رنة العود شدوها وصداها/ حنة الناى أو أنين الكمان/ خلقت آهة فكانت عزاء/ من هموم الحياة والأحزان/ وجرت دمعة فكانت شفاء/ للمعنى ورحمة للعانى/ وسرت انة فكانت غناء/

أم كلثوم

 

 

رنة العود شدوها وصداها/ حنة الناى أو أنين الكمان/ خلقت آهة فكانت عزاء/ من هموم الحياة والأحزان/ وجرت دمعة فكانت شفاء/ للمعنى ورحمة للعانى/ وسرت انة فكانت غناء/ يطلق الروح فى سماء الأمانى/ وبرأها الخلاق من خفة الـ/ ظل ومن رقة النسيم الوانى/ وترا مطرب الحنين اغنا/ ولهاة كالخالص الرنان/ ترسل الشعر منطقا عربيا/ بين الآى واضح التبيان/ تتناغى الألفاظ فيه من الـ/ نطق سليما وتستبين المعانى/ فإذا صورة تجلت إلى الـ/ عين وغابت فى مستقر الجنان.

هذه صورة عابرة لتلك القمرية الساحرة التى تملأ الشرق طربا وأدبا، عرفتها فى مستهل حياتها الغنائية بالقاهرة يسمعها ألف ينصتون إليها فى استغراق، فتحملهم على أجنحة الطرب إلى حيث تسبح الأرواح، وتتناجى القلوب  وظللت اسمعها إلى الآن فما وجدت أعذب منها صوتا ولا أمد نفسا، وما لقيت أسلم منها أداء ولا أشد اخلاصا للفن.

يعرض عليها اللحن فتقول لصاحبه:«اسمعنى» وتسمعه وهى مقبلة على هذا الجديد من النغم وفى وجهها إشراقة السرور، وتظل تنصت إليه ساكنة، ثم تقول له: «اسمعنى» وتسمع وفى صدرها هدير النغم وعلى شفتيها غمغمة الخالى بنفسه، ثم تقول له: «اسمعنى» وتغنى معه بصوت خافت لا يقطع عليه انطلاقه فىالغناء، ثم تنظر إليه وهى تقول: «الآن اعزف أنت وأغنى أنا» ثم تغنيه وحدها وهو يعزف، فما تند عن الأصل قيد شعرة، وقد تضيف إليه من ألوان صوتها الغنية ما يزيده عذوبة وحلاوة.

بدأت حياتها الغنائية تنشد القصائد من غير آلة تفتح لها باب النغم، أو تضبط لها الإيقاع أو تسير معها فى الطريق إلى المقام، لكنها أخذت وهى مبتدئة تتعلم العود والطبقات، وكان لها على كثرة اسفارها وقت وقفته على الدرس، وهى بعد ذواقة دقيقة الاحساس تفطن إلىالخفى من الجمال فى القول الكريم واللحن الرخيم، فلا تكتم عن صاحب اللحن اعجابها بما أبدع ولا تخفى عنه رغبتها فى إطالة أو مد، أو ميلها إلى سبيل جديد لاستقرار النغم، وأحسب أن الملحن لها يقتبس من فرط اعجابها وحسن أدائها شيئا جديدا يضيفه إلى ما أبدع.. وهى شديدة الإخلاص لهذا الفن.

سهرنا ليلة نسمعها حتى امتد بنا السهر إلى آخر الليل، وطوى بساط الطرب وقمنا وكلنا من غنائها ريان، فسألتها وقد بدا على وجهها السرور بالغناء والاستماع: ماذا تريدين الآن؟» قالت:«أريد صحبة من خيار سامعيكم أظل اغنى لهم حتى ينبلج الصباح».

ورأيتها تغنى ذات ليلة وعلى وجهها مسحة الاعياء وفى صوتها نبرة الوهن، وأسرعت فى فترة الاستراحة اطمئن عليها فوجدت طبيبها يقول:« كفاك الليلة غناء» وهى تقول: «لا يسرنى أن يهرع الناس إلى من كل صوب ثم احرمهم متعة سماعى» ورأيت الطبيب يعد لها حقنة تعينها على الوقوف ساعة وهى تشكو المها غناء عذبا وطربا فياضا.

وهى مخلصة للفن تشرف بنفسها على كل إعداد للتسجيل، من مراجعة لآلة كل عازف، ومن نقص لآلة كل مهندس لا يخرج للناس من صوتها صدى إلا إذا مر على أذنها الدقيقة فرضيت عنه، وهى فى هذا تقول:«ألست اسمع قبل أن أغنى؟» وهى مخلصة للفن فى صبرها على مقتضياته، تحدد موعد العمل فتكون أول الحاضرين وآخر المنصرفين، وتصبر فى سبيل ذلك على العطش والجوع، ولا تنال آخر الأمر من الطعام إلا ما لا يسمن ولا يطعم من جوع.

