الحفل فى اللغة: اجتماع الماء فى محفله، فيقال: احتفل الوادى بالسيل أى امتلأ به، وحفلت السماء حفلاً: جد وقعها واشتد مطرها. والشاة المحفلة كثيرة اللبن، وفى التعريف العام،

بعد الحفلة

 

 

الحفل فى اللغة: اجتماع الماء فى محفله، فيقال: احتفل الوادى بالسيل أى امتلأ به، وحفلت السماء حفلاً: جد وقعها واشتد مطرها. والشاة المحفلة كثيرة اللبن، وفى التعريف العام، الحفلة: تجمع يحدث بين مجموعة من البشر الذين تمت دعوتهم من جانب شخص أو جماعة من أجل الحوار أو المشاركة فى حديث حول موضوع ما أو دون موضوع محدد، وكذلك من أجل الترفيه والاستمتاع بالوجود معًا. هكذا توجد حفلات خاصة بالأعياد، الأعياد الدينية أو السياسية، أو أعياد مولد الأشخاص، وهناك حفلات توقيع الكتب، والتخرج وتأبين الموتى والزواج، والعرض الأول للأفلام، وحفلات العشاء والكوكتيل، وجميع التبرعات والرقص والغناء وغيرها. وفى الحفلات غالبًا ما يكون هناك طعام وشراب، وفيها تزول الكلفة وينتشر المرح وهى وسيلة للاستمتاع والبحث عن السعادة.

ولكن مصطلح الحفلة مصطلح قد يستخدم أيضًا للإشارة إلى عمليات الضرب أو التعذيب (فى أقسام الشرطة والسجون) أو السخرية والازدراء من شخص أو جماعة أو سلوك (فى مواقع التواصل الاجتماعي).

وتحضر الحفلات، على نحو خاص، فى أعمال ديكنز وبلزاك وتورجنيف وفيتزجرالد وموسى صبرى (فساد الأمكنة)، وفى قصائد مهمة مثل: «الحفل» للشاعر عبد المنعم رمضان ضمن ديوانه «قبل الماء … فوق الحافة» (1994)، والحفلات والولائم موجودة فى الأوديسة وهى تمثل جانبًا من الثقافة اليونانية القديمة، وترتبط بالإغواء والحروب والمتعة الحسية الفائقة. لكن أشهر الحفلات والولائم فى الأدب تلك الموجودة فى رواية «ساتيركون» التى كتبها «كيوس بترونيوس» فى بداية القرن الأول الميلادى وبتكليف من الإمبراطور نيرون، وهى رواية زاخرة بالفكاهة والاحتفالات والمجون والولائم، حتى إن وصف احتفال عشاء واحد فيها يستغرق حوالى أربعين صفحة، وقد تجلى ذلك الحفل على نحو بصرى باذخ أيضًا وتجسد فى فيلم «ساتيركون» الذى كتبه وأخرجه المخرج الإيطالى الشهير فيلينى عام 1969 اعتمادًا على هذه الرواية.

