إنهم يأكلون التراث من المفيد هنا التذكير بالتمييز الذى أجراه المستشرق الفرنسى مكسيم رودنسون M.Rodinson، بين سلفية محافظة محدودة بارتباطها بفهم السلف للنص، وبين سلفية مراوغةن هي، لديه، نوع من

محمد حافظ دياب

إنهم يأكلون التراث

من المفيد هنا التذكير بالتمييز الذى أجراه المستشرق الفرنسى مكسيم رودنسون M.Rodinson، بين سلفية محافظة محدودة بارتباطها بفهم السلف للنص، وبين سلفية مراوغةن هي، لديه، نوع من التجديد، المموه، فيما تقوم، رغم ادعاء صلتها بالنص، بإدخال عناصر جديدة تحمل خاتم المصالح.

دليل ذلك، رفض السلفيين الجدد التقليد المذهبى اجمالا، واعلاءهم شعار “العمل بالدليل” والاجتهاد الفردى المطلق، وهو ما يظهر فى أفكار السلفى الأردنى ناصر الدين الألباني، ومن قبله ابن القيم الجوزية الذى دعا عامة المسلمين إلى “التحرر” من التقليد.

ويتضح الكفر  بالمذهبية الفقهية راهنا، من خلال دعاوى دراسة الفقه المقارن فى أقسام الشريعة بالجامعات الإسلامية، حيث انتشر الاعماد على أقوال الدعاة المعاصرين، ورد أقوال علماء المذاهب الفقهية المتصلة السند بأصول الشرع، قرآنا وسنة، منذ العصر النبوي، بدعوى أنها من مظاهر الكهنوتية والابتداع فى الدين.

وامتد رفض التقليد المذهبى ليطول ابن حنبل، من مثل الانتقاد الذى وجهه الألبانى لسلفية ابن عبد الوهاب، بدعوى أن اتباع المذهب الحنبلى هو عين التناقض من المنهج السلفي، اعتبارا من أن الوهابية ترفض التمذهب الفقهي. كذلك أدى اعتماد مبدأ الاحتساب (الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر) إلى توسعة المجال الدينى وتشظى توجهاته، وهو ما أنتج عدم اتساق الفتاوى والأقوال مع مقتضى المنهج التراثى الشرعي، واستبداله بمعايير فضفاضة، لا تضبط أهلية الاجتهاد ولا نتائجه، فكانت فوضى الفتاوى والخلافات العقيدية الطائلة، التى يرجع مردها إلى مشرب الداعية الفكرى وخلفيته الاجتماعية والثقافية.

وتكاد هذه السلفية المراوغة تنطبق، والى حد كبير، على خطاب السلفيين الجدد، الذى يبتعد عن الاتساق مع منهجه النصى التقليدي، حين يتحدث عن “تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والبيئات والعوائد”، ووصفه لهذا المبدأ بأنه “عظيم النفع جدا”، وهو ما يهز ثبات العموم والإطلاق اللذين قررهما المنهج السلفى لسلطان النصوص والمأثورات.

والأمر هنا أرب إلى توليد نسخة سلفية منتحلة، يمكن وضع اليد على أبعاد ثلاثة لها: موروث يتمثل فى الرجوع إلى بعض مفردات السلف على هيئة استحضارات تخلو من العمق الذى قدمه الرواد، ومنقول تشكل عبر الخطوط العريضة للوهابية، تلك التى وجدت الجماعة السلفية الرهانة مصلحة فى تبنيها، ومنصوع ابتدعته هذه الجماعة، ويظهر فى البضع من طبعات جديدة لكتب التراث الإسلامي، مثل (تفسير الجلالين) و(تفسير الألوسي)، كتب أرخى فى علم التوحيد تحديدا، جرى الاعتداء على متن كل منها، واستبدال ما فيها من آرائه وتفسيرات ومفاهيم وسطية معتدلة، بآراء وتفسيرات وهابية، يتم إسقاطها عليها بشكل يشوه تجلياتها الحقيقية، بما يوحى للقارئ العادى بان آراء السلفية الوهابية يقول بها كبار المفسرين، خاصة أن الطبقات الأولى من هذه الكتب صدرت عن الأزهر.

