محمد عبد النبي شياطين الكتب   “وذات يوم جاءنا الصبَّاغ بكتابٍ متسائلًا: – هل سمعتم عن هذا الكتاب؟ غلافه من الخارج يدل على أنه كتاب تاريخ، وقد غُطى به لإخفاء

شياطين الكتب

محمد عبد النبي

شياطين الكتب

 

“وذات يوم جاءنا الصبَّاغ بكتابٍ متسائلًا:

– هل سمعتم عن هذا الكتاب؟

غلافه من الخارج يدل على أنه كتاب تاريخ، وقد غُطى به لإخفاء عنوانه الحقيقى وهو رجوع الشيخ. ونصحنا بقراءته سرًا. تبادلناه واحدًا بعد الآخر. مررنا بسرعة على أبوابه لنقع فى قبضة حكاياته. أججت نيراننا ومدتها بوقود من العفاريت”.

هذه الفقرة من قشتمر محفوظ، آخر رواياته والتحية العذبة لفن الصداقة. أمَّا رجوع الشيخ، ولعلّه ما زال محظورًا حتى الآن، فهو قطرة فى بحرٍ من التراث العربي، بحر يموج بالأخيلة الحسية والحكايات الشهوانية مما تمّ استبعاده وإخفاؤه عمدًا، حتّى ولو لم يعد شباب اليوم، كما كانت شلّة قشتمر فى أوائل القرن العشرين، بهم أى حاجة لقراءة كتاب ليؤجج نيرانهم.

لم يسلم الغرب أيضًا من مهازل المنع والحجب بل سجن المبدعين أحيانًا، حتى فترة قريبة من القرن العشرين، وفى كل مرة، وبعد مرور السنوات ونضج الوعى يُرد الحق لصاحبه ويُنصف الكاتب وكتابه ولا تبقى إلّا مساءلته وتقييمه بمعايير الأدب والنقد، غير المقدّسة والتى ينفتح فيها باب الاختلاف الرحيم على مصراعيه، بل ربما قُررتْ بعض تلك الكتل الممنوعة فى السابق على طلاب المدارس والجامعات.

حينما ترجمنا مثل تلك النصوص إلى اللغة العربية، على استحياء مرة أو فى مغامرات شجاعة مرة أخرى، بدأنا نتحدث – يا للهول! – عن الكتابة الإيروسية وتجلياتها ونماذجها من الماركيز دو ساد ود. ه. لورانس إلى أناييس نن وهنرى ميلر إلى ومن لفّ لفّهم. استوردنا إيروس الأشقر ونسينا إيروس الشرقى الأسمر الجميل المحبوس فى كتبنا الصفراء المتهرئة.

وإيروس هذا بالمناسبة، هو نفسه كوبيدو أو كيوبيد أو أمور، ابن الست أفروديت من الأخ هيرمس، وهو حسب الأستاذ أمين سلامة فى معجم أعلام الأساطير اليونانية والرومانية، يمثّل “مبدأ الاتفاق والاتحاد فى بناء العالم ومخلوقاته…”، وله نوادر ومغامرات، لكن اللافت أنه لم يكن إلهًا للجنس الحسيّ والشبق الأعمى، بل للحب والغرام، بدليل أن له أخًا اسمه هيميروس مختصًا بالشهوة الحيوانية المحضة. لكن الشُهرة لها كلمتها الأخيرة حتى بين الآلهة الوثنية، فجعلنا من اسم إيروس مَصَدرًا ننسب له كتابة شهوانية، تلك الكتابات التى تتواتر بانتظام فى لغتنا العربية حتى الآن، سواءً مدّت لها جسرًا نحو أسلافها العرب أم آثرت أن تنتح من معين إيروس الأشقر.

أتفق تمامًا مع القائلين بأنه لا يجوز الاستشهاد بهذا الجانب من تراثنا فى معرض الدفاع عن نصوص حديثة يمكن أن نعتبرها إيروسية، لأنه سيكون دفاعًا سلفيًا يحكّم تماثيل الماضى فى أجساد الحاضر الحيّة، كما أن تلك الكتابات ربما كانت ثورية فى زمانها ولن تظل بالتأكيد كذلك فى أيامنا الحزينة هذه، حيث الكتب تُنتَج بالآلاف ومع ذلك تظل موضع شك وخشية السُلطات وسَدَنة الأدب الرفيع وحماة الأخلاق، وكأنها مسكونة بشياطين، قد تتسلل منها ما إن نقرأها لتخطف الأطفال وتغوى النساء وتمسخ عقول الشباب وتعيث فى الأرض فسادًا.

صحيح أن إيروس كان يحمل فى جعبته سهامًا ذهبية ترشق فى صدر الإنسان أو الإله من هؤلاء فيقع فورًا فى غرام أوّل شخص يراه، ولكنه أيضًا كان يحمل سهامًا أخرى من رصاص، تصيب بالبغض والنفور والكراهية، وكثيرًا ما استخدمها كذلك. يبدو وكأن جعبة إيروس قد فرغت من سهام المحبة ولم تبق فيها إلا سهام الرصاص، لكن متى كانت الكراهية قادرة على العمل والإنتاج والاستمرار؟ متى نجح المنع والحجب فى مسخ الناس وتغييب عقولهم لأمد بعيد؟ يُحكى أن صبيًا صغيرًا تربى فى دير لرهبان متزمتين منذ طفولته، فلم ير امرأة طول عمره، وحينما صار صبيًا يافعًا توسّل إليهم لكى يخرج إلى السوق، حيث رأى بائعة فتنته، وحينما سأل عنها الراهب المرافق له، أخبره أنها الشيطان. عاد الغلام للدير بسهم إيروس فى صدره، وحينما سأله رئيس الدير عن أكثر ما أعجبه فى السوق، أجابه دون تردد: الشيطان، الشيطان يا أبانا.