صراع أدمغة أمينة خيري   قل صراع أدمغة ولا تقل صراع أجهزة أو صراع مسئولين أو فاسدين أو حتى مشتاقين. صراع الأدمغة الدائرة رحاه 24/7 أى على مدار الساعة طيلة

صراع أدمغة

صراع أدمغة

أمينة خيري

 

قل صراع أدمغة ولا تقل صراع أجهزة أو صراع مسئولين أو فاسدين أو حتى مشتاقين. صراع الأدمغة الدائرة رحاه 24/7 أى على مدار الساعة طيلة أيام الأسبوع دون هوادة يعصف بالجميع. هذا الصراع المستهلِك -لما يُقدر فى سوق العمل بمليارات الدولارات من العمل والإنتاج- للوقت والجهد والأعصاب والموارد (من فناجين قهوة وربما سجائر بالإضافة إلى الكهرباء) حيث التنظير والتحليل، أو الندب والنواح، أو التشكيك والتخوين، أو الإفتاء والاستياء أو جميعها مجتمع زاد عن حده. وهو لم يزد عن حده فقط حيث إهدار الوقت والجهد على أثير “فيس بوك” و”تويتر” ومقاعد المقاهى وجلسات النخب يمينا فى ستوديوهات الفضائيات ويسارا فى صالونات اجتماعية تتحول سجالية. لكنه زاد عن حده لأنه لا يصل إلى أية نتائج ملموسة يمكن أن تنعكس على المواطن العادي. فلا أفكار جبارة تصدر عن هذه الحلقات، أو حلول مبهرة تتفتق عنها الأذهان، أو إبداعات ملهمة تسلط الأضواء على مسارات بديلة. تحول التنظير والإفتاء من هواية إلى عمل، ومن حرفة لبعض الوقت إلى حرفة كل الوقت، ومن نشاط فكرى على الإنترنت إلى ألعاب استعراضية واستخباراتية وانتهازية وربما انتقامية. وأصبح المواطن إما طرفا فى صراع الأدمغة الدائر دون هوادة والحادث دون تفكر أو تعقل، أو ضحية لهذا الصراع حيث يتلقى الناتج اليومى معيدا تدويره، كل بطريقته، مضيفا إليه بعضا من هذا الشطط، وقليلا من تلك المبالغة وربما رشة “بهارات” من لزوم القعدة، فتحولت مصر فى الأسابيع الماضية إلى صخب وصراخ ولغط وهرج دون الوصول إلى أية نتائج، لا على الأرض يمكن ترجمتها إلى أفعال تساعد الناس، ولا على سبيل التفكير والإبداع يمكن بلورته وتحويله إلى أفعال. كثيرون أدمنوا الصراخ لأنه ربما ينفس عن الغضب، أو يجذب إليهم الانتباه بعد ما خفتت الأضواء من حوله. فمصادر الجلبة كثيرة، ودواعى انجذاب الأضواء عديدة. إعلاميون جن جنونهم، وسياسيون فقدوا السيطرة على عقولهم، وبرلمانيون لا يصدقون أنهم أصبحوا برلمانيين، ومنظرو فيس بوك ومفتيو تويتر صدقوا أنهم حكماء العصر والزمان، وفلاسفة الحاضر والأوان. وبدلا من أين يكون أولئك هم قادة الفكر، وعقلاء البلاد، وحكماء البلاد قرروا أن يغوصوا فى ثقافة العشوائيات ويغرقوا فى عسل الفضائيات وينهمكوا فى خيوط العنكبوت مطلقين العنان لتشابكات ونظريات وكلمات ما أنزل الله بها من سلطان. ضرورى أن يعبر الجميع عن رأيه وموقفه ورؤيته (لا سيما أن الحياة الحزبية السياسية ماتت) وحتمى أن يبحث البعض عن معلومات صارت عزيزة أو ينقب عن حقيقة أصبحت غائبة، لكن أن تتخذ الغالبية قرارا جماعيا بأن تقول لغطا وتتفوه جلبا لمجرد جذب الانتباه وعمل قاعدة لها بين الناس، فهذا ليس إلا صراع أدمغة كريه من شأنه أن يقضى على الجميع. رجاء، عد من واحد لعشرة قبل أن تفتي!