فى الرواية التى بين أيدينا «بعد الحفلة» لمؤلفها يحيى الجمال، (وهى روايته الأولى على الرغم من أنه قد تجاوز قليلاً الأربعين من عمره)، هناك وصف وتصوير لحفلات كثيرة، حفلات عشاء فى باريس فى بيت أو مطعم أو ملهى ليلى أو فى الفضاء الموجود بين بنايتين، وهناك حفلات أخرى فى القاهرة وفى الساحل الشمالى (فى هاسيندا مثلاً) ومقارنات دائمة بين مجتمعات الكومباوندات ومجتمعات العشوائيات، لكن مفهوم الحفلة يتجاوز هنا، فى هذه الرواية، هذا المعنى وخاصة عندما يتم الربط بينه وبين أحداث ثورة 25 يناير العظيمة (رغم أنف كل أعدائها)، والتى احتفى المصريون والشباب منهم خاصة، بعد تنحى مبارك، بنجاحها فى احتفالات اجتاحت الشوارع والميادين، لكن ما بعد ذلك الاحتفال، وما أعقب تلك الحفلة من أحداث ربما كان هو الشجن الخاص الذى يدور حوله هذا العنوان، ثم إن «على كمال»، الشخصية المحورية الأساسية فى هذه الرواية يتأمل أيضًا معنى الحفلة والحفلات وما بعدها، من يجىء قبل الحفلة ومن يجىء بعدها، ومن تفوته الحفلات، ومن يظل يحلم بها أو يعتقد أنها لم تكن فى المستوى الذى توقعه، وهكذا يقول على كمال، بطل الرواية، لنفسه: «حان الوقت أن يبدأ عام جديد ويحتفل به مع الجمع الذى ينتظره فى مونمارتر، مع أنه لا يرى ما يستحق الاحتفال به، فالإنسانية فى كل لحظة تكشف له أنها لا تستحق أن يحتفل بها الإنسان، ولكن من الممكن أن يحتفل على أنقاضها، نعم، وهو ذاهب للاحتفال فوق تلك الأنقاض لأن كل ما شب وهو مؤمن به انكشف كشيء آخر تمامًا. العائلة والوطن والحب.. كلها توصيفات لأشياء هى بالفعل مجرد أساس لخيبة الظن والرجاء» كذلك يتأمل على كمال فى مونولوج داخلى وقائع ما بعد الحفلات «هناك من يرفضون مغادرة الحفلات حتى تنتهى آملين أن يتجاوزوا السعادة التى بلغوها. أن يتعرفوا إلى شخص جديد يغير حياتهم أو يقضون ليلة معه تبعثهم إلى السماء السابعة وتدغدغ أحلامهم، وعندما تنتهى الحفلة ولا يجدون ما يبحثون عنه، يذهبون إلى مكان آخر حيث آخرون يبحثون عن الشيء نفسه ، وهناك من لا يحضر الحفلة لأنه انشغل بشيء أو سرقه الوقت ويذهب إلى ما بعد الحفلة. يجتمعون كلهم ويبدءون فى سرد القصص الخالية من أى معان، وتعاطى مخدرات أكثر من أجل بلوغ نشوة أكبر، حتى تلوح تباشير الصباح، بعد أن تبدو الساعات كدقائق، فتنكشف الوجوه على حقيقتها وتسيح المساحيق فيظهر الحزن الدفين، ويموت الكلام بعد أن ينتاب الحضور الخوف من هذا اليوم الجديد الذى يحمل فى طياته وعودًا وأحلامًا لا تتضمن أحلام الأمس».

هكذا يكون «ما بعد الحفلة» أكثر قربًا إلى الحقيقة من الحفلة نفسها، من يبقى بعد الحفلة هو من لم تشبعه الحفلة، لم يحقق غرضه منها، لم يصل إلى توازنه المنشود بعدها، إنه يبقى كى يستغرق فى الاحتفال ويندمج، ويجىء الصباح فينكشف ذلك الحزن الذى يسكن العيون والقلوب.

يذهب «على كمال» إلى فرنسا كى يكتب رواية، وتمر الأحداث ولا تكتمل هذه الرواية، بل ربما لا يكتبها بل يكتب شعرًا، وربما كانت الرواية التى لم يكتبها هى نفسها الرواية التى كتبها يحيى الجمال (هذه الرواية).

من حيث الزمان – أو الزمن – يمكن الحديث فى هذه الرواية عن ثلاثة أنواع من الزمن هي: الزمن الخاص بالماضى القريب وهو زمن يمتد تقريبًا من عام 2010 إلى عام 2011 ويتعلق بذهاب على كمال إلى فرنسا بعد عدد من المشكلات وسوء التفاهمات مع والده ثم معيشته فى فرنسا، معاناته من نقص المال وتعرفه الشخصيات الأخرى مثل: آن وروبير وماتيلده. ثم عودته من فرنسا ومشاركته فى ثورة 25 يناير أو بالأحرى فى المرحلة الثانية بعد تنحى مبارك. ثم هناك الزمن الخاص بالماضى البعيد، حياته، طفولته، علاقته بوالده، والعلاقات الأخرى (مع إجلال مثلاً) وهى علاقات تتصل بفترات الدراسة الثانوية والجامعية وفترات العمل، والعلاقة بالأسرة وحضوره بعد الحفلات مثل حفلة الخطوبة التى جرت فى هاسيندا بالساحل الشمالي.

