حوار: إسلام أنور – سامح فايز _____________________________ لماذا اخترت أن يكون مشروعك الأدبى هو الرواية القصيرة؟ وكيف ترى تطورها عربيًّا وعالميًّا؟ الكتابة بهذا الشكل لم تكن اختيارًا، لكن شكل

علاء الديب

 

حوار: إسلام أنور – سامح فايز

_____________________________

لماذا اخترت أن يكون مشروعك الأدبى هو الرواية القصيرة؟ وكيف ترى تطورها عربيًّا وعالميًّا؟

الكتابة بهذا الشكل لم تكن اختيارًا، لكن شكل الكتابة تطور حتى وصل إلى ذلك، لقد خرجت للكتابة من داخل العمل الصحفي، وكان الشكل الملائم للنشر فى الصحافة هو ذلك الشكل، ثم تطورت المسألة وأصبح اختيارا متعمدا، لأنى رأيت أن هذا الشكل يضمن أكبر قدر من التواصل مع القارئ، ويعطينى الفنية والإحكام اللذين تمتاز بهما  القصة القصيرة، مع الرحابة والاتساع اللذين يميزان عالم الرواية، لذلك رأيت أن الرواية القصيرة لها قدرة الجمع بين هذه المميزات فى قالب واحد، مع التأكيد أنه فى البداية لم يكن اختيارًا متعمدًا.

أثرت نكسة 67  فى أبطالك بشكل جعلهم أشلاء محطمةً تائهةً، كعبد الخالق المسيرى فى «زهر الليمون»، وأمين الألفى فى «أيام وردية»، برأيك هل ما زلنا نعيش تبعات النكسة حتى الآن؟

أعتقد ذلك، وتظهر ملامحها فى عدم التربية السياسية، ذلك أن نكسة 67 أهم ما فيها أنها هزيمة للمشروع السياسي، هزيمة عائدة إلى أنه لا يوجد حزب سياسي، لأنه لا أحد يشتغل فى السياسة، كان الاشتغال فى السياسة خاصًّا بالقادة العسكريين ورجال الحزب الاشتراكي، وأصبحت السياسة معادل الانتهازية السياسية، ولم يعد يوجد السياسى بمعنى الخدمة، والعمل العام، وأصبح مصطلحا “العمال والفلاحون” يقصد بهما عمال الاتحاد الاشتراكي، وفلاحو الاتحاد الاشتراكي.

وحتى الآن لم يقدر أى فصيل أن يقف أمام هذا النمط، ربما الوحيد الذى اشتغل بطريقة فيها اتصال بالناس واتصال بالقواعد هى التيارات الإسلامية.

وأين اليسار من ذلك؟

اليسار استهلك نفسه مبكرًا جدًّا فى خلافاته الشخصية وفى محاولة مواءماته مع السلطة، وهذه المواءمات هى التى زرعت فيه على الرغم من كل مبادأة، فكرة الانتهازية، وأصبح أغلب الأنماط التى بقيت موجودة، أنماطًا من الانتهازيين السياسيين.

هل يمر جيل «ثورة يناير» بما مر به جيلكم عقب النكسة؟

ثورة 25 يناير ما زالت بالنسبة لي مشكلًا غير قابل وغير قادر على تصنيفه، على قدر ما وضعت آمالًا وأحلامًا على حركة 25 يناير، لكن الذى ظل منها هو الإيمان الأساسى بقدرة الشعب المصرى على الحركة. لكن لا بقيت منه قيادات مقنعة ولا حتى أفكار مبررة، مبلورة، جامدة، وصالحة للتطبيق، إنما بقى إحساس أن الشعب أصبح «محدش يقدر يخوفه وأصبح محدش يقدر يضحك عليه» وأصبحت القيادات هى التى تخرج كل يوم من الأرض، فلا توجد قيادات مكرسة، ولا يوجد مفكرون ولا منظرون، أو هكذا يبدو للناس، ويبدو إلى أناس مثلي، كانوا مجرد مراقبين، فأنا لا أدعى أننى كنت موجودًا ولا ذهبت إلى ميدان التحرير، بحكم أننى لا أقدر على ذلك الآن، لكن أولادى ذهبوا، ونقلوا الصورة.

وأعتقد أنه على المدى البعيد ستكون هذه الميزات عنصرًا إيجابيًّا، وان الناتج فى المستقبل سيكون حقيقيًّا جدًّا، سنجد عنصرًا بشريًّا حاصلًا على تربية سياسية جيدة، من أرض حقيقية.

