د. أحمد المديني يكتُب للقاهرة عن عالمية جمال الغيطاني .. المثال الفرنسي     عن معنى العالمية : أفترض أن لفظة العالمية تحتاج، رغم ما يظهر من بداهة معناها فى

6060

3300

د. أحمد المديني يكتُب للقاهرة

عن عالمية جمال الغيطاني .. المثال الفرنسي

 

 

عن معنى العالمية : أفترض أن لفظة العالمية تحتاج، رغم ما يظهر من بداهة معناها فى الاستعمال العام إلى تحديد، وهو ضرورى لكى يمتلك الموضوع موضوعه، أى يصبح قابلا للدرس، ومن ثم استخراج الدلالة الملازمة له، فى معناه، أولا، وأبعاده، بعد ذلك، خارجه. من الواضح أن العالمية، صفة من العالم وله، تعنى السّعَة والانتشار، وهو غير أو نقيض المحلية والضيق، أى الوجود ضمن حدود.

من نحو آخر، تأخذ العالمية صفة (label) ماركة تجارية، مخصوصة بمواصفة الجودة تفرض نفسها، فتتجاوز الحدود لما تتوفر عليه من مواد أو عناصر امتيازية تلقى القبول. غير أنه لا يمكن القفز على منشأ العالمية، وهو منبتها الأصل، البيئة التى ولدت فيها وحمّلتها مادتها وهيّأتها، وفق مواصفات محددة، أولا، كى تنبت لها أجنحة لتطير بها إلى الخارج، وثانيا، لتخضع لقوانين السوق (سوق معينة) بحكم أنها بضاعة تضمن لها الرواج. ولا يختلف الأمر هنا كثيرا بين بضاعة مادية، سريعة الاستهلاك، وثانية ثقافية إبداعية، تتصل بالقيم الرمزية، بطيئة الاستهلاك والتأثير، أيضا. بل لهذه الأخيرة تأثير أسرع أحيانا.

لا بد أن ننبه كذلك إلى مفردة العالمية، وهى فى طريقها لتتحول إلى مفهوم وتكتسب وضعه ودلالته، تقترن بفضاء، بجغرافيا، جغرافيا جيوـ بولتيكية، لا مطلقة، ليس العالم فيها كما أو مساحة غفلا بأى انتشار كان، ولكن العالم الذى يمثل الغلبة قوة عسكرية واقتصادية وعلمية وثقافية، وامتدادا لغوية، قبالة عالم آخر يفتقر إلى هذه المؤهلات، ويقع فى دائرة التبعية، ولذلك سُمِّى (من قبل الأقوياء والغالبين) بـ«العالم الثالث» أو البلدان السائرة فى طريق النمو، ومنه (العالم العربي)، فهو ليس منهم، وإنما دونهم بكثير، وفى أحسن الأحوال يدور فى فلكهم، وأى منتوج له تقاس أهميته ويعطى القيمة فى علاقة بمعاييره وتقويمه، أو لا يكون.

بعد هذه الإشارات الشكلية، لنقف عند الثقافى الأدبي، ما يعنينا هنا خاصة أى عالمية الراحل جمال الغيطاني. إن مشاريع النهضة العربية الأولى اتجهت كلها نحو الغرب الأوروبى للتعلم منه والاستفادة من مختلف عطاءاته، على وجه التقليد أولا، ثم التأثر ثانيا، ودائما جعله وإبقاءه النموذج والقدوة. نعلم جميعا أن الفنون الأدبية الحديثة قد ظهرت فى الأدب العربى الحديث بالاعتماد على سابقتها الأوروبية أساسا، وفى الرواية على وجه التحديد، لأنها جنس أدبى غير موجود فى تراثنا، ولكونها تمثل التعبير السردى المناسب للزمن الحديث (بلزاك فى فرنسا «الكوميديا الإنسانية» وديكنز فى انجلترا كمنارة، فضلا عن النصوص الأمهات فى الأجب الروسي)، وهو ما أفلح نجيب محفوظ كرائد تجاوز مرحلة التقليد والتبيئة الأولى إلى مرحلة التمثل بإنجاز الرواية العربية، انطلاقا من تجربة المدينة العربية ومعضلاتها، من محيط محلي، توفر على بُعد إنساني، زيادة على النضج الفني، ما أهّله لعالمية جائزة نوبل.

