حنان كمال     رأيت العالم من نافذة عربة الاسعاف، كنت راقدة على فراش لطالما رقد عليه مرضى احتاجوا لمساعدة عاجلة، جهاز الضغط موصول بذراعي، بينما جهاز آخر يقيس معدل

ألم

حنان كمال

 

 

رأيت العالم من نافذة عربة الاسعاف، كنت راقدة على فراش لطالما رقد عليه مرضى احتاجوا لمساعدة عاجلة، جهاز الضغط موصول بذراعي، بينما جهاز آخر يقيس معدل الاكسجين فى دمى معلقا بالاصابع، مستسلمة تماما لما يريده الله، من نافذة سيارة الاسعاف كانت الصور تاتى مقطعة، بحسب تضليعات زجاج السيارة بحيث ترى من الشجرة التى مررت بها لتوك نصفها الأعلى أو الاسفل فقط، نصف أعمدة الاضاءة، قمة المبنى او جزءا من وسطه، فى سيارة الاسعاف العالم يشبه لوحة مجمعة، كولاج، كنت واعية تماما، حتى اننى انا من طلبت سيارة الاسعاف لتقلني، ودعت ابنىَّ عند باب المنزل، لكننى نسيت التقاط الشال الصوفى الثقيل الذى قد يقينى من برد الشتاء .

فى المستشفى جرى كل شىء بسلاسة مبهرة، سجل اسمى فى اوراق المستشفى، ارتديت اسورة بلاستيكية تحوى هويتى كمريضة، اسمى ورقما مسلسلا، وكودا اليكترونيا بمجرد وضعه أمام الماسحات الالكترونية لكمبيوترات المستشفى سيتعرف الطبيب على تاريخى المرضى كاملا، كنت مستريحة جدا لهذا الاختزال، لم تعد لدى طاقة لحكى اى شىء، يكفينى ان احكى للطبيب أن الاما مبرحة تداهمنى منذ اسبوع ولا تستجيب لأى من المسكنات .

كان العامل الذى ينقلنى لغرفة الأشعة مصريا صعيديا، استطعت ان اعرفه دون ان ينطق حرفا، كان ماهرا جدا فى الحركة، حاذقا، لهلوبة، يتنقل بسرعة وببراعة كأنما يريد ان ينهى مهمته بسرعة لينتقل إلى ما بعدها، باختصار لم يكن يتحرك وفق كتالوج القواعد، لكنه كان طيبا وبارعا، سأل رفيقا له بسرعة وهو يعبر الممر : هل صليت الظهر؟ كان نهار الجمعة، وكان كعادة المصريين فى الخارج تتجلى معادنه النفيسة جدا، يصلى دون ان يعطل العمل، يساعدنى وينقلنى من غرفة لغرفة بمهارة ولطف دون ان يطلب بقشيشا، كنت اعرف اننى لو حاولت اعطاءه البقشيش فانه سيعتذر .

تنتهى رحلة المستشفى بحقنة جديدة لتسكين الألم، انام بعدها، ارى وعيناى مغلقتين ان الالم يغادرنى ويتطاير كذرات فى الفضاء، الى اين يذهب الألم ان غادرني، اشفقت عليه ان يحط على ارض جديدة قد تنبته من جديد، صاحبته حتى ذهب إلى البحر، هناك يمكن ان يغتسل الألم مرة جديدة من مهمته فى الحياة ليصير شيئا جدا، ربما يصير هذه المرة صيدة شعر، رقصة مبهجة، أو لمعة فرح فى عينين جميلتين، المهم ان ينتهى الألم .