كمال عبد الملك… جسور ومرايا تمتد بين الثقافة العربية والغرب هل يمكن لـ«روايات المغتربين» إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم؟ حسن صابر   كمال عبد الملك روائى وأكاديمى درس الأدب العربى فى

12583817_10153180056471086_1619376976_n

كمال عبد الملك… جسور ومرايا تمتد بين الثقافة العربية والغرب

هل يمكن لـ«روايات المغتربين» إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم؟

حسن صابر

 

كمال عبد الملك روائى وأكاديمى درس الأدب العربى فى جامعات غربية عدة، وأخذ على عاتقه ورواد آخرون مد الجسور بين الثقافات المختلفة وتقديم الأدب والثقافة العربيتين إلى الغرب.

علاقة تتصف بمزيج من الحب والكراهية، الإعجاب والنفور، التقارب والعدائية وعدم الثقة، محاولة الفهم وسوء التفاهم، حاول عبرها المستشرقون عكس صورة يرونها للشرق، وحاول عبد الملك فى الاتجاه المضاد للاستشراق أن يقدم رؤية الشرق بدوره للغرب، وأن يظهر له كيف نراه أيضا وكيف تكون صورته لدينا وفى كتاباتنا.

أولى عبد الملك فى دراساته متنوعة المجالات المنشورة بالإنجليزية اهتماما خاصا بالأدب المكتوب بالعامية والأدب الشعبى والأدب المعاصر، متنقلا من شعر أحمد فؤاد نجم إلى أغانى مداحى النبى محمد، إلى رؤية الأدب العربى والمصرى لأوروبا وأمريكا، وحتى لقاء الثقافتين الفلسطينية واليهودية فى الأدب والسينما الفلسطينيتين.

وفيما يلى حوار أجرته جريدة القاهرة مع عبد الملك خلال زيارة أخيرة له لمسقط رأسه مصر.

* كتبت عن صورة أوروبا فى الأدب العربى وصورة أمريكا فى أدب الرحلات، هل يمكن الكشف عن ملامح مشتركة لهذه الصورة؟

– يعرض كتابى «الهرم وناطحة السحاب» ولأول مرة مختارات لعدد كبير من رحلات المصريين فى أمريكا، التى وصفت أمريكا على امتداد نحو مئة سنة من 1912 الى 2011، وتعرض مونتاجا لصورة أمريكا من منظور مجموعة متنوعة من الكتاب المصريين – رجالا ونساءً، أمراء مثل محمد على باشا (1912)؛ وإسلاميين مثل سيد قطب الذى عاش فى أمريكا من 1948 الى 1950؛ أدباء أمثال محمود تيمور، جاذبية صدقي، يوسف إدريس، صنع الله إبراهيم، علاء الاسواني؛ صحفيين تتفاوت درجة شهرتهم مثل مصطفى أمين، محمود عوض، وعادل حمودة. تكشف روايات السفر هذه الاختلافات فى وجهات النظر، درجات التعليم، الخلفيات الاجتماعية، وجنس المسافرين ذكور- إناث، وصورة أمريكا التى تبرز من خلال هذه السرديات ليست متناغمة ومتناسقة. فالكتّاب يمثلون فترات زمنية مختلفة وخلفيات اجتماعية متنوعة، لذا فإن تصورهم لأمريكا يعكس المفاهيم المتنوعة لأمريكا والغرب، فأمريكا تبدو وكأنها الآخر… نقيض الذات المصرية مرورا بأمريكا المرأة المغرية ووصولا لصورة أمريكا الآخر المقبول والمرفوض فى نفس الوقت والذى هو جدير بالثناء وبالتوبيخ معا. ​ولكى نفهم هذه الظاهرة لابد لنا من وضعها فى إطار النصوص الروائية التى تتعلق بالغرب والتى نشرت فى ثلاثينات من القرن العشرين. فى إبريل 1930، وفى الجامعة المصرية المبنية حديثا، التقى عباس محمود العقاد (1889- 1964) بسلامة موسى (1889- 1964)، اثنان من الكتاب الأكثر نفوذا فى مصر، لمناقشة مقولة الشاعر الانجليزى كيبلينج الشهيرة حول الشرق والغرب وكيف أنهما ضدان لا يجتمعان. أكد العقاد انه يتفق مع رأى كيبلينج. فرد عليه سلامة موسى: لا، يمكن إيجاد أرضية مشتركة للتفاهم بين الشرق والغرب لأن كليهما ينتمى إلى أسرة بشرية واحدة ومصير بشرى واحد. وأوضح موسى أن الإمبريالية الغربية تريد من الشرق أن يبقى «شرقيا»، أى متخلفا، حتى يمكن أن تحتفظ بسيطرتها عليه وأن المحافظين والرجعيين فى الشرق يساعدون عن غير قصد الإمبرياليين بإصرارهم على إبقاء منطقة الشرق متخلفة ومعزولة عن الحضارة الغربية. والأمل الوحيد لتخليص الشرق من الخمود والتخلف، كما أكد سلامة موسى، يكمن فى اعتماد القيم والممارسات الغربية بالكامل. ولكن العقاد عارضه القول مؤكدا أن عدم التوافق بين الهوية الروحية للشرق والنزعة المادية للغرب يمنع أى لقاء بينهما.