وبهذه الكيفية، يعتمد الخطاب على استراتيجية التعمية، بحذف وإضمار كل ما يبتعد عن “بضاعته” بواسطة ترقيم البدايات. بالقدر الذى يجعل من إعادة صــوغها الراهن استمرارا لها أو بتعبير الفيلسوف الفرنسى المعاصر جان بودريار J. Baudrillard “المحاكمة الزائفة” Simulacre، وتلك عملية لا تؤدى إلى إمكانية حصول تركيب مخصب ومبدع لمرجعيات الخطاب السلفي.

وهنا يضحى الاختلاف حول مرجعيته لدى السلف مقنعا ترتسم على أنقاضه ذهنية الدهاء، قصد إنهاء دور المعتقد لتبدأ سلطة السياسة.

وعلى ما يذكر عالم الاجتماع الفرنسى بيير بورديو P. Bourdieu فإن الرأسمال الرمزى بمختلف تجلياته فى الأنماط الثقافية المتعددة (الدينية، اللغوية، الأدبية، العلمية، الإعلامية، الشعبية..) يلعب دورا أساسيا فى تكريس علاقات التكوين الاجتماعي وإعادة إنتاجها.

ويتم ذلك ، استيحاء من مبدأ رئيسى فى علم اجتماع المعرفة، يذهب إلى أن كل نفوذ يتمكن من أن يفرض معانى معينة بصفتها معانى مشروعة، عن طريق تمويه علاقات النفوذ التى هى أساس قوته، يكون بذلك قد جمع قوته الرمزية الخاصة إلى جانب علاقات نفوذه، وهو ما ينطبق على الخطاب السلفي، حيث تبدو أية محاولة للخروج عن دائرته مقرونة بالمروق والكفر بالسنة وتراث السلف الصالح، وهو ما يوجب ضرورة التمييز بين خطاب السلف الأول، الذى استهدف تأكيد الهوية الإسلامية، وتطهير المعتقد من شوائب علقت به، كما ورد لدى “أهل الحديث” وأهل “السنة والجماعة”، وبين خطاب السلفيين الجدد، بين محطتى الإرسال والاستقبال، بين المقدمات والنتائج الحالية، المذهب والتكوين، المعرفة والتاريخ، وهو ما عاينه المؤرخ البريطاني، السكندرى المولد، إريك هوبزباوم E. Hobsbawn فى تمييزه بين التراث و “اختراع التراث” Inventivng Tradations

إنه التمسك ببعض من تليد “السلف” مع التلاعب بحيثيات الولدي، ما يعنى أنه ليس تجسيدا لهذا التقليد، بقدر ما هو توظيف سياسى له، وهو ما يفسر رفض خطاب السلفيين الجدد لجهود العلماء والفقهاء المسلمين فى علم الكلام وعلم الأصول ونتاج واسع من الفكر الصوفى الإشراقي، بما سيؤدى إلى التسليم بتباين الآراء، ومن ثم التوافق مع المفارق لدعاواهم، وفى الأهم معارضه التجديد الدينى بذريعة عدم خدش نقاء الإيمان، وينزل به من عليائه، حيث التجديد يفتح آفاقا نظرية ورؤية جديدة للعامل والمستقبل.

وهو بهذا الفحوى، يرفض أى بديل إسلامى آخر، يتخذ مسميات التجديد أو الاصلاح أو الاجتهاد أو التحديث أو الإبداع، فالتجديد قد يفتح آفاقا لمعنى النص المؤسس بما يقربه من التأويل، فيما  كل من الإصلاح والتحديث والإبداع ينزع “سحر” الماضى السلفى ضمنيا، ما يعنى ان الدواعى كثيرة لخطاب السلفيين الجدد كى يرفض هذه المصطلحات ويحسن منها، بالنظر إلى أنها تدل على خطاب مفارق له، وكما فها تتناول أمور العقيدة بصيغة مخالفة.

