هوامش دستورية على موسم حبس المثقفين! صلاح عيسى   أثار الحكم الذى أصدرته فى الأسبوع الماضى محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا، إحدى محاكم القاهرة، بحبس الصحفى والروائى الشاب «أحمد

هوامش دستورية على موسم حبس المثقفين!

هوامش دستورية على موسم حبس المثقفين!

صلاح عيسى

 

أثار الحكم الذى أصدرته فى الأسبوع الماضى محكمة جنح مستأنف بولاق أبو العلا، إحدى محاكم القاهرة، بحبس الصحفى والروائى الشاب «أحمد ناجي» لمدة عامين، بسب نشره لفصل من روايته «استخدام الحياة»، وبتغريم «طارق الطاهر» – رئيس تحرير أسبوعية «أخبار الأدب» التى نشرته، عشرة آلاف جنيه، عاصفة من الاحتجاجات شملت – فضلا عن مئات من الأدباء والمثقفين والصحفيين ورجال القانون وفقهاء الدستور والمعنيين بحريات الرؤى والتعبير – عددا من النقابات والمنظمات الثقافية ومنظمات المجتمع المدنى، كان على رأسها نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين.

وكان وراء هذه الموجة العارمة من الاحتجاجات أسباب جدية، من بينها أن هذا هو الحكم الثالث من نوعه، الذى يصدر خلال شهور قلائل، بعد الحكم بحبس الباحث الإسلامى «إسلام بحيري» عاما والشاعرة «فاطمة ناعوت» ثلاثة أعوام، وهو أكبر عدد من أحكام ومدد الحبس فى جرائم النشر التى لا صلة لها بالسياسة، يصدر خلال عام واحد منذ عرف القانون المصرى هذا النوع من الجرائم، مما أعطى الانطباع بأن هناك موجة منظمة من الملاحقات القضائية تستهدف حريات الرأى والتعبير والإبداع الفكرى والأدبى والفنى.

ما يلفت النظر فى هذه الوقائع الثلاث، أن السلطة العامة التى كانت – فى حالات سابقة – تتمثل فى لجنة البحوث والنشر بمجمع البحوث الإسلامية، إحدى هيئات الأزهر، أو فى مباحث المطبوعات والمصنفات الفنية، أحد أفرع وزارة الداخلية، لم تكن هى التى بادرت بتقديم بلاغات إلى النيابة العامة، فى كل واحدة منها، بل بادر إلى ذلك محامون أو قراء، احترفوا – لأسباب مختلفة – تقديم هذا النوع من البلاغات، باعتبارهم ممن تضرروا من هذا النشر.

والحقيقة أن عزوف الأزهر – بالذات – عن إقحام نفسه فى هذا النوع من القضايا وتوقفه عن تقديم بلاغات فى هذا الشأن إلى النيابة العامة، وهى السياسة التى اتبعها منذ تولى المشيخة فضيلة شيخ الأزهر الحالي، هو خطوة إيجابية تستحق الإشادة والتقدير، لأنها أعادته إلى دوره الأصلي، الذى أناطه به القانون والدستور، باعتباره مؤسسة تعليمية أكاديمية، متخصصة فى العلوم الدينية الإسلامية، تقوم على البحث والحوار، وليس سلطة اتهام، فضلا عن أنها جنبته الدخول فى معارك لا طائل من وراءها مع المثقفين والفنانين والمفكرين.

وبعزوف من الأزهر عن خوض هذا النوع من المعارك، أو تحريك هذا النوع من القضايا، عادت إلى مجالها الطبيعي، وهو نصوص الدستور والقانون التى تحكمها، وكان هذا هو ما استند إليه الذين احتجوا على صدور أحكام سالبة للحرية فى القضايا الثلاث الأخيرة، إذ اعتبروا ذلك – عن حق – مخالفة صريحة للمادة 67 من الدستور المصرى القائم، وتنص على أنه لا يجوز رفع أو تحريك الدعوى العمومية لوقف أو مصادرة الأعمال الفنية والأدبية والفكرية أو ضد مبدعيها إلا عن طريق النيابة العامة، كما تنص على ألا توقع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى ترتكب بسبب علانية المنتج الفنى أو الأدبى أو الفكري، أما الجرائم المتعلقة بالتحريض على العنف أو التمييز بين المواطنين أو الطعن فى أعراض الأفراد فإن المادة تنص على أن يحدد القانون عقوبتها، وللمحكمة فى هذه الأحوال إلزام المحكوم عليه بتعويض جزائى للمضرور من الجريمة، إضافة إلى التعويضات الأصلية المستحقة له عما لحقه من أضرار منها.. وذلك كله وفقا للقانون.