هذه المناظرات والمناقشات الفكرية والتى تظهر المواقف المتباينة من الغرب والحضارة الغربية تتجلى أيضا فى العديد من الأعمال الإبداعية العربية البارزة لهؤلاء الكتاب الكبار:1. طه حسين: أديب (1935)؛ 2. توفيق الحكيم: عصفور من الشرق (1938) ؛ 3. يحيى حقي: قنديل أم هاشم (1944) ؛ 4. سهيل ادريس: الحى اللاتينى (1954) ؛ 5. الطيب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال (1967). وهذه الروايات يمكن أن نسميها «روايات المغتربين» والتى مرت بثلاث مراحل: المرحلة الأولى الانتقال المكانى الى أوروبا ويمثل هذه المرحلة توفيق الحكيم. المرحلة الثانية عودة البطل من أوروبا وعدم الانسجام مع بيئته الأولى. تمثّل هذه المرحلة رواية «قنديل أمّ هاشم» ليحيى حقي، و«موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح. المرحلة الثالثة هى ما يمرّ بها الروائيون المغتربون فى الوقت الحاضر، وفيها يدرس البطل الروائى فى الغرب، ولكن الغرب هنا أصبح أمريكا تمثّل هذه المرحلة روايات معاصرة مثل: «أمريكانلي» لصنع الله ابراهيم و«شيكاغو» لعلاء الاسوانى و«بروكلين هايتس» لميرال الطحاوى ومع رواية «بروكلين هايتس» التى نشرت عام 2010 نجدنا، وربما للمرة الأولى، أمام مغتربة عربية تمثل الشرق فى هذا اللقاء الحضارى مع المجتمع الغربي- الامريكى وهذا تحول لافت للنظر ذو أهمية ويستحق دراسة مستقلة.

* هل يمكن نسبة هذه الكتابات والدراسات لما يمكن تسميته بالاستغراب أو الاستشراق المضاد؟

– الأوكسيدنتالزم أو الاستغراب – هو الطريقة التى ينظر الشرق بها إلى الغرب، وأهل الغرب، والعلاقة بين الغرب والشرق. ووفقا لحسن حنفى (1991)، الاستغراب هو قديم قدم العلاقة بين الاثنين. يظن البعض أنّ الاستغراب – كنقيض للاستشراق – خطاب معاد للغرب؛ ليس الأمر كذلك لانّنا نجد أنّ كتابات وآراء المستغربين العرب ليست دائما مؤيدة للحركات المناهضة للغرب. الخطاب الأوكسيدنتالى يمكن أن يكون منبهرا بالغرب، كما هو الحال بالنسبة لكثير من المثقفين العرب، بما فى ذلك قاسم أمين وطه حسين وفيليب حتّى وشارل مالك. والخطاب الأوكسيدنتالى غير متجانس ويمكن أن يشمل مفاهيم وأفكارا متناقضة فى نفس الوقت، مثل الترحيب بالتكنولوجيا الغربية وفى نفس الوقت رفض المعايير الاجتماعية والثقافية الغربية.

