على أبو شادي : التوسع الأفقى فى “قصور الثقافة” أضر بفاعليتها التخلص من وطأة “التفتيش البوليسي” وتحرير أنشطة “الهيئة” سيعيد إليها الجمهور حوار – رشا حسنى قضى الناقد الكبير على

611

على أبو شادي : التوسع الأفقى فى “قصور الثقافة” أضر بفاعليتها

التخلص من وطأة “التفتيش البوليسي” وتحرير أنشطة “الهيئة” سيعيد إليها الجمهور

حوار – رشا حسنى

قضى الناقد الكبير على أبو شادى عمره كله متنقلا بين شتى المواقع الثقافية الفاعلة ورغم ذلك حافظ على هويته كمثقف مستقل ..كانت له تجربة ناجحة فى قيادة “قصور الثقافة” انتهت سريعا فى 2001 بعد عام وشهرين، إثر قضية ” الروايات الثلاث” الشهيرة لكن تلك التجربة القصيرة كانت الأكثر تأثيرا خلال العقدين الأخيرين.. هنا نستشرف رؤيته لحال “الثقافة الجماهيرية” واقتراحاته لاستعادة هويتها وازدهارها.

كيف كنت ترى تجربة “الثقافة الجماهيرية” فى مطلعها قبل أن تصبح فاعلا فيها؟

كنت وما زلت أراها حتى الآن تجربة مضيئة فكل تجربة تتأثر بظروفها العامة، بدأت عام 1966 مع ظهور التليفزيون كمشروع وليد لم يمر عليه أكثر من خمس سنوات ولا يضم إلا قناة أو اثنتين، الظرف كله مهيأ لفكرة التعامل المباشر مع المجتمع.

سعد كامل اختار مجموعة من المثقفين لهم اهتمام حقيقى بالتفاعل مع الجماهير مثل هبة عنايت وعز الدين نجيب وأسماء عديدة أسند لها إدارة قصور الثقافة وهى فكرة أسست لها الجامعة الشعبية فى مرحلة سابقة. هذه التجربة وضعت المثقف الفاعل فى مواجهة مع الناس وأثمرت بشكل جدى حيث كان هناك اهتمام بالتعرف على أفكار النهضة والتنوير فى إطار مشروع جمال عبد الناصر النهضوى الضخم، الثقافة كانت هدفا اساسيا فى هذا المشروع تبناه ثروت عكاشة.

المسألة إذن تتعلق بإرادة سياسية وإرادة ثقافية، “الثقافة الجماهيرية” كانت عندها الرغبة الحقيقية فى الاتصال بالشارع للوصول للمواطن العادى وإمداده بخبرة ثقافية بأسهل الطرق وأقصرها وقد كان تأثيرها ملموسا لدرجة أن واحدة من التجارب المهمة التى قام بها عز الدين نجيب بكفر الشيخ أزعجت السلطات حيث شعر المحافظ إبراهيم بغدادى ان الافكار اليسارية سوف تتسرب للمجتمع وتتسبب فى مشاكل فسعى لعرقلتها.

على الرغم من القصر الشديد لتلك التجربة كيف ظلت حاضرة فى الأذهان؟

هذه التجربة من أفضل التجارب وانضجها وهى رغم قصرها ظلت ممتدة بتأثيرها فى المجموعة التى عملت بهذا الجهاز وقد اكتشفت ذلك عندما التحقت بهذا الجهاز حيث وجدت قواعد وتقاليد مترسخة يسهل البناء عليها، حب التفاعل مع الجمهور واحترامه كل هذه المبادئ استمرت معنا وظل داخلى الإيمان بضرورة المشاركة فى النشاط الثقافى من منطلق إيمانى بأن هذا هو حق الناس علينا. نحن جيل تربى على الإيمان بالمسئولية تجاه المجتمع.

عندما جاء سعد الدين وهبة بعد ذلك اكمل المشوار بعد القلق الذى سببه سعد للدولة كلها خاصة فى أعقاب نكسة 1967، كان وهبة مختلفا فهو مثقف يسارى كبير وسياسى فى الوقت نفسه جاء فى مرحلة حرجة بعد الهزيمة واستطاع أن يعطى الجهاز مذاقا مختلفا فهو بالاضافة لكونه مثقفا كبيرا فهو إدارى ممتاز كان انجازه الاساسى تربية الكوادر حيث اسس “معهد إعداد الرواد” وكان من فئة نادرة من المثقفين الذين يجمعون بين الإبداع والقدرة على الإدارة.

