فقلل من متعة الاستمتاع بالصياغة الشعرية الراقية للنص الدرامى، وفك مغاليق كلماتها المكثفة، كما أن استخدام السخرية فى العديد من المواقف الجادة أضر بها، ومع ذلك فهو عرض ممتاز، يتميز باستخدام فضاء المسرح بصورة جمالية شديدة الحيوية، وبإدراك أن المسرح ليس مسامع كلامية تدرك بالأذن، ولا تشكيل فى فضاء بحركات جسدية وديكورية تبهر العين دون العقل، بل هو مزيج راق من الكلمات والأداء التمثيلى والسينوجرافيا المحتضنة بعلاماتها المرئية حركة الممثل وصوته المعبر، انه النص الدرامى الفاعل والمعبر عن محتواه مسرحيا، ليستفز المشاهد ويحفزه على التفكير فى وجوده والتحرك لتغيير واقعه.. انها الدراما التى نعيش زمنها اليوم فى الواقع وبفضاء المسرح وعلى شاشات التلفاز.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016