شريف صالح القبض على الخيال   لو حدث أن الزوجة «ف» كانت تقود سيارتها ودهست زوجها بالخطأ سيعتبر الأمر حادثًا.. أما إذا كانت قد تشاجرت معه قبل الحادث فسيعتبر جريمة

8999

197

شريف صالح

القبض على الخيال

 

لو حدث أن الزوجة «ف» كانت تقود سيارتها ودهست زوجها بالخطأ سيعتبر الأمر حادثًا.. أما إذا كانت قد تشاجرت معه قبل الحادث فسيعتبر جريمة قتل. رغم أنه نفس الحادث فى الحالتين.. لكن التوصيف يختلف وفقًا لإرادتها.. فالجريمة ليست فى الحادث المادى بل فى نية مرتكبه.

وإذا اعتادت «ف» أن تعطى المتسولين نقودًا.. فالذى يجعل ما تقوم به «عبادة» وليس «عادة» هو نيتها.. رغم أن الفعل هو نفسه. فمكافأة الإنسان أو عقابه على سلوك بعينه لا تكون عادلة أبدًا، ما لم تضع فى الحسبان إرادته ووعيه ونيته.

فلو افترضنا أن أحمد ناجى مؤلف رواية «استخدام الحياة» والمحكوم عليه بالسجن عامين.. اشترى طلاء وكتب الألفاظ «البذيئة» الواردة فى روايته على جدران المباني، يمكننا هنا أن نتهمه بخدش الحياء عمدًا.

لكنه أصدر مُنتجًا وصنفه بأنه «رواية»، بما لا يحتمل أى معنى آخر سوى أنه عمل تخييلي. مثلما لا أستطيع أن أعتبر مشهد الزوجة «ف» الحميم مع عشيقها فى فيلم سينمائى بأنه «زنى»!

يدرك ناجى أنه يقدم نصًا لغويًا تخييلا.. اختار له معجمًا بعينه وفق صوت سردي.. هذا النص يخضع لقيم أدبية وليس لقوانين الواقع.. تمامًا مثلما تقوم الشرطة بالقبض على الزوجة «ف» إذا سارت عارية فى الشارع مستوى الواقع لكن نفس الزوجة إذا رسمها فنان كموديل عارٍ فقد تحولت إلى مستوى تخييلى فني. والفن بطبعه يسمو حتى بما هو مبتذل. وتصبح الفجاجة فى اقتطاع الفن خارج سياقه.

فى الفن مساحة حرية وخيال لا مثيل لها فى الواقع، تجعلنا نتساهل مع أغنية «القبلة إن كانت للملهوف.. ياخدها بدال الوحدة ألوف».. رغم أن هذه الصورة الغنائية تعتبر فعلا فاضحًا على كورنيش الواقع!

من السخف إغفال «قصدية» ناجى واقتطاع منتجه من سياقه.. لأنه بهذا المعنى يمكن محاكمة مئات الروايات والأغانى والأفلام وحتى كتب التراث الحافلة بالألفاظ ذاتها.

ولسنا هنا فى وارد تقييم الرواية أو إبداء أى تحفظ على مفرداتها التى نسمعها ليلا ونهارا فى شوارعنا! وإن كانت غير مقبولة على المستوى الرسمى للغة. فالأمر فى النهاية رهان أدبى فى تسريد نصه.. تمامًا مثلما اختار المخرج جاسبار نوى فى فيلمه «عشق» أن يُقدم مشاهد الحب بالأعضاء التناسلية لأبطاله.. رغم أنه يقدم فيلمًا جادًا وليس «بورنو». بالتأكيد سيصدم الفيلم جمهورًا عريضًا.. وسيتحمس جمهور آخر.. مع إدراك الجميع أننا أمام تجارب تخييلية من حقنا أن نقبلها أو نرفضها.. وليس أن نحاكم أصحابها بقوانين الواقع.. ونطالب بجلد ورجم الممثلين!

فلماذا هذا الإصرار على محاكمة الخيال؟ لأن الخيال هو الأمل.. المتنفس الذى نستطيع فيه أن نشتهى أجمل حب.. ونحلم بما لا يحدث أبدًا.. والسلطات دائمًا يزعجها ما ليس تحت سيطرتها.. فهى تريد إخضاع نوافذ الخيال لحراس الفضيلة.. ولو استطاعت لقبضت على الخيال وسجنته مع ناجي.

  • يُروى أن الطيار الأمريكى جورج هول وقع فى الأسر أثناء حرب فيتنام وعاش فى مكان مظلم لسبع سنوات فراح يتخيل نفسه وهو يتدرب على لعبة الجولف وبعد الإفراج عنه بأسبوع فاز فى مسابقة عالمية للعبة. تخبرنا هذه القصة بأن الخيال أقوى من الواقع.. وهذا هو نفسه سبب الرعب الذى تشعر به أية سلطة تجاه رواية أو قصيدة أو رسمة كاريكاتير أو أغنية شعبية.. أو حتى نكتة.