لكن الحلم الأساسى هو المراهنة على حركة المحليات والعمل فى الريف، فنحن لأول مرة نرى الفلاح المصرى يقول رأيه فى كيفية حكمه.

هل علاء الديب متفائل بالمستقبل؟

لا تستطيع أن تكون منتميا لهذا البلد دون أن تكون متفائلًا، هذا بلد «قديم قوي، وعريق، وقوي، وقادر جدًّا و«معادش ينضحك عليه».

تحدثت كثيرًا عن خيانة الطبقة الوسطى، وظهر هذا واضحًا  فى أبطال «الثلاثية»، الدكتور منير فكَّار وزوجته سناء فرج وبعدهما ابنهما، برأيك هل خانت الطبقة الوسطى ثورة يناير، وما السبيل للخروج من هذا المأزق؟

إذا تابعت عن قرب الكتابة التى كتبتها، ولا أقصد الأعمال الروائية، لكن عمومًا، ستعرف أننى أحاول استيضاح فكرة غامضة حتى بالنسبة لى حتى الآن، وهى أن الطبقة المتوسطة مثلما هى خائنة، هى مسئولة عن كل التحققات التى حدثت فى حياتنا، وهذا التناقض أعتقد أنه من طبيعة الطبقة المتوسطة، هى أن تخون الناس، لكنها تخدمهم، فى الوقت نفسه تعطيهم شيئًا، والطبقة المتوسطة عاشت هذه الازدواجية من قبل ثورة 1919، وهى أيضًا التى سلبتها إنجازاتها، وهى التى تركزت فى 1952، وهى التى نخرت عظم 52، وحولتها إلى ثورة تصحيح على يد الرئيس المؤمن أنور السادات. أنا لست فيلسوفًا، لكنى أسعى لرؤية الواقع وإلى فهمه، ثم إن هذه الطبقة هى أنا، فأنا ممثل حقيقى للطبقة المتوسطة بكل عيوبها ومشاكلها وكل ما فيها من خير ممكن للبلد.

لماذا معظم أبطالك يبدون «أيتامًا» بالمعنى المجازى للكلمة، حيث لا ذكر للآباء، أو الأمهات، إلا فى مشاهد قليلة؟

فيما يخص اليتم الأسرى لم أعشه، لكن الفرق الخاص بالجيل، كان شديدًا بالنسبة لي، لأننى أصغر 6 إخوة، أكبرهم الأستاذ بدر الديب رحمه الله، فقد عشت وحدي الطفولة والصبا المبكر، ذلك أن العائلة منشغلة بحياتها، وكنت أنا وحدي، إنما اليتم كفكرة لا أعتقد أنها حاضرة.

أضف إلى ذلك أن أفضل عمل  قربنى من الكتابة، هو «الغريب» لألبير كامي.. فكان شعور الوحدة هو المسيطر على العقل فى بدايات الكتابة الأدبية، فلما بدأت فى كتابتى الخاصة، ألبير كامى «ركب دماغي» ولم أكن وقتها أقرأ الفرنسية، فحاولت قراءته بالإنجليزية، وكانت مسألة صعبة -أيضًا- فى ذلك الوقت بالنسبة لي، فقرأت كامى بالعربية، وأحببته جدًّا، وتأثرت به.

مسألة أكتشفها لأول مرة الآن، إن البعد والقرب من الفلسفة، شبيهان بازدواجية الطبقة الوسطى، فأنت لا تشتغل بالفلسفة، أنت تشتغل أدبًا.

 

علاء الديب .

لماذا معظم أسر أبطالك مفككة والأب فيها مُبعد قسرًا عن أبنائه ؟

إذا رجعت للفكرة الأساسية المسيطرة على كتاباتي، وهى فكرة ازدواجية الطبقة المتوسطة، وجعلتها نافذة ترى من خلالها هذه المشاكل، ستجد أنها أخذت معنى مختلفا عن المعنى الأسرى والأخلاقي، الذى طرحته فى سؤالك، ستجد أنها تأخذ معنى اجتماعيًّا، أضف إلى ذلك أنه فى تلك الفترة التى نشأت فيها كنت منشغلا بالبحث عن أيديولوجية، عن أساس فكرى أتحرك عن طريقه، مغاير للأساس الفكرى الخاص بالطبقة المتوسطة، ومختلف عن الأساس الفكرى الذى منحه لى الارتباط المبكر لسنوات مع الإخوان المسلمين، ثم ارتباطى بعد ذلك لسنوات قليلة مع الشيوعيين، والارتباطان شعرت معهما بنفس الغربة ونفس الرغبة فى الخروج، وتكوين موقف شخصي، ينبثق من هذا المكان وهذا البلد، وهذه الأرض.