تجربة الثقافة الجماهيرية ممتدة ومؤثرة أرست فلسفتها فى كيفية التعامل مع الجمهور وتوفير أفضل خدمة ثقافية بأقل الامكانيات. هناك فرق كبير جدا بين الندوة المباشرة التى يتفاعل فيها المثقف مع الجمهور وبين تلقى نفس الندوة عبر التليفزيون لضمان التفاعل وهذه هى المهمة الاساسية للثقافة.

612

على الرغم من اهمية “الجمهور” كفاعل رئيسى فى أنشطة “الثقافة الجماهيرية” لماذا أصبح هو العنصر الغائب أو ربما المغيب؟

المشكلة أن هناك عوامل أخرى منها روتينية الندوات مع تعدد الجهات التى توفر الخدمة الثقافية.

كانت الناس كلها تستمع للبرنامج الثانى، الآن من الذى يسمعه؟ هذه المتغيرات دعت الجمهور للانصراف لأن لديه أشياء أخرى تشغله، السؤال هنا كيف نتعامل مع هذه المتغيرات؟ لابد أن نعيد استراتيجية “الثقافة الجماهيرية”، وهو المسمى الذى أفضله لأنها تدل على “معنى” بينما» قصور الثقافة» تكتفى بـ«المبنى»

غياب الجمهور المستهدف اليوم نتيجة عوامل كثيرة لابد من بحث عن طريقة مبتكرة لاستعادته.

لمست من خلال معرض الكتاب اقبال الجمهور على أنشطة بعينها تشبع اهتمامه، خاصة العروض الفنية..لماذا لانستثمر ذلك فى استعادة الجمهور؟

فنون “الفرجة” هى التى تجذب الجمهور عادة وهذه الأنشطة تقام بالفعل فى كثير من المواقع، المشكلة تتركز فى عدم الإعلان وعدم الاعلام عنها، لابد من تغيير الأنشطة فمثلا لا تقام فى الصعيد فنون التحطيب فهى متاحة وعادية أما عندما نرسل فرق الفنون الشعبية للخارج تجد اقبالا شديدا وتنال جوائز لأنها تقدم شيئا مختلفا.

لابد من اعادة النظر على مستويين، الاستراتيجية والتكتيك بمعنى تحديد الهدف الأساسى الذى نرغب فى تحقيقه؛ الثقافة الجماهيرية هى وزارة مصغرة تضم كل الأنشطة المتصلة بالثقافة وهوما يتيح الفرصة بدءا من النشر حتى ثقافة الشباب والمرأة والطفل والعمال والثقافات النوعية كلها.

مثلا كان هناك نواد للسينما توقفت ولابد من البحث عن صيغة جديدة لاعادتها وفقا للظروف الحالية فالمشاهد لن يأتى لمشاهدة فيلم يمكنه مشاهدته فى مكان آخر إلا عندما يصاحب العرض السينمائى مناقشة مع ناقد يعلم هو جيدا أنه جاء من بيته ليلتقى به ويشاركه النقاش حول الفيلم وهو ما ينمى التذوق .

كان ذلك يحدث منذ منتصف السبعينات رغم وجود برامج تليفزيونية تتوافر لها المشاهدة والمصداقية مثل “نادى السينما” و” أوسكار” لأن المشاهد كان يريد أن يدعم ثقافته السينمائية هذا لم يعد متاحا الآن والأمر نفسه بالنسبة للفن التشكيلى فبعد أن كان الجمهور يتردد على المراسم ومعارض الفن التشكيلى انصرف عنها والحل مرتبط بتحديد ماذا نريد وما الامكانيات المتاحة؟

هل المشكلة الأساسية هى الميزانية؟

المشكلة ليست فى الميزانية، منذ 15 عاما كانت ميزانية النشر بالهيئة بالكاد 2 مليون وأظنها الآن وصلت إلى 12 مليونا فالمشكلة ليست أبدا فى الميزانية لكن فى وضع خطة متكاملة من الألف إلى الياء وترتيب الأولويات وهوما يعيد التساؤل من جديد: هل الثقافة الجماهيرية بمفهومها القديم تصلح اليوم؟

