أسامة عبد الفتاح يكتب «العائد من الموت».. يا عزيزى كلنا همجيون   مع اقتراب حفل توزيع جوائز الأوسكار الأمريكية رقم 88، والذى من المقرر إقامته مساء الأحد المقبل على

a3203dce-9444-4e74-8851-046d1239ae62_16x9_600x338

 

أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح يكتب

«العائد من الموت».. يا عزيزى كلنا همجيون

 

مع اقتراب حفل توزيع جوائز الأوسكار الأمريكية رقم 88، والذى من المقرر إقامته مساء الأحد المقبل على مسرح «دولبي» فى مدينة هوليوود بولاية كاليفورنيا، يستعد صناع الفيلم الأمريكى «العائد من الموت» للفوز ببعض أو معظم الجوائز الـ12 التى رُشح لها، ومنها أفضل فيلم ومخرج وممثل.

الفيلم تحفة أخرى من صانع التحف السينمائية المخرج المكسيكى أليخاندرو جونزاليس إينياريتو، صاحب «بيردمان» الفائز بجائزتى أوسكار الإنتاج والإخراج العام الماضي، وأيضا صاحب «بابل» و«بيوتيفُل» وغيرهما، والذى يصر فى كل عمل على تقديم ما لم يسبقه إليه أحد تقنيا.

160114145019_oscar_640x360_tcfox_nocredit

تحقق ذلك الإبهار التقني، الذى يقترب من حد الإعجاز، فى النصف الأول من الفيلم، الذى يُعد من أفضل ما أنتجه فن السينما عبر تاريخه على الإطلاق، والذى يتجاوز أى محاولة حتى للتساؤل عن كيفية صناعته وتصويره وكيفية عمل «الجرافيك» والخدع وغيرها، ولا يترك للمشاهد سوى الدهشة والانبهار.

لتحقيق هذا التفوق البصري، الذى شاركه فيه مدير التصوير المكسيكى العبقرى إيمانويل لوبيسكي، صاحب جائزتى أوسكار التصوير فى العامين الماضيين عن فيلمى «جاذبية أرضية» و«بيردمان» على الترتيب، والذى يقترب من الفوز بالجائزة الثالثة على التوالي، وجد إينياريتو ضالته فى موضوع شديد الصعوبة والتركيب قائم على أحداث حقيقية، وقائم جزئيا على رواية «العائد: قصة انتقام»، تأليف مايكل بانكي.

نحن فى عام 1823، فى أوائل القرن التاسع عشر، بعد 47 عاما فقط من إعلان الاستقلال الأمريكي، أى فى بدايات إنشاء حضارة أرض الأحلام.. والمكان: الصحراء الجليدية الوعرة بالسهول العظمى الواقعة على الحدود الشمالية الباردة للولايات المتحدة، قرب ما يُعرف الآن بولايتى داكوتا الشمالية وداكوتا الجنوبية.

 

تشريح قاس لحضارة قامت على العنف والانحطاط.. ونصف الفيلم الأول من أجمل ما أنتجه فن السينما

 

وسط هذه الظروف الصعبة، يدور صراع شديد التعقيد على عدة مستويات: فلدينا من ناحية الغزاة الأنجلوساكسون، ومن ناحية ثانية الغزاة الفرنسيون، ومن ثالثة السكان الأصليون من الهنود، الذين تمثلهم هنا قبائل «أريكارا»، وكلهم يتقاتلون ويتحاربون فى صراع دموى مرير ومنحط من أجل بسط السيطرة والنفوذ، والأهم: من أجل المصدر الذى يبدو وحيدا للحصول على المال، وهو فراء الحيوانات، فمعظم الشخصيات من الصيادين الذين اعتادوا القتل وأجادوه وألفوا منظر الدماء للفوز بطعامهم وكذلك الحصول على ما يتاجرون فيه ويكوّنون بفضله الثروات.. وهناك بالطبع صراع الجميع مع الطبيعة القاسية وبرودة الطقس والمشاعر أيضا.

