الجمعة 31 أكتوبر 2014 الساعة الآن العاشرة والنصف. الدنيا ظلام لا يضىء الشارع إلا بعض المصابيح. أنا وحدى فى المنزل مستيقظ لا أريد أن أنام، ولا أريد أن افعل

صورة تعبيرية

 

الجمعة 31 أكتوبر 2014

الساعة الآن العاشرة والنصف. الدنيا ظلام لا يضىء الشارع إلا بعض المصابيح. أنا وحدى فى المنزل مستيقظ لا أريد أن أنام، ولا أريد أن افعل شيئا. أريد أن أظل جالسا هكذا دون حركة أستمع إلى أصوات الليل. أشعر بالضعف فى جسمى يتزايد، بساعة الرحيل تقترب. عندما أكتب أنسى هذه الحقيقة، تختفى فى مكان ما من عقلى الباطن. أنسى معها المعاناة التى تنطق فى وجوه الشوارع، فى نظرة العيون، فى دوى المفرقعات، فى الذين يُقتلون. أنسى القمع يتزايد كل يوم. أنسى كل شىء ما عدا الكلمات تتوالى فى ذهنى أو تتوارى معاندة ثم تعود مثل ومضة من النور.

انتهيت من كتابة رواية جديدة منذ شهور. الآن عقلى عاجز عن الخيال. يطحن شذرات مفككة، يلفظ كلمات كالقش والحطب، لا روح فيها، فأشعر بالشيخوخة تحاصرنى خطوة بعد خطوة. ابتعت كتابا عن الرقص. قرأت صفحاته شاعرا بالملل. أشعر بالملل من كل الكتب. أبتاع كتبا فى السياسة، فى التاريخ، فى الأدب. أقرأ فيها صفحات ثم أركنها جانبا. ذهبت إلى الحزب تصرخ فيه الجُمل. لحظة من الحماس عدت بعدها إلى البيت محبطا لأجلس على المقعد المنخفض. أحسست بالاختناق فارتديت الجورب تمهيدا للخروج من المنزل، لكنى لم أخرج. ظللت جالسا أتأمل ساقى وقدمى تورمت. قلت لنفسى هل سيمر ما تبقى لى من زمن هكذا؟ قم وسر بهما رغم الألم.

فتحت دولاب الملابس. أخرجت منه قميصا وبنطالا أدخلت فيه ساقى مسندا ظهرى إلى الحائط. ارتديت حذائى المطاطى الأسود جالسا على المقعد المنخفض. فتحت درجا فى المكتب وأخرجت منه مفتاح الباب والمحفظة، والمحمول ومناديل من الورق. خرجت من الباب وهبطت على سلالم انكسر رخامها.

سرت فى الشوارع الصامتة قاطعا مسافات قصيرة أستريح بعد كل منها جالسا على رصيف الشارع. تأملت الأشجار، تميل أغصانها بحركة هامسة. ترددت فى أذنى كلمات متفرقة لا معنى لها. عدت إلى البيت. صعدت السلالم مسندا يدى إلى الحاجز. فتحت الباب ودخلت. أضأت الأنوار فانبعثت الشقة من الظلام بجدرانها البيضاء وأثاثها. لم أخلع ملابسى. خلعت الحذاء، والجورب جالسا على المقعد المنخفض. قمت وجلست أمام الكمبيوتر، وكتبت على الشاشة الخالية “قبل الرحيل”. هكذا بدأت هذه اليوميات لتسير بى فى مسارها المضطرب.

السبت 1 نوفمبر 2014

تناولت إفطارى فى الصباح وحدى ثم حملت أشيائى ووضعتها فى المطبخ. غسلت الأطباق، والسكين والملاعق. أعدت المأكولات إلى مكان كل منها فى الخزينة المعلقة على الجدار. وأنا أفتح المبرد لاحظت وجود وعاء من الزجاج كبير الحجم فى المبرد. كان مليئا بالزيت المخلوط بالخل، وبفصوص من الثوم وحبات قليلة من الزيتون الأسود. وصفة أعطاها لى الحاج عيسوى صاحب محل للبقالة الذى كانت تتعامل معه أمى عندما كنت أعيش فى بيتها. أردت أن أقلل من زحام الأشياء الموجودة على الرف، أن أنقل حبات الزيتون الموجودة فى الوعاء الكبير إلى وعاء أصغر منه لأتخلص من خليط الزيت والخل القديم. أمسكت به من جزئه الأعلى. لم يكن غطاؤه محكم الإغلاق فانزلق من بين أصابعى، وسقط على الأرض المبلطة بالقيشانى الأبيض، وعلى مشاية صغيرة مفروشة أمام المبرد. انكسر الوعاء إلى عشرات القطع الزجاجية، إلى شظايا رفيعة يصعب الاهتداء إلى مكانها، وتبعثرت محتوياته من الثوم والزيتون، والزيت والخل.

