أسامة عبد الفتاح يكتٌب .. العرب فى أوسكار 2016.. إنجاز فريد   بصرف النظر عن النتائج التى آلت إليها ليلة توزيع جوائز الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما مساء الأحد الماضي

theeb15-2-2016

أسامة عبد الفتاح

أسامة عبد الفتاح يكتٌب ..

العرب فى أوسكار 2016.. إنجاز فريد

 

بصرف النظر عن النتائج التى آلت إليها ليلة توزيع جوائز الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما مساء الأحد الماضي والمعروفة فى العالم كله باسم «الأوسكار»، يظل ما حققه العرب – على أراضى العم سام هذا العام – فريدا ونادرا فى تاريخهم السينمائي، وباعثا على الفخر بما تنجزه السينما العربية هذه الأيام، ومنه فوز الفيلم التونسى «نحبك هادي» بجائزتى أحسن عمل أول وأفضل ممثل فى الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائى الدولي.

وكان الفيلمان العربيان «ذيب» و«السلام عليك يا مريم» قد وصلا إلى قائمة الخمسة القصيرة النهائية فى ترشيحات جوائز الأوسكار رقم ٨٨ فى فئتى الفيلم الأجنبى والفيلم الروائى القصير على الترتيب، وهو إنجاز حقيقى وكبير للسينما العربية لا يتحقق كثيرا ولم يلق ما يستحقه من اهتمام وترحيب فى مصر، ربما لأن العملين لا ينتميان إليها!

large-2531133040804595349

وليس من قبيل مواساة الخاسر – إذا كان قد خسر، حيث أكتب هذه السطور قبل انطلاق الحفل – القول بأن الترشح للأوسكار – عند الأمريكيين وغيرهم حول العالم – لا يقل بأى حال عن الفوز به، ويتم حساب إنجازات الفنانين وكتابة سيرهم الذاتية بعدد مرات الترشح مثل مرات الفوز تماما.

وظنى أن الأجواء الساحرة التى يدور فيها وحولها فيلم «ذيب»، وأن الجرأة التى يتسم بها فيلم «السلام عليك يا مريم»، من أهم أسباب تحقيقهما تلك الإنجازات الدولية.

وصول «ذيب» لقائمة الأوسكار القصيرة يُعد تتويجا لجولة طويلة، دامت شهورا، قام بها فى المهرجانات السينمائية العربية والدولية، وانطلقت فى سبتمبر 2014 بعرضه العالمى الأول فى مهرجان فينيسيا، حيث فاز مخرجه ناجى أبو نوار بجائزة أفضل مخرج فى مسابقة «آفاق جديدة».. كما شارك فى المسابقة العربية لمهرجان القاهرة 2014، وفى مهرجان لندن، وفى «أبوظبي»، حيث فاز العمل بثلاث جوائز منها أفضل فيلم عربي.

الفيلم هو التجربة الروائية الطويلة الأولى لأبى نوار، ويعكس ميله المبكر للاهتمام بالجماليات البصرية، التى تُعد – فى الحقيقة – أساس فن السينما.. تدور الأحداث عام ١٩١٦، فى الحجاز تحت الحكم العثماني، على ضوء الشرارة الأولى للثورة العربية الكبرى، وفى ظل الحرب العالمية الأولى.. أجواء ساحرة ومثيرة ساعدت على صنع عمل سينمائى مختلف، لا بالخوض فى التفاصيل والوقائع السياسية والعسكرية، لأننا لسنا إزاء فيلم وثائقى تاريخي، ولكن بخيارات المخرج الفنية، وبوجود وأثر واضح لتلك الخلفيات الهائلة على دراما الفيلم وعلى دوافع وسلوك شخصياته.

 أجواء «ذيب» الساحرة وجرأة «السلام عليك يا مريم» وراء وصولهما إلى قوائم الأكاديمية القصيرة

 

ينشغل أبو نوار بمعالجة حكاية الفتى «ذيب»، ابن القبيلة الكبيرة الذى يقضى معظم وقته يلهو مع شقيقه الأوسط، بينما يدير شقيقهما الأكبر شئون القبلية بعد وفاة والدهم «الذئب الكبير».. تدفع الشقاوة الصبى إلى متابعة الشقيق الأوسط فى رحلته لتوصيل ضابط بريطانى إلى بئر مهجورة فى وادى رام جنوب الأردن، لتبدأ مغامرة أراد المخرج أن تتخذ صبغة بوليسية تغلّف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية والسياسية الأخرى.

لابد من التوقف عند النهاية الدموية لطفولة الصبى وبداية رجولته عندما يشاهد مقتل شقيقه والضابط البريطانى – وكل من فى الفيلم فى حقيقة الأمر، وكذلك عند عبارة «الذئب لا ينجب إلا ذئبا» – فى إشارة لتحول الصبى إلى ذئب عندما يقتص لشقيقه من قاطع الطريق فى النهاية – والتى يضعها أبو نوار فى صدارة ملصق فيلمه من فرط اهتمامه بها.

صحيح أن «ذيب» أردنى الإنتاج وعربى التمويل، لكن تبرز فيه ثقافة مخرجه الإنجليزية، وتأثره الواضح بالسينما البريطانية، خاصة فيلم «لورنس العرب» (1962) للمخرج الكبير الراحل ديفيد لين، والذى يدور فى نفس الأجواء والأماكن ونفس الحقبة الزمنية، وإن كان القياس مع الفارق الكبير بالطبع. كما يتأرجح الفيلم بين نوعيات «أفلام الطريق» و«رعاة البقر» والتشويق و«أفلام المرحلة» والأفلام البدوية.

أما «السلام عليك يا مريم»، فيتمتع – خلال مدة عرضه القصيرة التى لا تتجاوز 15 دقيقة – بقدرته على كسر «التابوه»، أو المحظور، الدينى على الشاشة، وهو أمر لا تجرؤ عليه معظم الأفلام العربية الروائية الطويلة.. كما يطرح – بصورة غير مباشرة – قضايا التعايش والتجاور السياسية بين مختلف الديانات والطوائف فى الأراضى المحتلة، فى معالجة كوميدية ساخرة ورؤية ناضجة وسرد متدفق.

فضلا عن الإحساس بالبهجة، يمنحك الفيلم – وهو إنتاج مشترك لفلسطين مع فرنسا وألمانيا من إخراج باسل خليل – الشعور بأن المجد، دائما وأبدا، للإنسان أولا، ولأحلامه وطموحاته المشروعة، بصرف النظر عن دينه أو انتمائه أو لونه أو جنسه، وهذه هى القيمة الحقيقية لفن السينما.