30063

ما من شك أن الأرض المصرية حابلة وتحفل بتجارب ونماذج شتى فى الإبداع السردى قصة قصيرة ورواية، وهو متن يغطى القسم الأغلب من الأدب العربى الحديث والمعاصر، من حيث الكم على الأقل، مع ظهور نصوص هى بمثابة علامات، توفر له الخصوصية والتميز، أى أهّلت هذا الإبداع وهو يشتمل المجال القطرى مشاهد وأحاسيس وأزمات، أن يتفرد أسلوبا وشكلا وطرائق فنية، فيما هى تؤصله، تلفت الأنظار إليه خارج الحدود وأكثر.

من هذه النصوص التى أَضحت وتكرست علامات، ما كتبه وتركه لنا أثرا ومفخرة الراحل جمال الغيطاني. فإنه بعد أن أصدر قصصه القصيرة الأولى «أوراق شاب عاش منذ ألف عام» (1969) خرق فيها مألوف هذا الفن بين سابقيه ومجايليه، الذين كانت الواقعية هى بوصلتهم الفنية ومناط أى تحوير وتجديد، عمد هو إلى تغيير المنظور والمقاربة معا، بدءا من العنوان، وامتدادا إلى مادة الحكى ومظاهر التمثيل، وطريقته، فبرز مختلفا وإن باحتشام ليصنف ضمن الطليعة الأدبية المجددة التى جاءت بعد النكسة (1967) ومختلفا، منزاحا عنها فى آن. لنقل إن فكرة الانتقال إن لم نقل القطيعة كانت لديه فى حالة كمون، ثم انهمرت دفعة واحدة وتشكلت فى العمل العلامة:«الزينى بركات» (1974).

صدرت هذه الرواية لا نحتاج هنا لعرضها ولا إبراز خصائصها الذائعة لدى النقاد والقراء على السواءـ فى زمن أدبى تكرست فيه المدرسة الواقعية، بتياراتها، وبدا فيه النموذج المحفوظى سيدا ولا يُعلى عليه، بحكم أن صاحبه، وبعد أن أرسى قواعد معماره الروائي، ومادة ومضمار نشاط شخصياته مع مشاغلها وطموحاتها، ما انفك يرتاد فى كل عمل تجربة وأفقا مغايرين، كأنه يصادر ويحتكر لسرده كل تجديد ورؤية ليس هو صاحبها. لم تستطع نصوص من سماهم إدوار الخراط بكتاب الحساسية الجديدة (البساطي، أصلان، عبد الحكيم قاسم، وآخرون) رغم جرأتها وتركيزها على بؤر ذاتية مفردة، وإيلائها الاهتمام للهامشى والمنسي؛ لم تستطع أن توقف «سطوة» الأستاذ، وتطرح نصا مضادا، شبيها بنقيض الأطروحة، ظلت تتحرك فى فلكه ولا تمثل أكثر من تنويع على منواله العام، إلى أن صدرت «الزينى بركات» فأحدثت بسرعة الفرق، وتدريجيا صنفت كأنها قطع بين سردين وتخييلين وجيلين، علما بأن صاحب الخرق كاتب اعتبر أن محفوظ أستاذه الأول، وكان مريدا ويلازمه ملازمة الظل.

