محمد عبد النبي أى حياءٍ هذا؟   يقدّم أحمد ناجى نفسه على الغلاف الخلفى لروايته استخدام الحياة كالتالي: “مواليد برج العذراء 1985. نشر روايته الأولى “روجرز” عام 2007، ترجمتْ للإيطالية.

أى حياءٍ هذا؟

محمد عبد النبي

أى حياءٍ هذا؟

 

يقدّم أحمد ناجى نفسه على الغلاف الخلفى لروايته استخدام الحياة كالتالي: “مواليد برج العذراء 1985. نشر روايته الأولى “روجرز” عام 2007، ترجمتْ للإيطالية. وبعدها فشل فى تعلّم رياضة القفز بالحبل. فانصبّ تركيزه على العمل الصحفى حيث أسس مجلة وصلة وعمل فى الصحافة المكتوبة والأفلام الوثائقية داخل مصر وخارجها”. أحمد الآن فى السجن، بعد حكم بالحبس سنتين، واجب التنفيذ، لأنه نشر فصلًا من روايته هذه، فى جريدة أخبار الأدب، مع تغريم رئيس تحريرها طارق الطاهر عشرة آلاف جنيه. وماذا بعد؟ هل هذه نهاية أم بداية؟ هل نهاية للروح الساخرة الشجاعة والواضحة فى سطور تقديمه لنفسها أم بداية لروح أخرى غريبة علينا جميعًا؟

تهمة ناجى وطارق هى خدش الحياء العام، لكن أين هذا الحياء أصلًا؟ ألا تخدش الحياء العام جرائم الشرطة بوتيرتها اليومية ضد المواطنين؟ وفيديوهات الإساءة والضرب والسب؟ ألا يخدش الحياء العام مناظر المتسولين وأطفال الشوارع؟ ألا يخدشه الوعود الزائفة عندما تقدّم وعندما تُنكر؟ ألا يخدشه إعلاميون كذبة سود الوجوه متسخو الألسنة؟ وماذا بعد؟ هل انتصر هذا الحُكم حقًا للحياء والأخلاق والفضيلة؟ هل سيستريح قلب المواطن الشريف الذى رفع الدعوى أم سيواصل حملات تفتيشه فى الصحف والمجلات عن متهورّين آخرين غير ناجي؟ إلى أن يرتعش كل قلم قبل أن يكتب حرفًا، إلى أن تُطمس كل نكتة وكل مزحة وكل خيال لا يخضع لمعايير الخلق القويم التى يحميها القضاء والدستور.

الحمد لله، على الأقل لأننا جميعًا صرنا الآن فى نفس المركب، لا فرق بين طبيب يتعرّض للاعتداء عليه فى أثناء أدائه لعمله وسط ظروف غير إنسانية بالمرة، من بعض رجال الشرطة الذين يعرفون أنهم فوق الناس وفوق القانون، وبين سائق أرزقى خرج من بيته على باب الله لتقتله رصاصة أمين شرطة غاضب لكرامته لأنه طالبه بدفع الأجرة، وبين كاتب شاب أرادَ أن يخرج من الطابور المنتظم والمضجر لتاريخ الكتابة فى لغته العربية ويقدّم شيئًا مختلفًا، أرادَ أن يؤدى ما يحبه ويحترمه حقًا، فحكمنا عليه بالحبس لأن يخدش الحياء العام وكأنه صوّر فيديو إباحيا ونشره على الانترنت.

ماذا تبقى لنا الآن؟ هل سيحرقون كتبنا فى الميادين، تمهيدًا لحرق الكتّاب أنفسهم، بعد فترة؟ هل كنا مذعورين فعلًا من الحكم الاستبدادى باسم الدين؟ تغيرت الوجوه والأسماء وحسب، لكن السيناريو هو نفسه، والكابوس منعقد فوق رءوس الجميع. أى رسالة يبعثُ بها هذا الحكم لكل شاب يحلم بتحقيق ذاته وكل أب يربى أولاده على الحرية والتفكير والشجاعة؟ الرسالة الوحيدة الواضحة هى اخرسوا، اكتموا أفواهكم، لكى تعيشوا وحسب، عيش الأنعام، إن استطعتم أساسًا، ولم يقيّض الله لكم أمين شرطة غاضبا ليخلصكم من أسر هذا الكابوس.

إن إرهاب الناس فى الشوارع ليس منفصلًا بالمرة عن إرهاب الكتاب والمبدعين بالحبس وقوانين الحسبة وازدراء الأديان، وإذا سكتنا على ما يحدث اليوم فلنستعد للمزيد منه غدًا وبعد غد، ألم تعلمنا التجربة أن الفرعون لا ينهض إلّا على ظهور الخاضعين وأن عاقبة الصمت أفدح كثيرًا من عاقبة الصراخ بأعلى صوت، مثل الطفل فى الحكاية القديمة، الذى رأى عُرى الإمبراطور فأعلنها ببساطة: الإمبراطور عار؟ هل لنا ببعض براءته وشجاعته؟ أضعف الإيمان أن نواصل ممارسة حريتنا بكل بساطة، وألّا ننسى ناجى وغيره من عشرات المغدورين لأسبابٍ متنوعة، فى ظل نظام يسعى للانتحار فى تصميم جنوني، رغم الشعب الذى اطمأن له وصدّقه وما زال يمنحه الفرصة بعد الأخرى، بلا جدوى فيما يبدو.