المثقفون من «خريف الغضب» لـ«ربيع الخوف» سيد محمود   أظهر الحكم بحبس الزميل أحمد ناجى عامين بتهمة خدش الحياء إثر نشر نص أدبى فى «أخبار الأدب» مجموعة من المشكلات التى

المثقفون من «خريف الغضب» لـ«ربيع الخوف»

المثقفون من «خريف الغضب» لـ«ربيع الخوف»

سيد محمود

 

أظهر الحكم بحبس الزميل أحمد ناجى عامين بتهمة خدش الحياء إثر نشر نص أدبى فى «أخبار الأدب» مجموعة من المشكلات التى آن الأوان لفتح نقاش مجتمعى حولها، فالثابت أن الأحكام القضائية فى هذا الشأن هى نتيجة طبيعية لتضارب تشريعى واضح بين النصوص القانونية والمواد الدستورية، ففى حين تؤكد المواد الدستورية الحق فى حرية الرأى والتعبير والتظاهر وحرية الصحافة كمواد تتعلق بالحريات العامة، التى ينبغى لمختلف الأطراف الدفاع عنها، تأتى النصوص القانونية لتحد من هذا الحق بزعم وضع الضوابط، وهو زعم يجرى استخدامه دوما لتبرير أى إجراء ينتقص من الحق فى الحرية، التى يمكن من خلالها تنمية المجتمع بصورة حقيقية وليس بخطاب عاطفى ودعائى لا يصمد فى الواقع.. الأمر الثانى الذى ينبغى التفكير فيه يتعلق بالصورة الذهنية التى يقدمها نظام الدولة عن نفسه فى الداخل والخارج، فعلى الصعيد الداخلى بات واضحا أن النظام بدأ يفقد أنصارا حقيقيين بدءوا معه، وهم اليوم غير راغبين فى الاصطفاف خلفه فى قضايا باتت موضوعا للاستقطاب السياسى حينا وللتضليل حينا آخر.

ولعل المثقفين المصريين فى مقدمة الفئات التى بدأت تراجع موقفها من هذا الاصطفاف الذى بدأ بتوحد لافت لإقصاء الإخوان المسلمين عن الحكم واستعادة الهوية المدنية للدولة المصرية والحاصل الآن أنهم الفصيل الأول الذى يعانى الخسارة ودفع الثمن، وبالتالى فقدان الثقة بالدولة الآن وبقدرتها على تحقيق طموحات التنمية والعدالة وتطبيق القانون، إذ شهدت الأسابيع القليلة الماضية، إلى جانب تجاوزات واضحة لبعض رجال الأمن، ثلاثة أحكام قضائية لحبس باحثين ومبدعين وهم إسلام بحيرى وفاطمة ناعوت وأخيرا أحمد ناجي، الأمر الذى أظهر مصر على الصعيد الدولى كجمهورية للخوف أو ساحة لمحاصرة الخيال، وهى وقائع ثابتة يسهل استخدامها فى وسائل الإعلام الخارجية لإظهار طبيعة المشهد الراهن فى مصر وهو مشهد بحاجة إلى يد جراح سياسى ماهر يضبط إيقاعه ويعيد تصحيح الألوان فى الصورة.. لاستعادة الثقة والأمل وهى مهمة صعبة جدا، لكن لا مفر منها قبل أن يفقد النظام قواعده داخل صفوف النخبة وعلى عقلاء الدولة قراءة التاريخ والنظر فى اللحظة التى سخر السادات فيها من «المثقفين الأرزال»، وقادت مصر بعد ذلك لـ«خريف الغضب» لأن المثقفين الآن يقرءون من قصيدة صلاح عبد الصبور «رعب أكبر من هذا سيجىء» ويرفعونها شعارا للتعبير عن «ربيع الخوف» الذى بدأ بغبار رياح الخماسين التى وصلت بالكتاب إلى السجن.

لحظة حرجة وقاسية على الجميع ويصعب ألا تمر دون «وقفة» تستعيد الدولة رشدها، فليست القضية هى حبس مبدع، وإنما هى أبعد من ذلك بكثير، قضية تخص «عقل الدولة» ومستقبلها الذى يحتاج لـ«ضبط زوايا» قبل أن ننزلق جميعا نحو الهاوية.