نشرت بالإنجليزية ومؤخرا بالعربية مقتطفات من كل ما كتبه الرحالة العرب الذين زاروا أمريكا بداية بالقسيس الكلدانى إلياس الموصلى الذى زار العالم الجديد سنة 1668- أى قبل إنشاء الجمهورية الأمريكية بقرن – ومرورا بميخائيل رستم وكتابه «الغريب فى الغرب» الذى نشره فى نيويورك سنة 1885 وأمير بقطر وكتابه «الدنيا فى أمريكا» (1926)، وسيد قطب ومقالاته الشهيرة «أمريكا التى رأيت» والتى نشرها فى مجلة الرسالة سنة 1951 وكذلك الروايات التى ذكرتها من قبل وتناولت أمريكا واحتوت على شخصيات منها، ولأعطى فكرة سريعة عن تطور النظرة المصرية لأمريكا وللأمريكيين والمجتمع الأمريكى بصفة عامة دعنى استشهد بملاحظتين عن المرأة الامريكية: الأولى للأمير محمد على (سنة 1912)، والثانية لسيد قطب (سنة 1951) عن فترة إقامته فى أمريكا ما بين 1948- 1950:

«… والذى استغربته أنى رأيت كثيرا من السيدات راكبات عربات صغيرة مقفلة تمشى بقوة الكهرباء، وهن اللاتى يحرّكنها بأنفسهن دون سائق يقودها بلا خوف ولا وجل، فقلت إذ ذاك: إن الأمريكيين الذين امهاتهم امثال هؤلاء السيدات الممتلئات نشاطا وثباتا وقوة جنان جديرات بما نلن من الصيت الطائر فى جميع انحاء العالم، فأكثر أخلاق الولد وعوائده مكتسب من أمه، فالأمم ترتفع بارتفاع المرأة فيها وتنحط بانحطاطها…»

الأمير محمد على باشا.. الرحلة الأمريكية (1912)

«والفتاة الأمريكية تعرف جيدا مواضع فتنتها الجسدية، تعرفها فى الوجه، فى العين الهاتفة، والشفه الظامئة، وتعرفها فى الجسد: فى الصدر الناهد، الردف المليء، وفى الفخذ اللفاء والساق الملساء – وهى تبدى هذا كله ولا تخفيه – وتعرفها فى اللباس: فى اللون الزاهى توقظ به الحس البدائي، وفى التفصيل الكاشف عن مفاتن الجسد – وهو بذاته فى الأمريكية فتنة حيّة صاعقة فى بعض الأحيان! – ثم تضيف إلى هذا كله الضحكة المثيرة، والنظرة الجاهرة، والحركة الجريئة، ولا تغفل عن ذلك لحظة أو تنساه!.»

سيد قطب، «أمريكا التى رأيت: فى ميزان القيم الإنسانية» مجلة الرسالة: السنة التاسعة عشرة – المجلد الثانى – عدد 959 – تاريخ 9 نوفمبر 1951

وفى سياقات الأدب العربي، والتى أدرس فيها صورة الغرب فى أدب الرحلات العربي، تدور مناقشات جادة حول مفهوم المعرفة والسلطة، وبشكل أكثر تحديدا حول البنى التى وضعها إدوارد سعيد فى كتابه الشهير الاستشراق حيث يؤكّد أن الصور الغربية للشرق (الشرق الأوسط والشرق الأقصى) ليست نظرة علماء أبرياء إلى جزء آخر من العالم. بل هى نظرة تشكلها وتلّونها علاقات غير متكافئة بين الغرب القوى الناظر والشرق الضعيف المنظور اليه، مما يجعل من الشرق كيانا غريبا، يثير حب الاستطلاع والرغبة فى الاستحواذ. المعرفة قوة والقوة تؤثر فى شكل المعرفة. من يعرف عنك الكثير هو أقوى منك؛ من يملك الامكانات يستطيع ان يدرس وحتى ان يمثّل من لا يملك فالمتقدم هو الذى يدرس أحوال المتأخر.

