فاروق حسنى بين الاستعلاء و العولمة عز الدين نجيب   قدمت الناقدة الفنية، فاطمة على بجريدة القاهرة فى 23 فبراير الماضى عرضا للكتاب الذى صدر مؤخرا بالإنجليزية عن لوحات فاروق

3022

202050

فاروق حسنى بين الاستعلاء و العولمة

عز الدين نجيب

 

قدمت الناقدة الفنية، فاطمة على بجريدة القاهرة فى 23 فبراير الماضى عرضا للكتاب الذى صدر مؤخرا بالإنجليزية عن لوحات فاروق حسني، أبدت فيه صدمتها لخلوه من كلمة واحدة عن أعماله لناقد مصري، ضمن ما يزيد على 12 مقالا لنقاد أجانب ومديرين لمتاحف أوروبية قام الفنان باختيارها وأجرت حوارا معه عبرت فيه عن دهشتها لتجاهله نشر أى مقال لناقد مصرى رغم كثرة من كتبوا عنه من كبار النقاد.

كان عنوان مقالها فى حد ذاته معبرا عن رأيها فى هذا التجاهل، حيث اتخذ صيغة سؤال: «لماذا يضع فاروق حسنى نقاد بلده فى الدرجة الثانية؟».. فكان رده أن الناشر – وهى دار أجنبية مصرية مشتركة حسب قوله – طلبت أن تكون الكلمات باللغة الإنجليزية (الأم) لأنه معد للبيع بمكتبات خارج مصر بأمريكا وأوروبا ككتاب فن عالمي، وحين ردت بأنه كان من الممكن ترجمة بعض مقالات النقاد المصريين إلى الإنجليزية كى يتعرف الغرب على تقييم نقاد بلده له وعلى مناهج النقد التشكيلى فى مصر، وعلى أسماء مصرية كبيرة مثل الناقد الراحل أحمد فؤاد سليم.. أجابها قائلا:

«هناك فرق بين النقد التعليمى والنقد التقني، وفؤاد سليم كان تعليميا يوجه مقالاته النقدية لمجتمع (عاوز يقرا هذا الفن)، أما الناقد الأوروبى فيتحدث فى مقالاته فى المطلق، على أساس أن هذا الفن بالفعل يستوعب كليا، أما عن كتاب الرزاز فهو مدرس لأستاذ فن يقدم للقارئ ماهية المعطيات لهذا الفن، ولذلك حين ننظر إلى الكتاب (يقصد كتاب الرزاز دون ذكر عنوانه) فهو تقنى موجه لجمهور أعم ومتنوع ككتاب موجه للمجتمع المصري، لأن القليل من المشاهدين من يفهم أو يدرك هذا النوع من الإبداع، وأظنه يشير إلى الفن التجريدى تبعا للسياق.

والحقيقة أننى لم أندهش لما اختاره فى كتابه من مقالات أو لما قاله تبريرا لاختياره، بل لم أصدم كما صدمت الناقدة فاطمة، لأنه يعكس موقفه المتعالى من النقد المصري.. فهذان الناقدان اللذان أشار إليهما تحديدا هما أكثر من عبَّر عن اتجاهات الحداثة الأوروبية، ليس بكتاباتهما وحدها بل بفنها أيضا إلى درجة التشيع للحداثة، وكانت كتابات المرحوم «سليم» بوجه خاص أبعد ما تكون عما وصفه به الفنان «حسنى» بالنقد التعليمى الموجه للمجتمع، وقد تفانى فى تحليل أعماله والكشف عن جمالياتها التجريدية بلغة تناظر – إن لم تجاوز – لغة النقاد الأوروبيين، حتى وصف أسلوبه بالتقعر والغموض، وصُنف اتجاهه كفنان مصور فى إطار المدرسة التجريدية التعبيرية التى ينتمى إليها «حسني» نفسه.. وكان ذلك يباعد بينه وبين الناقد التعليمي، خاصة مع صعوبة استيعابه من جانب الفنانين أنفسهم.. فما بالك بالمجتمع!