وقبل ذلك كله، هناك صراع كل فرد من أجل البقاء فى بيئة لا ترحم ووسط أناس لا يرحمون، البقاء الذى يهون لضمانه كل شيء، وتُبرر لخاطره كل خطيئة، وتُرتكب لتحقيقه كل الجرائم والموبقات.. تلك الغريزة التى تحوّل البشر أحيانا – ولا أريد أن أقول دائما – إلى حيوانات مفترسة تحركها الغرائز فقط ولا تمانع فى عمل أى شيء لتستمر على قيد الحياة.

20151220194706

 

وقد ركّز الفيلم على تلك الفكرة فى العديد من المشاهد، أحدها يتحول خلاله البطل ومنقذه إلى وحشين بالفعل حين يلتهمان لحم إحدى الفرائس نيئا مثل الذئاب المفترسة بالضبط.. ويصرّح إينياريتو ومساعدوه بالفكرة بشكل مباشر حين يقتل الغزاة الفرنسيون منقذ البطل ويعلّقون جثته فوق شجرة وعليها لافتة تقول: «كلنا همجيون».

هكذا يُشرّح إينياريتو ويُفنّد الأسس المشوهة التى قامت عليها الحضارة الأمريكية، وكيف ارتفعت فوق جثث الأبرياء والمظلومين، وازدهرت بالعنف والدموية وإعلاء القيم المادية والانتهازية.. وقد تعمد كسر الإيهام فى لقطتين بالعمل – نهاية النصف الأول ونهاية الفيلم – ليقول للمشاهدين، خاصة الأمريكيين، بشكل مباشر: هذا هو أنتم، وهذا تاريخكم.

 التشابه مع أعمال تاركوفسكى يتجاوز التأثر.. ودى كابريو يتجه للفوز بالأوسكار الوحيد الذى لا يستحقه

 

وإلى جانب هذه المستويات من الصراع العام، هناك صراع بطل الفيلم «هيو جلاس» – وهو شخصية حقيقية أداها ليوناردو دى كابريو باذلا مجهودا كبيرا – مع غريمه وزميله السابق فى حملة الصيد «جون فيتزجيرالد»، وهو حقيقى بدوره وجسده باقتدار توم هاردي، حيث يسعى «جلاس» للانتقام منه بعد أن قتل ابنه وتخلى عنه هو شخصيا بتركه شبه ميت وسط الجليد إثر تعرضه لهجوم دبة ظنته يريد الاعتداء على دَيْسَمَيها.

تم ترشيح الرجلين لجائزتى أوسكار التمثيل، الأول فى فئة أفضل ممثل والثانى فى فئة أحسن ممثل فى دور مساعد، ويبدو أن فوز دى كابريو بأول أوسكار فى حياته أصبح محسوما، لكنه سيفوز للأسف بالجائزة عن دوره الوحيد الذى لا يستحق.. صحيح أنه بذل مجهودا كبيرا كما أشرت، لكنه مجهود جسدى أو فيزيقى فقط، وليس مجهودا يتعلق بالأداء التمثيلي، الذى من المؤكد أنه بلغ فيه مستويات أعلى كثيرا فى العديد من أدواره السابقة.

160120191109_film_review_the_revenant_640x360_20thcenturyfox_nocredit

لا شك أن إينياريتو، المعروف بتأثره بالمخرج الروسى الكبير الراحل أندريه تاركوفسكى (1932 – 1986)، قدم قطعة حُلى سينمائية، لكن تأثره هذه المرة بتاركوفسكى وصل إلى حد دفع السينمائى الروسى «ميشا بتريك» إلى إعداد فيديو – موجود على «يوتيوب» لمن يريد – يرصد فيه 17 لقطة فى «العائد من الموت» تكاد أن تكون مأخوذة بالكامل من أعمال لتاركوفسكي.. وقد شاهدت الفيديو، ورأيى أن المسألة تتجاوز بالفعل التأثر وتوجيه التحية، وتدخل فى نطاق الاقتباس التام، فهل لدى إينياريتو وعشاقه تفسير؟