 

12596638_10153180058296086_2036335339_o

 

* الانثروبولوجى الغربى يستطيع بكل امكانات الاكاديمية الغربية من اموال المنحة الى جداول الاستبيانات ومناهج البحث الحديثة أن يأتى الى القاهرة ويدرس أحوال الفقراء وجامعى القمامة وينشر ذلك فى كتاب فهل سمعنا عن أنثروبولوجى مصرى أرسلته جامعة مصرية لدراسة أطفال الشوارع فى بروكلين (نيويورك) أو حى واطس فى لوس انجلوس؟

– الاستغراب العربى يشير إلى النظرة العربية للغرب وللسياسة الخارجية الأمريكية فى العالم العربي. ويتم ذلك بأساليب غير ممنهجة وعن طريق فئات مختلفة منها الرحالة العرب فى الغرب الذين يكتبون عن الغرب من الداخل. فمن الواضح أن الاستشراق الغربى هو أكثر أهمية وخطورة بكثير من الاستغراب العربي. الكتّاب الاستشراقيون فى البلاد الغربية غالبا ما يكونون جزءا لا يتجزأ من مجموعات واضعى السياسات الخارجية – فى وزارات الخارجية وجماعات اللوبى والثنك تانك- سواء من خلال العمل المباشر فى السياسة أو التأثير بشكل كبير على الطرق التى يتم بها تشكيل السياسة الخارجية المرتبطة بالشرق العربي. على العكس من ذلك، فإن الواحد منّا سيجد صعوبة شديدة أن يجد مستغربين عرب داخل الساحات المماثلة فى العالم العربي.

* هل يمكن وصف المساحة التى يحتلها الأدب العربى والاهتمام به بين الآداب العالمية الأخرى فى الغرب؟

– هناك اهتمام غربى متزايد باللغة العربية وأدبها المعاصر ظهر بشكل واضح فى منح نجيب محفوظ جائزة نوبل فى الأدب لسنة 1988 والتى أدت إلى نشر أعماله مترجمة الى لغات عالمية مثل الإنجليزية والفرنسية. ازداد هذا الاهتمام بعد الهجمات المأساوية فى 11 سبتمبر 2001 وثورات الربيع العربى بعده بعشرة أعوام. كل الجامعات الكبرى فى أوروبا وامريكا مثل أوكسفورد وكمبردج وهارفارد وكولومبيا بها أقسام عريقة تدرس فيها العربية وأدبها ودور نشر تنشر ترجمات لكبار الادباء العرب ودراسات عنهم.

لكن فى حين أنّ علينا أن نذكر هنا الدراسات الممتازة عن كلاسيكيات الأدب العربى لمشاهير المستشرقين من أمثال نيكلسون واربرى وماسينيون يجب أن نتذكّر انّ الاهتمام بالأدب العربى الحديث بدأ متأخرا فى أوروبا فالدراسة الأولى كانت عن طه حسين كتبها بيير كاكيا كرسالة دكتوراة ونشرها فى عام 1956 وفقط فى عام 1992 أصدرت جامعة كمبردج أول دراسة شاملة للأدب العربى الحديث (باللغة الانجليزية) تحرير د. مصطفى بدوى (جامعة أوكسفورد).

وعندما بدأت فى التدريس فى جامعة براون المرموقة (فى الولايات المتحدة) عام 1992 لم يكن يوجد هناك برنامج لتدريس اللغة العربية أو أدبها على الرغم من وجود برنامج متكامل للسويدية.

والآن هناك اهتمام أكثر… فى أوروبا تجد مثلا الجمعية الأوروبية لدراسة الادب العربى الحديث EURAMAL التى تعقد مؤتمرات سنوية تقدم فيها أبحاث مهمة، وبالمناسبة سيعقد المؤتمر المقبل فى آوسلو من 30 مايو وحتى 4يونيو فى العام الحالي.