أما «الرزاز» فإن أسلوبه فى كل من النقد والإنتاج الفنى كمصور ونحات، لا يمكن وصفه بالتعليمي، هذا إذا سلمنا بوجود شىء اسمه النقد التعليمي، بل إن الكلمتين (نقد.. وتعليمي) متعارضتان فى الحقيقة؛ ذلك أن مهمة النقد هى تحليل «النص البصري» بعناصره الفنية والتعبيرية والدلالية والعلاقات فيما بينها، ونلمس جوانب القوة والضعف فى «الشكل» وهو أساس الفن، ومدى الابتكار والتميز فيه وإرجاعه إلى أصوله فى الطبيعة أو التراث أو الفكر أو الفن ذاته.. إذن فهو معيار قيمى للفن بلغته الخاصة قبل كل شىء، والناقد يحترم التنوع والتعدد فى الاتجاهات والأساليب قديمها وحديثها بشرط تمتع العمل الفنى بالقيمة مرتبطا باتجاهه وأسلوبه، وطالما كان النقد كذلك فهو نسبى تختلف معاييره من مدرسة لأخرى ومن ناقد لآخر بل من عصر إلى عصر آخر، إلا فى الأساس الجوهرى للجمال والحكم على العمل بأنه فن أو لا فن. (وهذه الشروط تنطبق تماما على كتابات الناقدين المذكورين)

أما تعليم الفن فقد يقوم به صحفى أو معلم ذو حس جمالى ومعرفة بالمدارس والقيم الفنية، فوق امتلاكه لغة موضوعية وأرضا مشتركة بين الصحفى أو المعلم وبين المتلقي، ما يتطلب تبسيط العرض بما يتناسب مع قدرة القارئ أو المشاهد على الاستيعاب، ومن ثم أهمية الأخذ بيده لهضم الأعمال الفنية واتجاهاتها المختلفة، من منظور الثقافة العامة والأساليب الأكاديمية المبسطة وربطها بمدركات جمالية قد تكون خارج العمل الفنى المحدد، وقد يكون «الناقد» بالمفهوم الأول قادرا على القيام بالمهمتين.. كل منهما فى مجالها، أما تعليم الثقافة الفنية فالنقد فيه ضمنى وثانوي، وإن لم يكن هناك ما يمنع أن يكون الصحفى – أو المعلم – ناقدا بالمعنى المشار إليه، أو أن يكون فنانا ممارسا، شرط أن يكون قادرا على التوصيل الثقافى والذوقى للمتلقي.. وهذا لا يقلل من قدرة كليهما بل يعظمه، كونهما يحققان رسالة نحو المجتمع والفن معا، أبعد من الاكتفاء بالإنتاج الفنى أو النقد البحت للمتخصصين، بل استطيع القول ان الناقد الحق كلما كان أكثر نضجا كان أكثر قدرة على التواصل مع المجتمع، لأنه يصل إلى المفاهيم الكلية ببساطة لا تعوزها اللغة، وقد يكون العكس صحيحا كذلك، بمعنى أن التعقيد اللغوى قد يكون ناتجا عن عدم اكتمال النضج ووضوح الرؤية والأدلة لا تحصى من الجانبين.

هذه بديهات أظن أن الفنان «حسني» يعيها جيدا، كما يعى أن رأيه الذى أعلنه فى النقاد المصريين (الذين لم يستثن منهم أحدا) رأى غير صائب.. بل ظالم وجارح ومهين.. فلماذا قاله بعد أن طبقه فعليا باستبعاد النقاد المصريين من كتابه وهو الدبلوماسى المحنك والأنيق فى تعبيراته؟!

قد لا أتفق مع الناقدة فاطمة على فى تفسيرها لموقفه بأن ينظر إلى النقاد المصريين على أنهم من الدرجة الثانية، لأنه أعلنها بصراحة، أنهم ليسوا نقادا أساسا، بالرغم من أن بعضهم قال له المدائح جزافا، حتى ان الناقد الراحل مختار العطار شبهه بالفنان الإيطالى الخالد مايكل آنجلو فى مقال شهير، أما أحمد فؤاد سليم فقد وضعه فى مصاف كبار المجددين فى العالم.. أيكون ذلك فى حد ذاته هو السبب؟ أعنى أن فاروق حسنى كان يدرك أنهما بهذا الإغداق فى مدحه كانا – وغيرهما – يغازلون فى الوزير ويداهنون السلطة لا الفنان؟ ومن ثم فليس لديهم المصداقية التى تجعل العالم يصدقهم؟!

