إبراهيم فرغلي ناجى والمسئولية   يتصور البعض أننى تنبأت باختفاء كتب نجيب محفوظ حين قدمت تصورا أدبيا لهذا الافتراض فى روايتى أبناء الجبلاوي، ثم فوجئت بما حدث لروايات الرجل من

ناجى والمسئولية

إبراهيم فرغلي

ناجى والمسئولية

 

يتصور البعض أننى تنبأت باختفاء كتب نجيب محفوظ حين قدمت تصورا أدبيا لهذا الافتراض فى روايتى أبناء الجبلاوي، ثم فوجئت بما حدث لروايات الرجل من سيناريو شبيه تقريبا. ثم سألنى البعض أسئلة شبيهة تخص توقعات شبيهة فى معبد أنامل الحرير، بعد أحكام السجن التى طالت كلا من فاطمة ناعوت وإسلام بحيرى وأحمد ناجي.

والحقيقة أننى فى أسوأ كوابيسى لا أستطيع توقع لا هذا السيناريو ولا ذاك. ما زلت حتى اليوم، رغم كثرة ما مررنا به من تجارب سجن الكتاب أو التنكيل بهم، لا أستطيع أن أصدق خبر سجن كاتب أو حتى الحكم عليه. يظل الخبر فى حد ذاته بالنسبة لى كأنه مسألة كابوسية، مكانها الحلم، الخيال، لكن ليس على أرض الواقع. أتلقى الخبر مصفوعا وغير مصدق تماما كما حدث أيضا عقب معرفتى بخبر سجن ناجي، خصوصا أننا كنا تنفسنا الصعداء قبل فترة بعد حصوله على البراءة فى جلسة الحكم الأولى، ولم نعرف باستئناف النيابة إلا بعد صدور حكم السجن.

وأعتقد أننا قد أتخمنا من إدانة أحكام السجن، التى تتوالى ونحن نقف أمامها عاجزين، مندهشين من التهم التى يتعرض لها النص وكاتبه، نصرخ بإدانة السجان ونبكى على حرية التعبير المغدورة.

نعرف جميعا أن كل هذه الأحكام تتناقض مع بنود الدستور التى أقسم على الحفاظ عليها رئيس الدولة وأعضاء حكومته، ونواب البرلمان، ونعلم أن الغالبية العظمى من القضاة الذين يصدرون هذه الأحكام يغتنمون فرصة تناقضات وازدواجية التشريعات التى تتناقض بدورها مع الدستور، لكنها مفعلة وبموجبها يمكن الزج بالناس للسجون. وأن هؤلاء القضاء فى غالبيتهم يتسمون بالمحافظة، كما نعلم أن كل هذه القضايا التى أدت إلى مصادرة كتب أو منع تدريسها أو ألقت بالكتاب فى السجن كان وراءها دوما شخصيات من المجتمع، وبعضهم لا ينتمى حتى للسلطتين الدينية أو السياسية، مثل محمد عباس فى قضية وليمة لأعشاب البحر، أو المحامين الذين يتبرعون للوشاية بالنصوص التى يتربصون بها بدعوى أن قلوبهم الضعيفة لم تحتمل ذكر الأشياء بأسمائها، أو حتى بعض الجهلة الذين حاولوا قتل نجيب محفوظ أو الذين قتلوا فرج فودة.

نعرف كل هذه الوقائع التعيسة، لكننا نكتفى بالشجب والمؤتمرات والتضامن، بينما أعتقد أن هذا الزمن قد انتهى، وأصبح على الجميع أن يجدوا وسيلة عملية فاعلة يثبتون بها تناقض الأحكام مع بنود حرية التعبير فى الدستور لوقف هذه الأحكام فورا. والأمر الثانى تكوين جبهة بالتعاون مع نواب مجلس الشعب من أنصار حرية التعبير ورجال القانون والمجتمع المدنى لكى يتبنى أحد النواب تشريعا يقضى بمنع القوانين السالبة للحريات فى المجتمع المصري.

وأظن أن وزير الثقافة المصرى أيضا وبصفته أحد المدافعين عن حرية التعبير مطالب بأن يكون طرفا فى تبني، أو على الأقل دعم، مثل هذه الجبهة وتيسير السبل لها لكى تحقق هذا الهدف.

دعونا نعترف أننا جميعا نتحمل جزءا من المسئولية، بالإهمال أو التراخى أو عدم الاصطفاف، أو التحرك المتأخر باستمرار والاعتماد على ردات الفعل بدلا من أن نكون فاعلين، لكى نتحمل جميعا مسئولياتنا فى استعادة حق كل مواطن مصرى فى ممارسة حرية التعبير بقوة الدستور والقانون.