للأسف المصطلحات لا تسعفنى الآن، لأنها جميعها، مُضغت، واستُهلكت، فكلمات مثل «نابعة من واقعنا، وطالعة من أرضنا مبقاش ليها معنى. كنت أود لو ملكت الوقت الكافى للاشتغال على الجانب الفكرى للنشأة، وأظن أن هذا سيكون الجزء الثانى من كتاب «وقفة قبل المنحدر»، هو حلم أود تحقيقه، لكن الصحة والجهد إلى جانب أن الحياة أصبحت مجهدة وأصبح التفرغ للكتابة مسألة صعبة، مثلا أملك مشروعين أتمنى الانتهاء منهما، «صيد الملائكة» والجزء الثانى من «وقفة قبل المنحدر».

برأيك هل كان هناك تآمر على مشروع عبد الناصر، ولماذا نجحت الكثير من دول أمريكا اللاتينية فى تحقيق إنجازات حقيقية ومستمرة وبناء دولة قوية فى حين فشلنا نحن رغم تشابه أوضاعنا الاقتصادية؟

أظن أن عبد الناصر كان حلمه وأمله والوهم الذى خلق لديه عندما حصل على محبة الناس «إنه يعملهم حاجة» لكنه فشل فشلًا ذريعًا فى ذلك، رغم المدارس التى أنشأها، والوحدات الصحية.

لكن «البنى آدم نفسه فِضِلْ زيْ ما هو» انظر مثلا للشخص الذى تولى مسئولية التعليم بعد 52، «جمال الدين حسين» لم يقدم جديدًا، ولا فكرًا، لكن مع الوضع فى الاعتبار أن عبد الناصر لم يكن لديه نوايا شريرة، ولا أخفى أننى  أحببت هذا الرجل  وأحببت زعامته ووجوده، لكن لم يكن لديه القدرة الكافية.

وبالنسبة لأمريكا اللاتينية فهناك اختلافات كثيرة بيننا وبينهم، منها، روح الحضارة نفسها، روح الحضارة اللاتينية، فهى مرتبطة بالحياة والحركة، إلى جانب ذلك فالطبيعة مكنتهم من اللجوء فى أول فرصة لحرب العصابات، لكن هنا مع طبيعة الأرض المنبسطة «البوليس يجيبك على طول»، أيضا كان هناك مسألة أظن أنها من أحد الكتب التى كانت مفاجأة لي، كتاب «وزراء الله»، وهم الوزراء الذين أرسلتهم الكنيسة الكاثوليكية لفترة من الفترات لمواجهة أمريكا، قساوسة مبشرون، وثوريون، وهم من كتبوا لاهوت التحرير.

برأيك هل نحتاج نموذجًا مشابهًا؟

الحقيقة، العامان الماضيان «لخبطوا غزل الواحد»، عندنا توجد ماكينات وحشية لصناعة الكذب، الإعلام الذى نشأ فى ظل غفلة نظام عبد الناصر، وفى ظل غباء وجهل السادات ومبارك، ثم توحش هذا الجهاز الإعلامى الانتهازي، وصار قادرًا على تشويه كل شيء، نحن لا نزال نتلقى كل يوم صفعات منه، وكل يوم يغيِّبنا أكثر، ويضللنا أكثر.

كيف نتخلص من سيطرة الماكينة الإعلامية برأيك؟

بالقضاء على الأميَّة، والعمل مباشرة مع الجماهير فى المحليات.. ليس أمامنا حل غير ذلك، «اللى عنده قدرة، واللى عنده عمر ورغبة يعمل حاجة، ينزل يشتغل فى الريف مع الفلاحين».

أشرت للتغيير الحاصل بعد سياسة الانفتاح، وكيف أثرت السياسة الوهابية فى المجتمع، كيف انعكس ذلك على الأدب؟

هو أفسد البقية الباقية من قيم الليبرالية، الحلم الليبرالى الذى لم يكتمل، والذى حاولت مصر خلقه، وخرجت نماذج مشوهة من الأدب والفن خاصة الأدب.

ويظهر هذا التشوه فى كثير من الأعمال التى لا تلمس شيئًا بداخلك كمصرى معاصر، توجد الآن، وتشعر برغبة فى تغيير الواقع من حولك.