ويتم ذلك اعتبارا من أن الصلاح والكمال قدمنا فى السابق مرة وللأبد، ما يعنى أن ما قدمه السلف كان لمواجهة أية نازلة، وما عداه بدعة تخالف الكتاب والسنة وما أثر عن الصحابة. والهدف هو أن يلزم المسلمون حدود ما قيل وما سبق، فلا يتعدون إلى الاختلاف أو التجديد. وجلى أن هذا “الاتباع”يخدم مصلحة محتكرى الدين، أو الأوصياء على الإيمان.

وقد فرضت عليه هذه  الحيثيات، أن يضحى خطابا عصبويا، منكفئا على عشيرة، وشموليا، يختزل الثقافة فى المعتقد، والتواصل فى المقارعة، فيسوق الادعاء بكفايته، وغناه عن الحاجة إلى معارف غيره، ملتزما فى ذلك أساليب الإقصاء والتكفير، والتطرف والغلو، على خلفية أنه الخطاب الأوحد، المغلف بالقطيعة، وصورية المنطق، وطمأنينة الاكتفاء. ساعد على ذلك، فشل مشروعات إسلامية أخرى، تواتر ظهور معظمها بين منتصف سبعينات ومنتصف ثمانينات القرن الماضى (اليسار الإسلامي، الإسلاميون المستقلون، تجديد أصول الفقه، العالمية الإسلامية الثانية، إسلامية المعرفة، مشروعات إعادة قراءة التراث..)

ورغم ادعاء السلفيين الجدد بهذا الاكتمال، قامت توجهاتهم على تخطيف ملامح المعتقد الإسلامي، وتشبيح كيانه، وسجنه فى تصور قار، إلى درجة صيرته أشــبه بتلك “الكتلــة المعتقدية الناجزة”، التى تحــدث عنهــا جــابرييل لوبرا G. Le Bras، والموجودة “وحيدة فى الخلود” كما قال عنها موريس هاليفاكس M. Halbwachs  .

يوضح ذلك، اكتفاء هؤلاء السلفيين الجدد بتثبيت توجهاتهم، والاستغراق الكامل فى الاطار الصورى الذى ينظمها، على نحو غدا معه هذا الاكتمال نهاية مطلقة لهذه التوجهات لا يمكن تجاوزها، وهو ما يفسر اعتماد جهدهم على مجرد الاجترار، ورفض البديل، واستئصال المختلف، وإقصاء المغاير، وكلها مساع تصب فى تكريس مشروع سياسي، يمتلك هيمنة ثيولوجية وأبوية.

والمفارقة هنا، أنه، ونظرا لطبيعة السلفية المتعددة القوميات الراهنة، بدت قضية فلسطين قادها متأخرا على جدول أعمالها.

وبهذه الخاصيات، تقوقع الخطاب السلفى فى عالم “القول المغلق” وتم النظر، فى أحيان، إلى الاختلاف معه، لا على أنه حول قراءة النص المقدس، بل باعتباره اختلافا مع هذا النص، فيما الخطاب السلفى هو  وحده المطابق للنص.