اشتغلت عمرى كله فى الثقافة لكنى عندما توليت رئاسة الهيئة لمدة لم تتجاوز سنة وشهرين حاولت أن أفتح المجال و أصدرت قرارا رسميا مع مانفيستو كامل عرضته خلال مؤتمر أدباء الأقاليم قلت فيه ان هذه القصور والبيوت هى وعاء لأنشطة المجتمع المدنى وأصدرت تعليمات واضحة وصريحة بأن كل مؤسسات المجتمع المدنى من حقها أن تقيم انشطتها فى قصور وبيوت الثقافة وكان هدفى من ذلك أولا: منح مصداقية للنشاط المقام، ثانيا: جذب المتطوعين نحو العمل الثقافى، ثالثا: إضافة فكر وخيال مغاير . أتذكر وقتها اننا أقمنا أول تجربة وهى “ مبدعات فى الظل” مع جمعية “المرأة الجديدة” فى أربع محافظات هى القاهرة، الشرقية، المنيا، أسوان وكانت هناك مسابقة تشبه الآن “فويس كيدز” لكنها كانت مخصصة للبنات، واقمنا حفلها الختامى بعد أن غادرت منصبى، إذن المجتمع المدنى مهيأ لذلك إذا أحسن اختيار من يتولى المسئولية .فالمسئول لا يجب أن يخشى من استهلاك الموقع الثقافى وتكسيره وتبديد عهدته وفعلا الناس تعودت طوال 4 شهور على هذه الأنشطة وتعاطوا معها دون حساسية وتفهم الموظفون فى المواقع المختلفة أن المؤسسات المدنية لا تستهدف اختطاف المكان بل المساعدة فى تحقيق هدف مشترك.

لكن المجتمع المدنى الآن صار ملتفتا للسياسة على حساب الثقافة .هل ترى أنه مهيأ لاعادة تلك التجربة؟

يعتمد ذلك على طبيعة ما يقدم مثلا “مبدعات فى الظل” لو لم تقم نشاطها فى ظل جهة رسمية كان من الصعب أن يتعاون معها أهالى القرى والأقاليم؛ مشاركة وزارة الثقافة ممثلة فى الهيئة منحت المشروع مصداقية، كنت استهدف أن تجد الجمعيات الجادة مكانا يتسع لأنشطتها ويكون ظهيرا له مصداقيته، إضافة لتقديمها شيئا مختلفا ورؤى متطورة فالمنفعة متبادلة.

نريد تجارب على الأرض بين الناس وليس مجرد تكرار لندوات أو ملء أوراق للحصول على دعم مادي.

كيف تفسر موقف بعض المثقفين واعتزازهم بأنهم بعيدون عن “المؤسسة” رغم تغير النظام فى مصر أكثر من مرة ؟

هذه حساسية خاصة، البعض يخشى من مقولة أن الانخراط فى عمل ثقافى متصل بجهة رسمية قد يضمه لما أسماه فاروق حسنى “ الحظيرة” وهو كلام مردود عليه، فالمثقف الحقيقى لايعنيه أين يعمل لكن يعنيه ماذا يقدم؟ هناك “مثقف السلطة” الذى قد تكون تلك هى قناعاته أو يكون انتهازيا يدافع عن النظام ايا كانت توجهاته وهناك “مثقف فى السلطة” فالمثقف الفاعل العضوى يجب أن يقوم بدوره وإلا من الذى سيقوم بهذا الدور؟ ثم ان المثقف خارج السلطة عليه أن يسأل نفسه عن ماهية ما يفعل. قد يكون هذا الموقف مقبولا فى حالة واحدة أن تكون المؤسسات المدنية قد وفرت للمثقف الفرصة فى ان يقوم بدوره من خلالها

أزعم أننى ناصرى الهوى وهذا ما تعلمته من جمال عبد الناصر وهذه هى المبادئ التى أعيش بها حتى الآن رغم كل ما أعانيه نتيجة لتلك القناعات .تعاملت على أنى موظف فى الدولة وليس لدى نظام بحيث أنفذ ما يجب ان يتم دون خسائر ..أزعم انى نجحت فى ذلك فى المواقع التى تقلدتها ..غيرى يفضل ان يبتعد وهو حر فى اختياره قد تكون المؤسسة مقيدة لكنى كنت أكتب كناقد مختلف تماما مع النظام ؛الذى دفعنى لممارسة هذين الدورين بالتوازى هو رغبتى فى أن أمارس فى العمل العام دورا نافذا وفاعلا فما العمل إذا اختار كل المثقفين الابتعاد عن ممارسة هذا الدور واتذكر أن كل القيادات التى تزعمت ازدهار الثقافة الجماهيرية كانت قادمة من عباءة معارضة النظام بدافع الاحساس بالمسئولية نحو المجتمع، هى مهمة اذا كنت عاجزا عن ان تفعلها فلا تدعى الترفع عنها.

611

متى بدأ تضاؤل فاعلية الثقافة الجماهيرية؟

عندما تضافرت العوامل الداخلية والخارجية من تكدس وظيفى وانتشار أفقى دون رؤية. كان معى 100 يديرون أكثر من 300 موقع لأنهم مخلصون ومحبون لما يقومون به اما الباقى فكان عبئا، هذا الجهاز يحتاج للاستنفار ليشارك العاملون به بفاعلية فالموظف قد يكون مظلوما لان أحدا لم يسند اليه مهمة معينة.