ربما نجد لهذا التفسير وجاهته، لاسيما ونحن نعلم أن المرحوم «سليم» كان له رأى مختلف تماما فى شخص وأعمال فاروق حسنى قبل أن يأتى وزيرا، حتى انه هاجمه بشكل حاد، وأصبح رأيه فيه حديث المدينة، وما إن تولى وزارة الثقافة – فى مفاجأة مدوية وغير متوقعة – حتى أصبح «سليم» داعية للوزير، ووظف كل خبراته ومواهبه لتنفيذ مشروعاته ونشر اتجاهه الفنى بيد الشباب، حيث أصبح مرءوسا له وتحت رحمته فعلا لا مجازا!

أما المرحوم مختار العطار فقد كان يبدى رأيا سلبيا تماما فى فن «حسني» قبل مجيئه وزيرا، وله مقالات منشورة بمجلة المصور أعلن فيها موقفه الرافض لاتجاهات الفن الأوروبى الموغلة فى الحداثة، وكان يسميها «فن الخوارج»، ولم يكن فن «حسني» بعيدا عنها، لكن للضرورة أحكامها.. فطالما كانت هناك «حاجة» للإنسان يصبح الحق كالجمر، ويصبح الصدق على المحك، إلا من امتلك نعمة الاستغناء وشجاعة القبض على الجمر أو المبدأ.

وقد نجد آخرين غيرهما زينوا للوزير ريادته بغير اقتناع، لكن آخرين أيضا – وإن كانوا قلة – أبدوا إعجابهم بفنه دون غرض، مثل المرحومين الناقدين حسين بيكار ومحمود بقشيش والناقدة فاطمة علي، وهناك من كتب عنه (مثلي) حيث أبديت اختلافى معه من منظور نقدى لا من منظور تعليمى على حد تعبيره، بالرغم من عملى تحت رئاسته، ونشر مقالى بجريدة الحياة فى لندن فى ذروة سلطانه، وقمت بتسليم المقال له شخصيا خشية ألا يصل إليه من خلال مكتبه.. فإذا كان لديه ما يبرر عدم الاعتراف بالمقال لاختلافى معه (وأنا أقدر ذلك تماما، فليس من المنطق أن ينشر فى كتاب لتكريمه ما يشوب نقاءه وشياكته).. فبماذا يبرر عدم اعترافه بمقالات بيكار وبقشيش وفاطمة؟ ولا يستقيم القول بأنهم كانوا ذوى أغراض، فقد عاش الأولان وماتا فقراء من الزهد أو التعفف ولم تظهر على الأخيرة حداثة نعمة بتقربها إليه، إلا إذا كان رأيه فيهم أنهم ليسوا نقادا من الأصل.. كما ذكر فى حواره!

فى ظنى ان الأمر ليس كذلك، إنما هو يتلخص فى تعلق فاروق حسنى بأثواب العالمية بعد أن فقد أثواب السلطة، ودعنا نكون أكثر تحديدا فنقول إنه تعلق بالعولمة التى بات معنى الوطن بالنسبة لها فى خبر كان، فاختياره للنقاد الأوروبيين فى كتابه راجع إلى أنهم أبناء اللغة (الأم) حيث يصبحون مدخله إلى العالمية أو العولمة الثقافية التى لا مكان فيها للهوية الإقليمية، حتى لو لم تخل كتاباتهم عنه من هوى، كونهم كتبوها عن الوزير لا عن الفنان، ولا ننسى أن أحدهم صاحب قاعة عرض خاصة فى روما، كان ولا يزال يقوم بعرض وتسويق لوحاته، وكان آخرون يقيمون معارض له فى المتاحف التى يديرونها بدوافع «سياسية» وليست فنية، أى أنهم كانوا يستضيفون «مصر» وقد اختزلوها فى شخصه، حتى أن بعضهم ربط بين لوحاته وبين الأهرام والنيل وشواهد الحضارة المصرية القديمة، وتمت استضافة بعضهم فى مصر وأعد لهم برنامج سياحى كضيوف (VIP) فلا أقل من أن يردوا الجميل.