وقفت مصدوما، جامدا، حائرا لا أعرف كيف أتصرف. المطبخ صغير وجزء من محتويات الوعاء إختفت تحت المبرد، وأسفل موقد الغاز. أى خطوة سأخطوها للملمة ما سقط ستؤدى إلى ان ينغرس الخف الذى أرتديه فى السائل الأسود اللزج المسكوب على بلاط الأرض. إذا خرجت من المطبخ سأنقل معى أجزاء من الزيت والخل، وحبات الثوم والزيتون الأسود، وشظايا من الزجاج المكسور إلى الصالة، وغرفة المعيشة اللتين تشكلان الشقة، كما أن أى حركة من الخسر تسبب لى آلاما مبرحة. قدرتى على بذل أى جهد جسمانى أصبحت محدودة، فسرعان ما أصاب بالإرهاق الذى يجبرنى على التوقف، والجلوس حتى أستطيع مواصلة ما أقوم به.

وقفت أطل على الكارثة شاعرا بالعجز، لكن بعد قليل أدركت أنه لا مفر من أن أقوم بإزالة آثارها. كانت الخطوة الأولى هى جمع حبات الزيتون والثوم من على الأرض لوضعها فى وعاء أصغر. حتى أقوم بهذا كان لا بد من أن أميل وأنا على مسافة منها حتى لا أدوس بقدمى فى الخليط المبعثر وهو ميل يعرضنى للانكفاء على وجهى. أسندت يدى اليسرى إلى موقد البوتاجاز، ثم مددت جذعى وذراعى أمامى إلى أقصى حد ممكن حتى أستخرج وعاء صغيرا من الخزانة، ثم أخذت ألتقط حبات الزيتون والثوم الواحدة بعد الأخرى وأضعها فيه. انتهيت من هذه الخطوة فبدأت فى جمع شظايا الزجاج. كانت كثيرة وصغيرة تكاد لا ترى، وحادة مما أدى إلى جرح أحد أصابعى، فتوقفت عن محاولة تجميعها حتى أضغط على الجرح إلى أن يتوقف النزيف، فأنا أتعاطى أدوية لزيادة سيولة الدم.

أنهيت هذه الخطوة باستخدام فرشاة صغيرة للكنس وجاروف أخرجتهما من خزانة أسفل الحوض عن طريق الجلوس مقرفصا أمامها، ثم الوقوف واضعا يدى على الأرض حتى أرفع جسمى ببطء. كنست أغلب الشظايا بالفرشاة، وكلما فرغت من كنس جزء منها صرت ألقى به فى كيس الفضلات. أما ما تبقى مختفيا منها فتركتها لأقوم بإزالة السائل الأسود من الزيت والخل بممسحة سميكة كنت أبللها بالماء من الحوض، وأذهب بها إلى الحمام لأعصرها فى المرحاض. بقيت بعض الشظايا اكتشفتها بتحريك الخف على سطح الأرض، ليصدر عنها صوت احتكاكها بالبلاط، وأمسك بها فى حرص حتى لا تحدث لى جرحا ثانيا فى أصابع اليد.

كلما هبطت للمسح أو للكنس كنت أشعر بآلام شديدة فى الظهر وفى الساقين مما كان يجبرنى على التوقف عما أقوم به حتى تزول، وأستريح قليلا. بعد ذلك رفعت المشاية المفروشة على الأرض بحرص حتى لا تميل وينسكب ما عليها على الأرض، ثم وضعتها فى حوض من البلاستيك مستطيل الشكل لأتمكن من غسلها على المهل. كانت غارقة فى الزيت، والخل، فحملت الحوض إلى الحمام وهناك وجدت بشكيرا قديما نستخدمه أحيانا لتجفيف الأرض من الماء الذى يسقط من الصنبور بعد انتهاء أحدنا من أخذ دش. وضعت البشكير فى الطست الذى كنت قد أسقطت فيه المشاية وفتحت عليهما صنبور المياه الساخنة، ثم صرت أرفع المشاية ليسقط ما التصق بها ويمتصه البشكير وأقوم بعصره. كررت هذه العملية إلى أن أزلت أغلب البقعة الكبيرة السوداء التى التصقت بها، ولم يبق عليها سوى آثار باهتة. فرشتها على أرض الحمام ودعكت هذه الآثار عدة مرات بفرشاة للبلاط، وبقطعة من الصابون. كانت هذه العملية مصحوبة بآلام شديدة فى الظهر والساقين فكنت أرتاح بالجلوس على مقعد المرحاض. عندما أزيلت كل الآثار فتحت الصنبور وتركت المياه الساخنة تجرى عليها فأصبحت وكأنها جديدة. قمت بتعليقها على فواطة لتسقط منها نقاط من الماء وتجف قليلا، ثم وضعتها على المنشر. تركت البشكير الذى أستخدمته فى الطست، وسكبت عليه قليلا من مسحوق الصابون وأخذت أعصره إلى أن اختفت منه هو أيضا كل آثار السائل الأسود المتبقية فيه.