هذه السطوة والتمثيلية الكاسحة للرواية العصرية الواقعية كما جسّدها السرد المحفوظى كانت معلومة بنسب معينة فى الغرب، فى محافله الأدبية والجامعية، ولدى متلقيه النابهين، اعتبارٌ يعززه ما تحفل به هذه الرواية من تصوير دقيق، مادى ووجداني، للأحوال الاجتماعية والأزمات الفردية، صورة عن الشرق (وهو قبلة الغرب) فى مخاض وتحول، بقدرات فنية من داخل المدرسة الغربية وتضاهيها، وجاءت جائزة نوبل لتتوج مسارا كاملا نعم عنوانُه نجيب محفوظ، ولكن، ولابد أن نستحضر هذا، أن فيه اعترافا علنيا بأن الأدب العربى الحديث، فى تعبيره السردى الفني، هو جزء من آداب العالم ومن علاماته البارزة.

صادف صدور «الزينى بركات» اهتماما فى المحيط الأكاديمى بالسرد العربى الكلاسيكي. تجلى على الخصوص فى إعادة قراءة «ألف ليلة وليلة» وإخضاعها لأدوات التحليل البنيوى التى كانت قد تبلورت فى الجامعة الفرنسية منذ منتصف الستينات وصعدا. إنه، إن شئنا، استشراق جديد ينفتح على سرديات التراث العربى الإسلامى برغبة فى استقصاء معرفى وإنساني، وبالتطلع إلى كشف مجالات وأطياف الخيال فيه، والرؤى الجمالية والاستعارية. هذا كله بعيدا عن النظرة الاستشراقية القديمة، بنزعتها الاستعمارية والتغريبية الفوقية. يمكن تشخيص هذه المدرسة فى أربعة أقطاب، فرنسية وفرنسية ذات أصول عربية، وهم (بحفظ الآلقاب): جاك بيرك، محمد أركون، أندرى ميكيل وجمال الدين بن الشيخ. الأولان كانا اهتمامهما منصبا أساسا على التراث الفكرى الفلسفى العقلانى والعرفانى العربي، لنقل المعرفة، والأخيران كرسا أبحاثهما للتراث الأدبى وعكفا عليه، شعرا ونثرا وسردا خياليا تخييليا، أصبحت الليالى قطب الرحى فيه، بين الكوليج دى فرانس (أهم محفل أكاديمى فى فرنسا) وجامعة السوربون 3 و4، هما وطلابهما من الباحثين والمريدين، كنت واحدا منهم.

6060

كان هذا الوسط الجامعي، ومن خلفه أذواق أدبية نابهة ومتنصتة، تبحث عن ما تعتبره أصيلا فى الثقافة والإبداع العربيين، وتشجع من خلال أبحاث طلبة (الأجريجاسيون العربية، أى التأهيل للأستاذية) فى اللغة والشعر والفن القصصي، خاصة، ضمن أمهات كتب التراث. لذا لم تكن هذه المدرسة تعنى إلا جزئيا أو مصاحبة بالأدب العربى الحديث، من باب الإشراف على بعض الأطاريح الجامعية للطلبة السوربونيين العرب. وقد وصل الغيطانى إلى باريس فى مطلع الثمانينات وهذه المدرسة فى إشعاع وحيوية قد اكتسبت صيتها داخل المحافل الأكاديمية ودور النشر أيضا، وحين اطلع أفرادها ومجتمعهم عموما على الزينى بركات وجدوا فيه كأنما ما يبحثون عنه، أو يميلون إليه، أى حكايات وعوالم لا على منوال سرديات أدب الغرب، هم متخمون بها، وقالوا فيها ما سبق للصاحب ابن عباد أن رواه عن أهل المشرق وهم يقرءون متون أهل المغرب فى زمانه: «تلك بضاعتنا رُدت إلينا».