مركز الرواد يقوم بتأهيل الكوادر وهناك ألقى محاضرات وأجدهم فى منتهى الحماس ولايصدقون انى من جيل قديم عندما أحكى لهم التجارب التى خاضها جيلى يجدون أنهم لايقدرون على تنفيذها الآن ليس لأنهم متقاعسون لكن لانهم مقيدون.

ضرورى أن يتصل رئيس مجلس إدراة الهيئة بالجمهور ولا يختارمدير قصر أو رئيس فرع يراه الناس ضعيفا أو جاهلا، القيادة الثقافية يجب أن يتم اختيارها بعناية فاليوم الواقع كله مختلف عن لحظة البداية حوالى 50 عاما مرت، الظرف كله تغير فى الماضى. كانت هناك جمعات سرية تحت الأرض، الآن النضال على الفيس بوك. هناك أشياء يجب أن تتغير فى طريقة التعامل مع الجمهور وكل شخص فى موقع المسئولية عليه أن يدرس واقعه بدقة ليحدد ما يمكن ان يتم ليلبى احتياجات الناس، المعنى نفسه هو المشاركة أن تعطى لهذه الجماهير ثقافة ليست هى السائدة وإنما بمفاهيم مختلفة.

هل ترى إمكانية استلهام التجارب السابقة أو استنساخها؟

هناك نقاط يجب إصلاحها. صحيح كان هناك بيروقراطية وتدخل الادارة المحلية لكن من خلال تجربتى وقد عملت بوزارة الثقافة “كعب داير” من قطاع لآخر وفى بعض الأاحيان أمسكت كل القطاعات معا. فهمت كيف تتعامل مع الواقع وتطوع البيروقراطية وتوفر أفضل مناخ للتعامل، تطلق الحرية للناس، تتكلم وتشتغل بلا خوف تبعد عنهم ما يسمى بوطأة التفتيش البوليسي.

عندما توليت رئاسة “قصور الثقافة” اتفقت مع الأمن أن يكف يده عنا على أن أتحمل وحدى المسئولية، قبلها كانت كل محاضرة فيها مخبر، وحملت المسئولية عن الناس ليعملوا بحرية ويشعروا ان هناك مسئول ظهير لهم وهو أمر شديد الاهمية.

ما العائق الرئيسى فى رايك الذى يتصدى لمحاولات إصلاح “الهيئة”؟

اخطر شيء فى الثقافة الجماهيرية تهالك المواقع لذا أرى أن التوسع الأفقى كان ضارا جدا. ما اهمية أن يصبح عندى 400 موقع “اتمنظر” بها وهى فى الحقيقة غير فاعلة رغم كل ما صرف عليها؟ لابد من التخفف قدر الإمكان من هذه المواقع ولا يعنى هذا تقلصها يجب أن يكون هناك قرار شجاع بتكثيف الانشطة فى قصر ثقافة واحد يخدم عدة قرى وبدلا من توزيع الأنشطة على القصور الأخرى المجاورة مع غياب الجمهور نطلق قوافل ثقافية بأنشطتها لكل القرى وهناك تجارب ناجحة مثل “مسرح الجرن” كان أهل القرى يحتشدون لمتابعة عروضه ويتفاعلون معه لكنه توقف وتعرض لمضايقات فى السنوات الأخيرة لم توفر له الميزانية رغم ضعفها

والوسيلة الأضمن لعودة الجمهور أن تتم إعادة فتح قاعات السينما.

وماذ عن النشر, ما رأيك فى الفكرة المطروحة بتوحيد جهة النشر بوزارة الثقافة؟

الناشر الرئيسى لوزارة الثقافة “الهيئة العامة للكتاب” وكذلك المركز القومى يترجم وينشر أما “قصور الثقافة” و”دار الكتب” فلديهما مهام أخرى يمثل النشر جانبا منها لكنه مهم ومؤثر.

كنت أحد مؤسسى “مشروع النشر” بالهيئة بهدف تقديم خدمة ثقافية بأقل قدر من التكلفة وبأسعار مميزة جدا لو تم حرمان الناس من هذه الخدمة سيكون أمرا سلبيا..”الثقافة الجماهيرية” من حقها التعامل مع كل الفئات, تتعامل مع الأدباء والفنانين والثقافة النوعية، والنشر جزء أصيل من رسالتها وأنا ضد اغتيال هذا المشروع فهو السند الباقى للجهاز حتى الآن، ويجب البحث عن صيغة لتطويره والتنسيق بين كل جهات النشر بالوزارة وتطوير التوزيع ودعم النشر الالكترونى.

مهمتنا ونحن خارج إطار المسئولية المباشرة تشخيص المشكلات لمساعدة المسئول فى البحث عن حلول لها.

الظرف تغير والامكانيات تطورت, المهم الارادة والكوادر التى تتفاعل مع هذه الارادة.