* كيف ترى حركة ترجمة الأدب العربى إلى الإنجليزية؟

– ثمّة نشاط ملحوظ، فبالإضافة الى الترجمات الرائعة والعديدة للبريطانى دينيس جونسون – ديفيز (نحو 30 كتابا) نجد الآن مجموعة من المترجمين الجادين مثل روجر آلين، ولاننسى الدور المهم لجائزة بوكر العربية والتى تتضمن مكافآتها ترجمة ونشر الرواية العربية الفائزة وكذلك المساهمات الجادة للجامعة الامريكية هنا فى القاهرة فى نشر الترجمة الإنجليزية للروايات الفائزة بجائزة نجيب محفوظ. أنا شخصيا أهتم بترجمة الادب العربى الى الانجليزية فقد ترجمت اشعارا لاحمد فؤاد نجم وفدوى طوقان وعشرات المختارات من أدب الرحلة فى العالم العربى والتى غطت حوالى مائة عام من كتب أدب الرحلات العربى عن أمريكا، والتى نشرتها فى كتابى «أمريكا فى مرآة عربية»America in an Arab Mirror (2000، 2011)، وفى العام الماضى (2015) ترجمت مجموعة من الشعر النبطى للشيخ محمد بن راشد حاكم دبى ورئيس وزاء الامارات العربية المتحدة، والتى نشرت بعنوان Flashes of Verse. لابد أن أنوّه هنا بدور المركز القومى للترجمة فى القاهرة فهو يشجّع ترجمة أعمالنا الأدبية ونشرها فى الغرب باستعداده ان يدفع أجر الترجمة وهذه مبادرة جيّدة.

* جمعت بين كتابة الرواية والبحث الأكاديمى فى مناطق متعددة، فهل يشغلك الإبداع أم البحث أكثر؟

– تعاملت مع هذه المسألة فى مكان آخر فاسمح لى أن أكرر هنا ما قلته من قبل. الحياة الأكاديمية فيها كم كبير من التقشف؛ يقضى الواحد منّا سنوات من الانكباب على الموضوعات البحثية، كتابة الأوراق والكتب بطريقة موضوعية صارمة. من المؤلم أنّ أهمية وفائدة هذه الكتابات هى إلى حد كبير- وفى أحسن الأحوال – لا تعنى شيئا ذا بال إلا لحفنة من الأكاديميين الآخرين، فيقرر الواحد منّا أن يجرب يده فى كتابة شيء آخر، شيء أقل موضوعية وأكثر ذاتية، شيء لا يتولد من خلايا الدماغ ولكن من طيّات الحشا. هذا النوع من الكتابة يفك أسرك من صرامة الأكاديمية معطيا ايّاك احساسا حقيقيا بالحرية.

فما الذى أفضله ولماذا؟…. اذا كنت ترغب فى أن تجمع بين الكتابة الأكاديمية وكتابة الرواية، التى هى كيانات مؤنثة فى اللغة العربية، فأنت كمن يرغب فى أن تكون له علاقة عاطفية مع امرأتين فى نفس الوقت… إذا كانت الأكاديمية هى الزوجة، فانّ كتابة الرواية هى العشيقة. وشكل العلاقة مع الزوجة يختلف ففيه بعض التوقعات والالتزامات المتبادلة والممارسات الروتينية، مع بعض الأنشطة والجداول الزمنية، مع شعور بأن هناك دائما مناسبة لهذا الشىء ومرة ​​لذاك وأخرى لذينك. ولكن مع العشيقة، هناك دائما شعور بالتوتر، وعدم اليقين، فلا روتين ولا توقعات مرتقبة، بل تغيرات مفاجئة فى المزاج وزيادات حادة مفاجئة للطاقة ورغبة راعنة فى تجاوز ما هو محظور. كتابة الرواية مثل تقبيل العشيقة فى مصعد على وشك ان يصل للدور الارضي.