طبعًا هناك اختلاط وتداخل بين هذين الزمنين، فالماضى البعيد يحضر داخل الماضى القريب، وكذلك داخل الحاضر، يحضر بشخصياته وذكرياته وأحداثه، وما تركه أيضًا على الشخصية المحورية من تأثيرات وأفكار ومشاعر وانطباعات. أما الزمن الثالث فهو الزمن النفسي، الزمن الداخلي، بما فيه من أحلام ومخاوف وهواجس وتوقعات ورؤى وأمنيات وصراعات وكل تلك الجوانب السيكولوجية التى تتجاوز أحيانًا حدود الزمن والمكان، لكنها لا تنفصل عنها أيضًا، بل تعود إليها دومًا، ولا تتوقف أبدًا عن تلك العودة.

من حيث المكان: الأماكن الأساسية فى الرواية هى باريس التى ذهب إليها فى أول مايو 2010، والقاهرة ثم الإسكندرية والساحل الشمالى وسيناء وانجلترا وغيرها، وهناك حركة دائمة هنا من مصر إلى فرنسا ومن فرنسا إلى مصر (فى حالة على كمال)، ومن إنجلترا إلى مصر (فى حالة سليم رياض).

وقد ذهب سليم إلى إنجلترا ونجح فى عمله فى عالم البنوك والمال والأعمال، ومع أزمة 2008 العالمية خسر أمواله وزوجته وابنه (انفصل عنهما وعاد إلى مصر) لكن قلبه لا يزال معلقًا بابنه شريف، يعود إلى مصر ويعمل فترة مع والد على ثم ينفصل عنه ويشارك فى ثورة 25 يناير.

هذا عن الزمان والمكان، وهما هنا مهمان لأنهما يمثلان الإطارين الأساسيين التى تدور بداخلهما، وحولهما، الأحداث الرئيسية فى هذه الرواية، أما الأهم فى رأيى من الزمان والمكان فهى الشخصيات التى تتحرك عبرهما.

والشخصيات الأساسية هما: على كمال وسليم رياض، وهناك بالطبع شخصيات أخرى حاضرة بشكل بارز فى الرواية لكنها تتفاوت فى أهميتها من خلال قربها أو بعدها من هاتين الشخصيتين الأساسيتين وبخاصة شخصية على كمال، ومن هذه الشخصيات: إجلال صديقته القديمة التى تعيش وتعمل فى إنجلترا وهى أيضًا صديقة سليم.

ثم هناك أيضًا والده أحمد كمال، وبخاصة أن الكثير من تطورات أو تحولات شخصية كمال لا يمكن فهمها إلا من خلال تحليل العلاقة بينه وبين والده، وطبيعة هذه العلاقة فى جوانبها السلبية، وهى كثيرة، والإيجابية، وهى قليلة. وهناك أيضًا شخصيات أخرى مثل: آن وروبير واليزابيث، إجلال، مي، رامي، أحمد رأفت .. إلخ، وهى الشخصيات التى تكون موجودة دائمًا فى الحفلات أو المظاهرات، أو حالات الحضور الجماعى أيًا كانت.

هنا فى هذه الرواية، هو ما يهمنى هنا بشكل خاص: بساطة السرد وفى الوقت نفسه بلاغة التعبير، وعمق التحليل للشخصيات، وما يهمنى هنا أيضًا هو كيف صور يحيى الجمال الشخصيات أو كيف قدمها لنا؟ من خلال براعة فى التقاط جوهر الشخصيات، من خلال علامات وإيماءات عابرة سريعة. وأعتقد أن هذا الجانب من الرواية يحتاج إلى تحليل سيميوطيقى خاص يقوم بالتركيز على العلامات الخاصة بعالم الأصوات والصمت والإشارات والغرائز والصور البدائية. والأحلام والهلاوس والرؤى والكوابيس، إلى مستويات تمتد إلى ما قبل اللغة، وكذلك ما بعد اللغة، إلى عالم التجريد والشكل والتركيب والدلالة.