إنه يخدعك، أو يأخدك للوراء، أو ينشئ صورًا يقلد فيها «شوية الحاجات اللى عرفها عن الغرب» أغلب المثقفين فى فترة الانفتاح «واللى فيهم شوية رمق راحوا اشتغلوا فى الخليج» أنا أيضا عملت شهرين فى السعودية، ثم رجعت «زى ما أكون أخدت علقة» وقالوا عنى إننى أكبر شيوعى فى مصر، وبهذا السبب طردت منها، مع العلم أنه لم يكن لى علاقة بأى تنظيم منذ 20 سنة.

مَنْ أحب الشخصيات -التى كتبت عنها- إلى قلبك ومَنْ أكثر شخصية تعاطفت معها؟

عبد الخالق المسيري

لماذا؟

هو نموذج اعتمدت فى تكوينه على صديقين عزيزين.

هل ترى عبد الخالق المسيرى ضحية؟

أراه ضعيفًا.

الأسطورة وذكريات الطفولة كانت حاضرة بقوة فى ذاكرة عبد الخالق المسيرى برأيك كيف تؤثر علينا طفولتنا؟

أعرف صديقًا، أستاذًا كبيرًا الآن، ما زال إلى الآن يتذكر البيت الذى نشأ فيه بقريته الريفية، كان يظل طوال الليل يرى الحمير ترتفع، وعليها ناس تكبر، ثم يدخلون عليه البيت، لدرجة أنه يفقد النطق، وحتى الآن هناك مشاكل فى التعبير لديه، الأسطورة هذه جزء من تكوين بنى آدم، حلم، على أسطورة، على جزء من الطفولة، على جزء من المخاوف التى تربينا عليها فى الصغر.

المكان يلعب دورًا مهمًا فى أعمالك، وهناك حضور لمحافظة مطروح وحى باب اللوق فى أكثر من عمل، منها «القاهرة» و«قمر على مستنقع» حدِّثنا عن علاقتك بهذه الأماكن؟

أعيش فى هذا البيت من سنة 1939، أتحرك من هذه الغرفة إلى هذه الغرفة، لا أسافر إلا إلى مرسى مطروح، لا أذهب إلى أى مكان آخر، إسكندرية مثلا أمرُّ عليها عابرًا أثناء سفرى إلى أن أصل مرسى مطروح، أما باب اللوق، كانت فى فترة من فترات الشباب هى وسط البلد بالنسبة لي. وأيضًا أعشق أسوان جدًّا.

مطروح مكان ساحر جدًّا، فيه الصحراء، والبحر، إضافة إلى أن أهل مطروح الأصليين “ناس نادرين” جدا، تركزت فيهم الخصائص العربية المصرية. طبعًا هذه الخصائص تتغير الآن تغيرًا شديدًا جدًّا.

ذكرت فى كتاب «وقفة قبل المنحدر» أن الإنسان المتحضر هو من يبقى تاريخه حيًّا.. برأيك لماذا لم نستطعْ الحفاظ على تاريخنا؟

لأنه كان عندنا حكام أغبياء، فلم يتم إحياء التاريخ، إحياء تاريخنا، انظر مثلا للتاريخ الذى يدرس فى المدارس، ستجد أنه تاريخ الحكام. أنت لم تدرس لهم تاريخ حضارة، ولا تاريخ أديان، أنت مثلًا تملك كتابًا لو تم تبسيطه وتقديمه للشعب المصرى لاختلفت المسألة، كتاب «فجر الضمير» لـ “جيمس برستيد”.

فى هذا الكتاب ستعرف أن المصريين هم أول من اكتشف معنى الضمير ومعنى التوحيد.

ذكرتَ أيضًا أنك عشتَ كل تجارب المثقف البرجوازى الصغير إلا السجن، وذكرت أنك عشتَ السجن فى بيتك وشارعك وعملك، هل المصريون يعيشون فى سجن كبير وهم لا يدركون؟

المصريون طوال الوقت كانوا فى سجن، على الأقل بالمعنى الرمزي، عن الوعى والحرية، عن تاريخهم، إذا كنت تجهل القراءة فأنت مسجون، إذا كنت تعجز عن الحصول على طعامك فأنت مسجون، إذا لم تجد رعاية صحية فأنت مسجون، والمصرى مسجون بهؤلاء الثلاثة. ليس من الضرورة أن يكون السجن فقط تعذيبًا وأصفادًا.

وأعتقد أن التجربة الحالية السياسية بعد 3 يوليو إذا لم تنقذ نفسها بعمل سياسى جماهيرى، ستفقد كثيرًا من جاذبيتها، وقدرتها على التغير، وستتحول إلى تكرر قديم للتجارب السابقة.

علاء الديب