مرت ثلاث ساعات ونصف الساعة قبل أن أنتهى من هذه العمليات فحركتى أصبحت بطيئة للغاية. دخلت بعدها إلى الفراش وسقطت فى النوم. استيقظت ساعة غروب الشمس. صنعت لنفسى كوبا من الشاى، وجلست أحتسيه وأنا أتأمل أحداث اليوم بإحساس فيه رضا عن النفس. عادت إلى ذاكرتى الرواية التى كتبها ج. م. كويتزى الحاصل على جائزة نوبل بعد أن تجاوز عمره السادسة والستين. كان عنوانها “الرجل البطىء” والشخصية الرئيسية فيها رجل عجوز أصبح يعتمد على تقاضى معاش من عمله، ربما كأستاذ سابق فى الجامعة أو موظف فى مهنة أخرى. يسكن فى ضاحية على مسافة من المدينة فتعود أن يذهب إليها راكبا على دراجته الهوائية ليبتاع احتياجاته اليومية، ويقضى بعض الأعمال. تصدمه سيارة ويصاب بكسر فى ساقه فيضطر بعدها إلى السير مستندا إلى عكاز، و إلى ساقه الملفوفة فى رباط من الجبس. فى أحد الأيام كان وحده قى البيت. انزلقت قدمه على أرض الحمام فسقط وطار منه العكاز. تذكرت وصفه لما دار فى ذهنه من أفكار، وما انتابته من أحاسيس وهو محبوس فى الحمام، راقدا على أرضه، كيف صار يمد أطرافه، ويلوى جسده فى حركات غريبة، زاحفا على بطنه ليقترب تدريجيا من الباب حتى يستقيم بمساعدة العكاز. عجوز وعاجز وحده فى هذا البيت لن يتنبه أحد فى الضاحية الصامتة إليه، إلى المأزق المفزع الذى وقع فيه، تتملكه المخاوف بأن يظل هكذا، راقدا على أرض الحمام، محبوسا خلف بابه. كانت رواية عن رجل فى سن الشيخوخة وحيد.

الأحد 2 نوفمبر 2014

ذهبت إلى المقر الجديد لحزب التحالف الشعبى الإشتراكى، أصبح يحتل شقة فى الدور السادس من العمارة رقم 12 فى شارع محمد الجندى. إن شارع ضيق يصل بين شارع هدى شعراوى، وشارع البستان أفلت اسمه من ميل المسئولين نحو تغيير أسماء الشوارع لتتناسب مع الأوضاع الجديدة التى قد تنشأ مع تغيير الحكام. أسماء الشوارع تسجل المراحل المختلفة فى تاريخ البلاد بما فيها من أنظمة رجعية كانت تقهر الشعب وفترات من التقدم أعطته شحنة من الأمل فى المستقبل، فينبغى ألا يتم تغييرها. محمد الجندى كان شخصية وطنية وليبرالية نادرة احتل مكانة مهمة فى الجناح المتقدم لحزب الوفد.

فى عهد قدماء المصريين كان الفرعون يزيل الاسم المنقوش على مقبرة الفرعون الذى سبقه فى حكم البلاد. فى عهد الضباط الأحرار تمت أيضا إزالة أسماء الملك فؤاد والملك فاروق والملكة نازلى والأمير محمد على وآخرين من الأسرة الملكية وبعض المرتبطين بهم مثل مستشار القصر الخطير والمشهور برحلاته فى الصحراء الغربية أحمد حسنين. إنه شىء لا يجوز حتى إن لم نكن راضين عن الكثيرين من حكامنا لأننا عندما نزيل هذه الأسماء نشارك فى عملية تجهيل للتاريخ وللتطورات التى شملت بلادنا منذ آلاف السنين.