* قليلون يهتمون بالأدب العامى وعلى الأخص فى الغرب، فهل تعتبر دراساتك العامية لغة متفردة أم مجرد لهجة من العربية؟

– نحن مهووسون بلغتنا نعانى طائفية لغوية تتعصب للفصحى بصرامة مخيفة شوهت المفاهيم وأفسدت المقاييس. نشأنا على تقييمات أدبية ساذجة مثل «جزالة الالفاظ» و«فصاحة اللغة» و«بلاغة ال… مش عارف ايه». أقول لك الأمم لا تتقدم بالبلاغة ولا بجزالة الالفاظ -الأمم تتقدم بالأفكار المبتكرة والافعال العظيمة. لو أنّ الامم تتقدم بجزالة وبلاغة وذرابة المتحدثين لكانت بلادنا أكثر الأمم تقدما فحسبنا ذرابة لسان د. محمد عمارة وفصاحة بيان د. سليم العوّا. أمّا بالنسبة للفصحى والعامية فهذه تقسيمات لتبسيط الأمور فهناك مستويات متداخلة بين الاثنين تتأثر بظروف الزمان والمكان فالعامية الدارجة فى زمن ما يمكن ان تصبح الفصحى السائدة فى زمن آخر، على سبيل المثال اللغة المالطية مشتقة من العربية الصقلية، وهى اللهجة الصقلية التى انشقت عن اللغة العربية أثناء فترة الحكم الإسلامى لمالطة وصقلية – لا تستغرب ففى اللسانيات نقرأ أنّ كل عامية وراءها جيش يمكن أن تصبح فصحى – طبعا الجيش هنا رمز للسلطة بكل أشكالها – من سلطة خشنة تفرض الفصحى بقوانين رابطة إيّاها بالمقدس الى سلطة ناعمة تتمثل فى مجموعة مؤسسات مثل المجامع اللغوية، وحوافز مثل جوائز الدولة التقديرية والتى إلى وقت قريب لم تكن تمنح إلّا للاعمال الادبية المكتوبة بالفصحى- ألم يكن الابنودى أول شاعر عامية يحصل على جائزة الدولة التقديرية؟

دعنى أحكى لك عن صدمتى فى أول مساق لى فى اللسانيات فى مونتريال. كتبت دكتورة اللسانيات المتخصصة فى علم اجتماع اللغة – السوسيولنجويستك – كلمة Water واختارت بطريقة عفوية أربعة من الطلاب وسألت كل واحد أن ينطقها. اختلف النطق من واحد إلى الاخر-ووتر-واتر-واتا. قلت فى نفسي-وأنا القادم من ثقافة مهووسة باللغة وبنطقها الصحيح وبخطيئة كبيرة اسمها اللحن – لابد أن هناك نطقا واحدا هو الصحيح وعداه لحن لغوى مرفوض، لكن أستاذتى الأمريكية صدمتنى بقبولها بكل أشكال النطق واعتبارها كلها صحيحة! وتعجبت تعجبا شديدا لقدرتها على التعرّف على البقعة الجغرافية لكل طريقة فى النطق، فكانت تقول «لابد وأّنك من بلين Blaine فى مقاطعة واتكوم فى ولاية واشنطون والقريبة من الحدود الكندية» أو «أنت من ترونتو- مقاطعة أونتاريو» وكانت تنطق ترونتو «ترونو».

أقول لك حصل لى مايمكن أن تسميه «تنافر معرفي» – ماس كهربائى معرفى أظلم لمبات الادراك عندى (بعيد عنك!): أليس الصحيح واحدا؟ والحقيقة واحدة؟ كيف يتعدد الصحيح وتتشظى الحقيقة؟ وهل اللغوى هنا يرصد الظاهرة فقط ولا يصحح أو يحلّل اللغة الحية المنطوقة؟ ولا يسنّ القوانين والقواعد؟ أين هذا من نحويى البصرة والكوفة فى الماضى ومجمع اللغة العربية فى بلادنا اليوم؟ استمرّ الصراع داخلى بين منظومتين للمعرفة أعقبه عودة تدريجية للوعى أدت إلى إعادة ترتيب الأساس الذهنى لطالب مصرى فى بلاد الغرب.

