عن التلاعب بأصول الإسلام (الشريعة نموذجا) على مبروك   إن ما جرى فى أعقاب تلك الثورات العربية إنما يكشف عن احتياج المسلمين، على العموم، إلى إعادة النظر فى أصول دينهم

cairo mosques

7888

عن التلاعب بأصول الإسلام (الشريعة نموذجا)

على مبروك

 

إن ما جرى فى أعقاب تلك الثورات العربية إنما يكشف عن احتياج المسلمين، على العموم، إلى إعادة النظر فى أصول دينهم التأسيسية الكبرى؛ على النحو الذى يسمح لها (أى هذه الأصول) باستعادة ما كان لها من رحابة وانفتاح، ليس فقط لكى تصبح أساسا لقولٍ جديد يتفاعل به المسلمون، على نحو منتج، مع قيم العصر، بل- وهو الأهم- لكى تقدر هذه الأصول على تحقيق ما هى موضوعة من أجله أصلا. فإن هذه الأصول هى موضوعةٌ- بحسب ما تكشف القراءة المتأنية لما ورد عنها فى القرآن ذاته- من أجل أن تكون ساحاتٍ للتلاقى والتقارب بين البشر؛ وإلى الحد الذى تكاد معه أن تكون أصولا لاجتماعهم المدنى التأنسي. وإذ يبدو- هكذا- أن القصد من «الوضع القرآني/ الإلهي» لتلك الأصول هو أن تكون ساحات تواصل بين البشر، فإن ما يثير الغرابة حقا هو أن كيفية «التعاطى التاريخي/ الإنساني» مع هذه الأصول كثيرا ما أحالها- ولم يزل- إلى أدوات لترسيخ التفاوت والتمايز بينهم؛ وبما يحيل إليه ذلك من أن ما يراوغ به البعض من التطابق بين القرآنى والتاريخى هو محض وهم.

ويظل مفهوم «الشريعة» هو النموذج الكاشف عن هذا التباين بين وضعين؛ أحدهما (إلهي) منفتح، بينما الآخر وهو (الإنساني) يتأرجح بين الانغلاق والانفتاح. ولعله يلزم التأكيد، هنا، أن وضع الشريعة المتجه نحو التشدُّد والضيق- أو حتى الانغلاق- قد بدأ فى التبلور منذ النصف الثانى من القرن الثانى الهجري، ومع الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور بالذات؛ الذى كان أول من أدرك- مع منظِّره الإيديولوجى عبد الله بن المقفع- القيمة القصوى للشريعة كسلاحٍ للضبط السياسى للجمهور. فإنه إذا كانت الدولة الأموية قد اعتمدث على «العقيدة» فقط- والجبر بالذات- كسلاحٍ لإخضاع الجمهور وتدجينه، فإنه يبدو أن الدولة العباسية قد أضافت «الشريعة» إلى العقيدة، كسلاحٍ للإخضاع والتنميط. إن ذلك يعنى أن الاستخدام السياسى للشريعة كان هو نقطة البدء فى تبلور الوضع المنغلق الذى استقر لها بعد ذلك. وضمن هذا السياق، فإنه يمكن فهم ما جرى- منذ منتصف القرن الماضي- من استخدام الشريعة كسلاحٍ سياسى تحارب به جماعات الإسلام السياسى معركتها من أجل قلب الدولة القائمة، والإمساك بالسلطة بدلا منها. ولقد ارتبط هذا الاستخدام الأخير للشريعة، كسلاحٍ سياسي، بتبلور ما يمكن القول إنه الإسلام الجهادى أو الانقلابى الذى كانت معطياته تتفاعل تحت السطح (على مدى الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى إعلان سقوط الخلافة فى نهاية الربع الأول من القرن العشرين) حتى جاء «سيد قطب» ومنحه فرصة الحضور فى قلب المشهد المصرى قبل ما يزيد على نصف القرن من الآن تقريبا.

وقد تمثلت استراتيجية تيارات هذا الإسلام الجهادى أو الانقلابى فى تحويل الشريعة إلى سلاح سياسى يحاربون به دولة ما بعد سقوط السلطنة العثمانية (المتسربلة برداء الخلافة)، فى الادعاء المضمر بالتطابق الكامل بين الشريعة والفقه؛ والذى كان القصد من وراءه هو إضفاء قداسة (الشريعة) ذات الأصل الإلهى على (الفقه) الذى هو نتاج الاجتهاد الإنساني. فإذ ركز هؤلاء الجهاديون/ الانقلابيون نقدهم للدولة القائمة فى أنها دولة كافرة، لأنها- على زعمهم- لا تحكم بشرع الله، فإنهم قد اختزلوا هذا الشرع فى مجرد النظام الفقهى القانونى الموروث من الماضي؛ والذى اجتهد الفقهاء فى انتاجه على مدى القرون. وبالطبع فإنهم كانوا- عبر اختزالهم لشرع الله فى الفقه- يقصدون إلى إضفاء قداسة الشرع (الإلهي) على الفقه (الإنساني). ولقد كان ما جرى من الاتجاه المتزايد إلى بناء الفقه على «الخبر/ الأثر» (الفقه النصي/ الحديثي) مما ساعد على التعالى به إلى مقام المنتج الإلهي؛ وذلك من حيث ما راح يجرى من المُخايلة بنسبة هذا الخبر/ الأثر إلى الوحى من السماء. ومن حسن الحظ، أن القراءة المدققة تكشف عن أن هذا الاختزال للشرع فى الفقه كان يمضى فى المسار المعاكس تماما لما يقرره القرآن من وجوب التمييز بينهما؛ وذلك من حيث يلح القرآن على نسبة الفعل المنتج للفقه إلى البشر.

وبالطبع فإن الأمر يقتضى ضرورة تفكيك كل تلك التحولات والمسارات المتعرجة لمفهوم الشريعة، والكشف عما أثقل به كل ما جرى من تسييس الإسلام- الذى لا يزال قائما بكثافة للآن- على مآلات المفاهيم ومصائرها التى مالت بها إلى الضيق والانغلاق.