هكذا، وجد القوم ضالتهم فى قصة «الزينى بركات» قدمت لهم حكاية من عهد قديم، محكيات، وشخصيات، وطريقة سرد، تختلف عما هى عليه الرواية الفرنسية باتجاهاتها المختلفة، وتنسجم مع احتفائهم بالموروث العربى فى الليالى والأخبار والقصص الشعرى والهلاليات. منذئذ برعاية وفى ظل هذا المحيط، وبإشراف من دار النشر سندباد (لصاحبها بيير برنار قد أسسها سنة 1972) شجعت نشر أعمال عربية، تراثية وحديثة، بنزعة تنويرية. وجاء حظ الغيطانى أن تولت دار لوسوى ذات المكانة ترجمة نصه الرائد، (1985)، وتوالت بعد ذلك ترجمة أعمال لاحقة أغلبها لدى سوي، هى كالتالي:

 

Epitre des destinées. Seuil. 1993. رسالة البصائر والمصائر

La mystérieuse affaire de l’impasse Zafarani. Acte Sud. 1997

Les délires de la ville. Actes Sud. 1999. شطح المدينة

Pyramides. Actes Sud. 2000. متون الأهرام

L’appel du couchant. Seuil. 2000. هاتف المغيب

Les récits de l’institution. Seuil. 2001. حكايات المؤسسة

Le livre des illuminations. Seuil. 2005. كتاب التجليات

Les poussières de l’effacement. Seuil. 2008. نثار المحو

جدير بالذكر أيضا إلى جانب هذه الأعمال المترجمة، وأخرى غيرها، فقد حاز الراحل الغيطانى على تقدير الأوساط الأدبية والرسمية الفرنسية، وحصل على أوسمة اعتبارية تقديرا لمكانته روائيا، وكذا عُدَّ رسولا للصداقة العربية الفرنسية. وبطبيعة الحال فإن هذه الترجمات ساعدت على تعريف قوى بروائيته وكتابته الخصوصية، ودفعت الطلاب إلى إعداد رسائل جامعية حولها لاستكشاف العوالم والأساليب الفنية التى تميزت بها هذه الكتابة.

هل العالمية، بالنظر إلى هذا الكم من الأعمال المترجمة لجمال الغيطانى تعنى الظهور والتوسع فى لغة أجنبية، الفرنسية هنا، أى هل العالمية تفيد الانتقال من حدود لغة يغبنها أصلا أهلها إلى خارج الحدود، حيث التداول أوسع، والاعتراف أكبر، من قبل مؤسسات هى التى تصنع المعايير وتؤهل الكتاب والنصوص على السواء؟ نعم هى هذا وأكثر. خلافا لما يتصور عديد من الكتاب العرب، ممن لم يرسخوا أولا فى أدب أمتهم، وبلغتهم الأصل، فإن الترجمة وحدها لا تكفى لارتقاء سلم ما يسمى العالمية أو ما فى معناها. إذ لابد أن تمتلك النصوص فى حد ذاتها قدرة التجاوز، وإثارة فضول، ومخاطبة عقول ونفوس الإنسان أبعد من موقعها ومواصفاتها المحلية، فيما هى ناطقة بهذه المواصفات، متمثلة لها، وناطقة كذلك رامزة بعلامات ومضامين وسمات أدب بعينه. وهذا ما وجدته الذائقة الفرنسية ومحافل التلقى الأدبية النقدية والتسويقية (نقصد هنا دور النشر التى تتوفر على قراء كبار، محترفين) فى عمل جمال الغيطاني، لمست عنده خصوصية وفرادة فى جوانب رؤية العالم والتصوير الاجتماعي، والموقف من التاريخ والوجود والإنسان، وطرائق السرد التخييلي، تركب مطية التاريخ وتتكئ على التراث، تلقحه بنسغ الحاضر وصيرورته، صانعة بذا بناء له جذور ونماء وامتدادات فى آن، أى ليس سردا تخييليا محاكيا لسابق عليه (غربي) كما هى أغلب الرواية العربية. إن العالمية بهذا المعنى حالةُ تلاقح وتفاعل، ومصهرٌ للأشكال والرؤى والدلالات فى قالب يستوعب الكل فى واحد، والواحد فى كل.

  • قدمت هذه الورقة فى ندوة «عالمية جمال الغيطاني» التى نظمت خلال معرض الكتاب الأخير بالقاهرة، وشارك فيها الدكتور صلاح فضل، والسيدة سلوى بكر.