وتقف أمام الأضواء الحامية عندالاشتغال بالسينما حتى ينصهر جسدها وتدمع عيناها وهى لا تشكو ولا تتبرم، حتى إذا انتهى العمل على ما ترضى انتجت ناحية قصية وجلست فى الظلام مطرقة الرأس مغمضة العينين، تعود بنفسها رويدا رويدا إلى ظلها المأنوس، وهى لا تريد فى كل ذلك جزاء ولا شكورا إلا علىالذى تستحقه أمام نفسها.

تغنى فى بعض الليالى غناء لا يرضيها وان أرضى سائر الناس ويهرع إليها المعجبون يكيلون لها من آيات المدح ما وسعه تقديرهم، فإذا بها تقول:«لا تخدعونى» ويعرض لها الإبداع فى بعض الليالى فأسمعها تقول لنفسها: «آه» فى صوت خافت يغيب فى ثنايا النغم، وهى سريعة الهشاشة إلى الطرب، تبدأ الآلات تتنغم وتتزن فيذهب بها وتغيب نظرتها في الأفق البعيد، وكأن قوامها المنسرح عود من البان يترنح فى كف النسيم ولولا أن ثوبها الفضفاض يخفى حركات جسدها الرقيق لرأيت كل جارحة فيها تتلوى من الطرب، وقد تغنى ويأخذها الطرب فيغيم الدمع فى عينيها وتحار حباته بين جفنيها، فلا تمد منديلها تكفكفه وإنما تشربه من مما فيها قطرات خفية، ولها فى ليالىالغناء رأى تراه.

أسألها قبل البدء:« ماذا تغنين الليلة؟» فتقول:« أصبر حتى ألقى نظرة من  خلال الستارة علىالسامعين» ثم تلقى النظرة فتفهم روح الجمهور الحاضر، وتسقيه من شراب اللحن ما يهواه، وهى فى كل ذلك لا تستعين بشىء اللهم إلا فنجانا من القهوة تأمر بإعداده إذا تهيأت للخروج إلى الغناء، ثم تلبس فى غير بهرجة، ويحين موعد انطلاقها إلى ساحة الطرب فتجلس ناحية تشرب ذلك الفنجان، وقد أصبح باردا لذا الشاربين.

وهى سليمة الذوق فيما تعمل ترى الشىء الجديد عليها فتفطن إلى حسنه سواء كان ذلك حديثا شهيا أو رأيا سريا، كنت أقرأ القصيدة الجديدة فيأخذنى منها بيت فريد، ثم نتقابل فأسألها عما يروقها فى القصيدة، فتشير إلى الذى راقنى وملك على إعجابى.

وقد وهبها الله ملاحة فى التعبير عند الغناء، فوجهها أبدا باسم إلا إذا غشيتها غاشية الحزن وهى تغنى، ولكنها فى ذلك أملح وجها وأجمل تعبيرا، ورحم الله ابن الرومى حيث يقول: تتغنى كأنها لا تغنى من سكون الأوصال، وهى تجيد لا تراها هناك، تجحظ عين لك منها ولا يدر وريد، أى هى شىء لا تسأم العين منه، أم لها كل ساعة تجديد.

وهى باهرة الذكاء بعيدة النظر تدب إلى القول قبل أن يخرج من شفتى قائله، حاضرة البديهة ترد الدعابة بأحسن منها وتعقب عليها فلا تترك ناحية من ناحيها لا تبدع فيها معنى جديدا أو جناسا جميلا، وقد يشتاق من يسمع غناءها إلى هذه الدعابة شوقه إلى سماع صوتها الساحر.

أما مودتها فى القربى فأمر ينم عنه حدبها على الأهل والأصدقاء. لا يمر العيد على من حولها إلا إذا اطعمتهم شهىالمأكل وألبستهم بهى الثياب، ولا يشكو أحدهم خلة أو مرضا إلا مدت إليه يدا مواسية، وقد بلغ من برها بأهل بلدها أن سعت إلى تعمير مسجده وإقامة مئذنته، فأصبح لها على لسان كل مصل دعاء وتمجيد.

وهى فوق كل هذا شديدة الإيمان تبدأ كل شىء باسم الله وتنتهى منه بحمد الله، راسخة اليقين تعلم أن توفيقها لفضل من الله يؤتيه من يشاء وهى تحمده على ذلك فى كل حين ويرضى عنها فترضيه بالإخلاص فى العمل والثبات على اليقين.

 

أحمد رامى

من أرشيف الهلال نوفمبر عام 1947