صحيح أن اللغة فى الرواية لغة بسيطة سهلة سلسلة مكثفة أيضًا، عامية الطابع فى معظمها، ليست فيها مفردات غريبة ولا معاظلة، لكنها أيضًا ليست هى الأساس، المهم فى رأيى عند الحديث عن هذه الرواية، هو ما يتعلق بدقة الملاحظة ومهارة الإدراك وبراعة الالتقاط للحظات الخفية والتعبيرات السريعة الموجزة بالإيماءة، والعين والنظرة والابتسامة، وحركة اليدين والرأس وغير ذلك من العلامات.

كان فرويد يقول عن المريض النفسى إنه: «إذا صمت بلسانه ثرثر بأصابعه»، وكان فاجنر مهتمًا بعنصر الصوت وقدرته على التعبير عن القلب الإنسانى والوجود الإنساني، وكذلك بعناصر الصورة والأحلام والرموز والأنماط الأولية والحدوس والمكان والإشارات والتحولات. وهكذا فإنه خلف هذا السرد اللغوى المحكى؛ خلف هذه الرواية، رواية أخرى، صامتة فى مظهرها، لكنها شديدة البلاغة فى مخبرها أو جوهرها، وذلك لأنها متعلقة أساسًا بالعلامات البصرية التى تجسدها النظرة والابتسامة وحركة الرأس واليدين، وكذلك الصمت ونوعية الكلام والعلاقة علاقة بين دال ومدلول وفى وحدة لا تنفصم عراها إلا لأغراض الدرس. ومن الأمثلة الدالة على ذلك، نذكر، تمثيلاً لا حصرًا، ما حدث أثناء الحفلة التى تمت فى مسكن «مي» فى باريس، وحيث نجد رصدًا وتحليلاً للابتسامات وحركات الأيدى والعلامات الدافئة والباردة، الصادقة والخادعة، المواربة والمدعاة وهنا أيضًا محاولة لكشف الشخصية من خلال مظهرها، وأدائها السطحى الخارجي: «انعكس ضوء الشمس على المزاج العام. يكفى أن تظهر الشمس بعد احتجابها وراء السحاب أيامًا فترسم البسمة على الوجوه.. لكنها فى بلادنا ظاهرة معظم الوقت، ومع ذلك، الناس هناك فقدت القدرة على التبسم..».

ويقول سليم رياض فى مونولوج داخلي: «ترى ما الذى يجعل بعضنا يبقى بنفس حيويته الأولى وإقباله على الحياة حتى إنه لا يغير أى شيء فى طريقة كلامه، وآخرون مثله يموت بداخلهم شيء وتبقى آثار المرارة غالبة عليهم طوال حياتهم. أهى تطلعاته وطموحه أم أنه رأى الدنيا كما هى بينما شخص كأحمد رأفت ما زال يعيش داخل شرنقة بعيدًا عن الواقع؟ بالتأكيد هناك عوامل خارجية تصيب أى إنسان وتؤثر عليه. ربما أحمد رأفت رأى الحياة كما هى بينما يعجز هو عن إعطائها قدرها.. ليس أكثر ولا أقل». وكذلك «أرجع سليم رأسه إلى الوراء ووضع يده على ذقنه وفتح فاه بعض الشيء كعادته عندما يندهش ويقرر أن يظهر لمحدثه تعجبه». وأيضًا «الابتسامات أفضل طريقة للتواصل أما آن: وهى من أصل أمريكى وذات علاقات متعددة فقد بدت سارحة فى أفكارها معظم الوقت. تخفى عينيها تحت إسدالة شعرها ثم تحركهما بيدها لفوق جبينها تحت قبعتها، فتقابل نظرتها علي، الذى بدأ يفعل الشيء نفسه تقريبًا.. حتى أصبحت متعته أن يدير وجهه لفترة عنها حتى يحس أنه افتقد العينين الضيقتين فى اللحظة نفسها التى هى تحس هى منها بالشيء نفسه».

فى حفلة أخرى فى «ملهى العدم» الليلى هناك هياكل عظمية وهناك «بارمان» يشبه فان جوخ وصورة غريبة لـ«آن» تنتمى إلى حوالى قرن مضى، صورة فوتوغرافية لها وهى موجودة فى الملهى أو البار لكنها ترتدى رداء الممرضات الأبيض والصورة تعود إلى بدايات القرن العشرين بينما هى «تخرج من أفكارها لأول مرة وترفع عينيها بكل جدية إلى الصورة ثم تحول نظرها إليه بكل صرامة سرعان ما تحولت إلى ابتسامة واثقة وإيماءة».