هناك عادة أخرى تثير عندى الضيق وهى عملية تقطيع فروع الأشجار بهدف التزيين فهى تبدو لى بعدها مستأنسة كالخراف فى الغيط، وتذكرنى بالفرشاة المسماة برأس العبد التى يتم بها إزالة التراب من على أسقف غرف البيوت لأنه اسم أو وصف ينطق بالعنصرية. الشجرة جمالها فى الحرية التى تنمو بها، فى فروعها الخضراء تصعد فى السماء، فى أنها تظلل العاملين المرهقين فى أيام الصيف، والموظفين الذين ينتظرون مجىء الشاحنة للعودة إلى البيت، فى أنها الملاذ الذى تلجأ إليه العصافير لتبنى فيها أعشاشها، أو يرقد تحتها الفلاح المرهق من العمل فى الغيط ليأخذ تعسيلة قبل أن يواصل جمع محصوله، أو تجلس فى ظلها الأسر يوم شم النسيم، أو العشاق ليتبادلوا أولى كلمات الوجد.

مقر الحزب فى عمارة قديمة مصعدها عتيق، مصنوع من خشب تشققت ألواحه، فى بابه الحديدى قطعة بارزة ينبغى تفاديها وإلا شقت جدار البطن ساعة الدخول إليه. إنه لا يسع إلا لثلاثة أشخاص يتميزون بنحافة الجسم. عندما تضغط على المفتاح رقم 6 للصعود يقفز فجأة، كأنه استيقظ من سبات عميق، ثم طوال المشوار الذى يقطعه صعودا أو هبوطا يئن بصوت شاك، وأحيانا يتوقف ليأخذ قسطا من الراحة قبل أن يواصل مشواره، فيذكرنى بقطار الدلتا كنت أستقله صبيا فى سفرى إلى بلدتى القضابة لزيارة جدتى عيشة، أو أثناء الأعياد، أو فى مواسم جنى القطن وجمع المحاصيل رغبة فى التمتع المبكر بمكانة المالك.

الشقة التى يحتلها المقر شديدة التواضع لكن لا بأس بها إذا وضعنا فى اعتبارنا ضيق ذات اليد للذين يحلمون بتحقيق أهداف فى عهد لا يشاطرهم أحلامهم. تأسس الحزب بعد 25 يناير 2011 وما زال فى طور التكوين. المشاركون فيه من اليسار تلك الكلمة التى يشوبها بعض الغموض فى عصر العولمة والليبرالية الجديدة. أنا منضم إليه لأنه سمى نفسه تحالفا شعبيا اشتراكيا لكنى أتساءل عن معنى هذا الوصف، فما الاشتراكية فى هذا العصر، وما الخطوات التى تخفف من غلواء النظم التى نحيى فى ظلها، وتقودنا خطوة بعد خطوة إليها؟ الآن لم يتعد طبيعة المجموعة ولا أقول الشلة التى انقسمت عن التجمع وتبحث عن طريقها. أتعاطف معها وأضيق بها أحيانا ربما لأننى لست جزءا من الشلة، وهناك بينى وبينها حالة من الغربة المتبادلة. إنها ترى فى شخصا غير مدرك للواقع كما ترى هى هذا الواقع، وأرى أنا فيها يسارا تقليديا لم يتخط عيوب الأسلاف فى الكثير من تفكيره وأسلوبه، وأن هذا إن استمر، لن يضيف شيئا جديدا إلى الوضع الحزبى السائد فى بلادنا. أشعر بالتعاطف مع المنتمين إليه، وأحيانا بالضيق ربما لأننى فى اليسار منذ زمن، وأستعجل اليوم الذى يصبح لى فيه حزب اشتراكى ثابت القدمين، واضح فى أفكاره. أقول لنفسى اصبر إن من بينهم جزءا من قطاعات الشباب الواسعة، جزءا من الذين بذلوا جهودا، وقدموا شهداء وضحوا بسنين من عمرهم من أجل حياة إنسانية فى مجتمع ما زالت نظم الحكم فيه تترك الشعب لتعانى جماهيره لأنها تخدم مصالح لا علاقة لها بمصالحها، مجتمع ظروف الحياة فيه قاسية. إنهم يواصلون جهودههم فى زمن تزرع فيه المنظمات الإرهابية القنابل فى أبراج الكهرباء، فى أقسام الشرطة، فى منشآت المحاكم، فى كل مكان تصل إليه عناقيدها لتقتل أبرياء من المدنيين أو من الجند. إنها نظم للحكم تخدم سياسات الراسمالية العالمية التى تسعى إلى تقسيم البلاد العربية بل إلى تشظيتها حتى يرفرف علم إسرائيل عاليا فى الشرق الأوسط، وحتى يتدفق البترول من آباره بعيدا عن رقابة الشعوب، وعن تنمية بلادهم ورخائها.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016