إن فاروق حسنى يعلم جيدا – بحكم إقامته 17 سنة متصلة فى أوروبا – أن النقد هناك ليس بالنزاهة والموضوعية والمنهجية التى يصورها لنا، بل يعلم أن مقدمات كتالوجات المعارض تكتب هناك بتسعيرة معلومة للكلمة الواحدة تدفع باليورو حسب حجم الناقد وشهرته، وليس بالضرورة أن يدفع الفنان قيمتها، بل يمكن أن تقوم بذلك قاعة العرض، لأنها ستحصّل ما تدفعه أضعافا.. ولقد تمت تبرئة «حسني» من تهمة الكسب غير المشروع إبان ثورة 25 يناير بعد أن قدرت ثروته بمبلغ اثنى عشر مليون جنيه، حيث أثبت أنها من عائد بيع لوحاته كفنان عالمي، وجاء الدليل على ذلك بنجدة من صديقه الفنان الراحل مصطفى حسين الذى كان نقيبا للتشكيليين آنذاك، حيث أعطاه شهادة من النقابة تؤكد أنه باع لوحات بهذا المبلغ، دون أن يكون لديه دليل رسمى ملموس على ذلك.. حسنا.. دعونا نحيّى شهامة الصديق تجاه صديقه وقت الشدة، ونقدر حق الفنان لدى النقابة التى ينتمى إليها فى أن تقف بجانبه وتعطيه صك البراءة الكفيل بإنقاذه من السجن.. فهل سدد فى مقابل هذا الصك حق النقابة.. وهو نسبة 2٪ من مبيعاته كما يفرضها قانون النقابة؟ إن قيمة هذه النسبة هى 240 ألف جنيه، وكانت النقابة فى أمسّ الحاجة إليها، باعتبارها أفقر نقابة بين النقابات الفنية، حتى انها لا تجد ما تصرفه كمعاشات للفنانين أو نفقات لعلاجهم.. فهل دفعها؟ لقد اكتفى بالتبرع بمبلغ 20 ألف جنيه (بعيدا عن موضوع النسبة).. فماذا عن الـ240 ألفا المستحقة؟ قد يرى البعض أنى أطلق الكلام جزافا.. فلمن يريد الدليل فليسأل أمين عام النقابة وهو (الناقد) صلاح بيصار، فهو مصدرى فى هذه المعلومات.

إن عدم وفاء فاروق حسنى لا يقتصر على موقفه من النقاد، بل يشمل كذلك كل زملائه من الفنانين، مؤكدا ما هو أقسى من الاستعلاء والاستبعاد.. فمن يضنُّ بحق الزملاء الذين أخلوا سبيله من سراى النيابة (أى أعضاء النقابة).. هل نلومه على ضنِّه بحق من كتبوا عنه وأشادوا بفنه من النقاد؟ وأود تأكيد أننى لا أبدى هذا الرأى هنا كموقف شخصى تجاهه، بل أكنّ كل احترام لفنه وشخصه، وقد جمعتنا فى سنوات الشباب زمالة العمل فى الثقافة الجماهيرية، وقت أن كان تثقيف الجماهير وتنويرها قضية تستحق النضال، وأقدر دوره الكبير فى الثقافة خلال وزارته لما يقرب من ربع قرن، وكم تمنيت أن يولى النقد والنقاد طوال هذه الفترة بعض اهتمامه، ببحث مشاكلهم وإتاحة الفرص أمامهم لزيارة المتاحف العالمية ومتابعة الحركات الفنية فى دول العالم غربا وشرقا، وإقامة منابر لنشر أعمالهم، بدلا من أن يكتفى بالقول، بعد أن غادر مقعده بسنوات، بعدم وجود نقاد فى مصر، وهو لم يقدم لهم شيئا يذكر بل هم من صنعوا بكلماتهم المحتفية به منصة عالية وقف فوقها شامخا.