ذكرتنى هذه الحفلة فى هذه الرواية بمشهد الحفلة فى فيلم Shinning لجاك نيكولسون وستيفن كنج. وهناك فى الرواية حشد من الإشارات إلى الموسيقى بأنواعها، والأصوات والروائح والابتسامات والنظرات كذلك الغموض والتحولات التى تحدث فى الوعى والوجدان والحياة والشعور دائمًا بأن ما حدث ربما كان وهمًا أو كابوسًا.

ذات مرة فى باريس نظر على إلى عينى السائق فى المرآة العمومية للسيارة «فرأى فيهما شيئًا من البراءة لم يتخيله من صوته، فتأثر دون أن يدرى لماذا. السائق لم يتجاوز بداية العشرينيات بكل حال من الأحوال. هذا العمر حين تظهر فى الأعين براءة تتجاوز الأفعال وتختفى فى الثلاثينيات حيت تتجاوز الأفعال ما يخرج من نظرات من الأعين». وفى موقف آخر لم يستطع على نسيان نظرات التيه فى وجه الشاب الصغير وهو فى طريق عودته أو نظرة الكلب الخائف المضروب المهان على وجه أكبر المتسولين أو نظرات التحدى فى عينى رفيقهم الثالث التى كانت وكأنها تقول لزائريه: «أنتم لستم فى مكاننا فلا تحاولوا أن تدعوا عكس ذلك لأنه ليس حقيقيًا».

وتعد علاقة على بأبيه من المكونات الأساسية فى تحليل العلامات غير اللفظية والسلوك غير اللفظى هنا، فمثلاً عندما يحدثه الأب لأول مرة بعد سفره «جاء صوت أبيه كمال يعرفه، عمليًا. لا يعطى لمشاعره فرصة أن تظهر ينتقل إلى احتياجات الحياة الأساسية لتفادى الصمت غير المريح أو الخوض فى مواضيع يعتبر الأب الخوض فيها من المحرمات».

دائمًا ما كان على يتحدث عن والده كأنه شخص غريب عنه، وليس والده، يتحدث عنه فى صيغة الغائب فيقول: «قال أحمد كمال» أو «أحمد كمال فعل كذا أو قال كذا» وذلك على العكس من علاقته الحميمة الدافئة بعمه إبراهيم .

بعد الثورة ذاب الجليد نوعًا ما بين على ووالده، أصبح كل واحد منهما أكثر تفهمًا لما يقوم به الآخر على نحو ما، هكذا ضحكا معًا عندما حدثه والده عن صديقه حمادة الذى كان يشارك فى اللجان الشعبية وهو يحمل ساطورًا، هكذا ازدادت مساحة الكلام ومدته بينهما. ومع ذلك فقد كان اللقاء الأول الذى تم بينهما بعد عودة على من فرنسا كى يشارك فعليًا فى ثورة 25 يناير فى مكتب والده بمثابة عودة أخرى للبرود والجفاء «لم يكن الأب كثير الكلام فى الظروف الطبيعية، أما الآن فبدا وكأنه يريد أن يفصح عن شيء ولكنه لا يمتلك القوة لفعل ذلك». وكذلك «أمعن النظر فى عينى أبيه. إنهما تذكرانه بعينيه. يفهمان بعضهما دون أن يتكلما كثيرًا».

تجسد هذه الرواية وتصور شخصية بالغة الرقة والرهافة والحساسية والذكاء على المستوى الظاهري؛ لكنها فى أعماقها شخصية شديدة الغضب والعنف، وهى فى حالة صراع دائم، وقلق دائم، وتوتر دائم، وعدم رضا دائم، عن أى شيء أو أى شخص، كما أنها تستغرق وتندمج فى حالة من الأسى والشجن، والغضب والسخط على ما حدث «بعد الحفلة»، وكذلك على كل تلك الأحداث والتطورات والتغيرات الهائلة والتى جرت وقائعها الأولى فى مصر عقب ذلك النجاح النسبى لثورة من أعظم الثورات، تلك التى جرت وقائعها فى تلك الأيام الخالدة من شهرى يناير وفبراير العام 2011.

 

نقلا عن العدد الورقي رقم 814