كان ذلك فى مرحلة الليسانس… بعدها بدأت دراساتى العليا فى جامعة ماكجيل فى مونتريال بكندا وكتبت رسالة الماجستير عن أشعار أحمد فؤاد نجم (1986) وكانت أول دراسة بالإنجليزية (والوحيدة) عن نجم وبعد ذلك توالى اهتمامى الاكاديمى بالادب العامى والشعبى وكتبت رسالة الدكتوراة بالانجليزية عن السيرة النبوية كما يرويها شعراء ومداحو مصر فى منطقة الدلتا وقمت بمسح ميدانى لحفلات المداحين والمنشدين من سمنود وطنطا وبنها وقرية سيدى الطيب وبيلا – وهى بلدتى التى ولدت فيها وكنت فى زيارة لها قبل أيام.

أقول لك ان الانحياز لأدب الخاصة المكتوب بالفصحى تجده أيضا فى الجامعات الغربية وبين أوساط الاكاديميين الغربيين ولكن المواقف تغيرت الآن وأصبحنا نرى اهتماما خاصا بالعامية وأدبها فى أقسام الجامعات الغربية.

* لك دراسات عن صورة النبى محمد فى الأدب الشعبى والمدائح وشاركت فى كتاب «الاحتفاء بمحمد» مع المستشرقة الألمانية البارزة الراحلة آن مارى شيمل، فما ملامح هذه الصورة وأنت أيضا تنتمى للثقافة المسيحية فى بلد يحتفل فيه المسلمون والمسيحيون بأولياء وقديسين كل منهما؟

– تناولت رسالتى للدكتوراة الموروث الشعبى الإسلامى فى المدائح النبوية والاناشيد الصوفية ونشرت كتابين عن السيرة النبوية فى القصائد والمواويل الشعبية (عام 1995)، وفصلا بعنوان «السرد الدينى الشعبي» فى الجزء السادس من سلسلة كمبردج المرموقة عن تاريخ الأدب العربي، ومؤخرا «النبى محمد فى الروايات الدينية الشعبية العربية» فى الموسوعة المعنونة «محمد فى التاريخ والفكر والثقافة». وقد أظهرت فى هذه المؤلفات أنّ هذه الروايات الدينية، سواء إسلامية أو قبطية الأصل، تظهر بوضوح أصولها الشعبية من خلال التشديد على كرامات الأولياء أو معجزات القديسين الحماة المحليين فالسيدة نفيسة حامية القاهرة، ومارى جرجس حامى بلدة ميت دمسيس، وتقدم هذه الروايات الأولياء والقديسين كمعالجين لأمراض الجسد وآلام الروح فيعيدون الصحة للبدن ويطردون الارواح الشريرة، وهذه الروايات يبدو أيضا أن لها نزعة شمولية فهى تظهر أولياء وقديسين لا يفرقون بين جسد المسلم وجسد القبطي، وتتسع أريحيتهم لاحتضان كل البشرية وأوجاعها، وبهذا تعكس هذه الروايات روح الثقافة المصرية المحلية المخالفة فى شموليتها للنصوص العقائدية الرسمية التى ترسم الحدود الفاصلة بين الملل والمعتقدات. أى أن الشعبى الفولكلورى يجمّع بينما الرسمى النخبوى يفرّق.

وفى كتابى محمد فى المدائح الشعبية والمواويل القصصية فى مصر (1995) أقدم دراسة تفسيرية عن حياة النبى محمد كما هو مبين فى ريبتوار واحد وخمسين من المدّاحين والمنشدين المصريين. وهذا الريبتوار متنوع للغاية وعناصره تختلط فيها القصص السردية مع القصائد الكلاسيكية وترتيل القرآن مع أنغام الأغانى العلمانية للمطربين المشهورين فى وسائل الإعلام المعروفة.

​اما كتابى الثانى مع على أساني، وآن مارى شيمل، «الاحتفاء بمحمد: صورة النبى فى الشعر الشعبى فى العالم الاسلامي» (1995)، فيتناول جانبا حيويا ولكن غالبا ما يساء فهمه من التقوى الإسلامية – الحب العميق والتفانى من قبل المسلمين المعاصرين للنبى محمد وعلى الدور المهم الذى يلعبه هذا التفانى فى حياتهم الدينية اليومية.