ومع ذلك ورغمه، يلقى هذا الخطاب، فى الوقت الحاضر، حضورا لافتا داخل إحداثيات السياق المجتمعي، والمشاركة فى فعالياته، بل تأسيسها أيضا. مستخدما فى ذلك آليات متعددة (تسجيلات صوتية، مطبوعات، قنوات تليفزيونية، إنترنت…)، عبر مؤسسات تابعة للجماعة (مساجد، كتاتيب، مدارس، معاهد لإعداد الدعاة..) وهو ما لا يشير إلى قوة الخطاب السلفى فحسب، بل إلى قدرته على النفاذ والتوغل بين ثنايا طوائف وفئات خاصة أثقلها البحث عن رزق شحيح، وفرصة عمل رث، وتضخم العشوائيات، وأضحت مؤهلة إلى دغدغة مشاعرها بنصوص رقائق غير محققة، أو غير خاضعة إلى آليات التحليل والتأويل، فيما يضفى دعاة هذا الخطاب على أنفسهم صفة القاضى والمشرع والمفتى وصاحب الأمر والنهى والقمع على متلقيهم من البسطاء. وبهذا المقتضى، يتمتع الخطاب السلفى ببساطة وسهولة واتساق، يناسب طوائف وفئات مختلفة، يصعب على الأيديولوجيات الإسلامية الأخرى اختراقها، كما يتناسب وحالة الاغتراب التى صنعها الواقع المشوه والعجز عن فهم هذا يتناسب وحالة الاغتراب التى صنعها الواقع المشوه والعجز عن فهم هذا الواقع، إضافة إلى أنه يهب متلقيه إمكانية مذهلة للقفز على الواقع، والعودة إلى أصل متخيل هو “زمن السلف الصالح”.

والأمر هنا يتعلق بأن اللحظة التى نعيشها، توجب فتح ملف السلفية بعيدا عن رطانة الأيديولوجيا ولغتها المتصلبة، وألا تتعاطى معها على وقع معارك الشارع السياسى والثقافي، فيما اللحظة الآنية سلفية بامتياز، والزمن القادم، وإلى وقت قد يطول، هو زمن السلفية كما تنبأ الراحل حسام تمام، وإن تحدث الانثروبولوجى البريطانى ارنست جلنر E. Gellner عن الجوهر السلفى المأزوم فى التاريخ الإسلامي، والذى يصعد دوما فى أوقات التأزم كثورة فائرة، سرعات ما تبرد وتنتهى عند الانتصار أو ربما القمع.

وربما لهذا، كتب السلفى المصرى المعاصر سيد العفاني، تحت عنوان “أيها السلفيون فى العالم… اتحدوا”، مطالبا التيارات السلفية بأن تعيد النظر فى آلية تكوين الولاءات والعداوات فيما بينهما، مع إعادة النظر فى الخطاب الدعوى السلفى على ضوء التطورات والتغيرات وحسن التفقه فى الواقع، وتناول القضايا السياسية بعمق وتبصر.

والبادى أن هناك أولويات وآفاقا، بحاجة إلى مداومة النظر فى تطويع خطاب السلفيين الجدد لمقتضيات الدولة المدنية، عن طريق إعادة إنتاج المتن الذى خلفته المقولات التراثية لهذا الخطاب، ووضعه على محك كشف علاماته وإيحاءاته المضمرة، وغدارة نقاش يزعزع أرضية المصادر اللانصية التى اعتمدها، مع ضرورة الانشغال بطرح سؤال التجديد حول الخطاب الديني، وتفعيل دور الأزهر.

ويظل السؤال الذى يتشظى به الحديث عن النزعة السلفية ماثلا: هل يمكن لهذه النزعة أن تكون نداء الإسلام إلى العالم؟

 

(1)  ماكسيم رودنسون: الماركسية والعلام الإسلامي، ترجمة كميل داغر، بيروت، دار الحقيقة، 1984، ص 77-79.

(2)  محمد حامد عبد الوهاب، مرجع سابق، ص 83.

(4)  إريك هوبز باوم: عصر التطرفات- القرن العشرون الوجيز (1914- 1991)، ترجمة فايز الصباغ، بيروت، المنظمة العربية للترجمة، ص 71.

(7)  رول مييير (تحرير)، مرجع سابق، ص ص 247- 249.

(9)  سيد بن حسين العفاني ، خميني العرب حسن نصر الله والرافضة الشيعة، مرجع سابق، ص 669-673.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 813 بتاريخ 2 فبراير 2016