ذلك هو النص الدستورى الذى تجاهلته المحاكم التى قضت بحبس المتهمين فى هذه القضايا الثلاث، وهذا هو مناط الاعتراض الذى استند إليه المحتجون، لأن قرار الاتهام الذى صدر عن النيابة العامة فى كل منها طالب بتوقيع العقوبات التى تنص عليها مواد قانون العقوبات التى أحيل المتهم فى كل منها بسبب مخالفته لها إلى المحاكمة، دون أن يلتفت أو تلتفت المحكمة التى أصدرت الحكم، إلى دفوع الدفاع عن المتهمين بأن عقوبة الحبس التى وردت فى هذه المواد، قد ألغيت بنص صريح فى الدستور.

ويختلف الفقهاء الدستوريون، عادة حول الجهة المخاطبة بمواد الدستور، فيذهب البعض منهم إلى أنها نافذة بذاتها، وأن القاضى يستطيع أن يحكم استنادا إليها دون ضرورة لصدور قانون بذلك، خاصة المواد التى تتعلق بالحريات، فى حين يرى أغلبهم أن مواد الدستور خطاب للمشرِّع، وهو السلطة التشريعية التى يمارسها مجلس النواب، الذى يتوجب عليه أن يصدر القوانين التى تطبق مواد الدستور وتفصِّل ما أجملته نصوصها، وبالذات مواد الحريات، لتنظيم ممارستها بما يحول دون استغلالها للعدوان على الحقوق العامة أو حقوق الآخرين.

ويستند هؤلاء فى تدعيم رأيهم إلى نص المادة 224من الدستور التى تنص على أن كل ما قررته القوانين واللوائح من أحكام قبل صدوره، يبقى نافذا ولا يجوز تعديله أو إلغاؤه إلا وفقا للقواعد والإجراءات المقررة فى الدستور، وهى مادة تلزم الدولة بإصدار القوانين المنفذة لأحكام الدستور.

وصحيح أن القانون الذى سيلغى العقوبات السالبة للحرية فى جرائم النشر تطبيقا للدستور، لم يصدر بعد، لكن من الصحيح كذلك أن من واجب المحاكم أن تراعى مواد الدستور عند إصدار أحكامها فى القضايا، من باب الملاءمة والذوق القانونى السليم، خاصة أن مواد قانون العقوبات التى جرى تطبيقها على المثقفين الثلاثة، تخير القاضى بين الحبس والغرامة، فتفتح أمامه بذلك الباب لتطبيقها بالحكم بالغرامة، دون أن يخالف الدستور.

ذلك ما يوجب على النائب العام أن يسترعى إليه انتباه وكلائه، ومن مجلس القضاء الأعلى أن يذكر به القضاة، حتى لا تتدفق أحكام حبس المثقفين بالمخالفة للدستور، وبالمجافاة للذوق القانونى السليم، وهو ما يفرض على الأول – أيضا – أن يوقف تنفيذ الأحكام الثلاثة التى صدرت فى هذا الشأن، إلى حين نظر الطعن فيها أمام محكمة النقض.

وإذا كان ذلك من واجب القضاة، فمن واجب المبدعين أن يضعوا فى اعتبارهم طبيعة المناخ الثقافى والاجتماعى المحيط بهم، وأن يتنبهوا إلى أنه من الخطأ القفز على مراحل التطور، والتسرع باستفزاز الفئات والتيارات المحافظة، وأن من مصلحة الحرية، أن نمارس جميعا كل مساحة نتاج منها بشكل رشيد ومتدرج، يوسع من نطاق المتحمسين لها، بدلا من أن يصدهم عنها، ويدفعهم للانخراط فى صفوف أعدائها.